إنّ فهم وتحليل الكثير من التحوّلات والأحداث السياسيّة والثقافيّة والاجتماعيّة الراهنة، بما في ذلك القضايا المتعلّقة بالمجال العسكريّ، يظلّ ناقصًا ومبتورًا دون إدراك بُعدها الحضاريّ. كما أنّنا مضطرّون إلى الالتفات للأبعاد الحضاريّة عند تحليل مؤشّرات ومقوّمات الثورة الإسلاميّة؛ وذلك لأنّ الثورة الإسلاميّة في إيران لم تكن مجرّد تحوّلٍ سياسيٍّ أو تغييرٍ للسلطة في بلدٍ ما، بل هي تجاوزت ذلك إلى مشروعٍ جادٍّ لتأسيس وصياغة نموذجٍ حضاريٍّ جديدٍ. ولهذا السبب، فإنّ المواجهات التي تشكّلت في أعقابها اكتسبت طابعًا يتجاوز النزاعات السياسيّة المألوفة، ممّا يستوجب دراستها وتحليلها في إطار مواجهةٍ حضاريّةٍ.

إيران؛ مركزٌ مهمٌ لتكوين الحضارة عبر التاريخ

يرى الدكتور إبراهيم فيّاض، عالم الاجتماع البارز وعضو هيئة التدريس في جامعة طهران الإيرانيّة، أنّه ينبغي تحليل حرب السنوات الثماني (مع صدّام حسين 1980-1988م) من المنظور الحضاريّ أيضًا؛ إذ رغم أنّ هذه الحرب قد تبدو في نظرةٍ سطحيّةٍ مجرّد نزاعٍ إقليميٍّ بين بلدين، إلّا أنّ مؤشّرات المواجهة الحضاريّة تبدو واضحةً للعيان في طبقاتها الأعمق.

وأضاف فيّاض أنّ إيران كانت على مرّ تاريخها من أبرز مراكز التكوين الحضاريّ في العالم؛ ففي حقبٍ تاريخيّةٍ مختلفةٍ – من الحضارات الإيرانيّة القديمة، مرورًا بالعصر الإسلاميّ، ثمّ العهد الصفويّ حتّى يومنا هذا – اضطلعت هذه الأرض بدورٍ محوريٍّ في إنتاج النماذج الثقافيّة والحضاريّة ونشرها، وقد أسبغ هذا الإرث العريق على مفهوم الحضارة مكانةً راسخةً في الذاكرة التاريخيّة للمجتمع الإيرانيّ.

تقريرٍ تحليليٍّ لوكالة أنباء الحوزة: مكوّنات المواجهة الحضاريّة مع نظام الهيمنة في الحرب المفروضة الأخيرة

الادّعاء الحضاريّ الزائف للنظام البهلويّ

وتابع فيّاض: حتّى في حقبة ما قبل الثورة الإسلاميّة في إيران، سعى النظام البهلويّ، من خلال طرح فكرة «بوّابات الحضارة العظيمة»، إلى تقديم نفسه في صورة مشروعٍ حضاريٍّ. ففي تلك الحقبة، كانت تُنشر مؤلَّفاتٌ بهذا المضمون بهدف ترسيخ صورة إيران وهي تعبر عتبة عصرٍ حضاريٍّ جديدٍ، غير أنّ شريحةً واسعةً من المجتمع كانت تجد هذا الادّعاء متنافرًا مع الحقائق الاجتماعيّة والسياسيّة السائدة آنذاك. فقد أدّت البنية السياسيّة القائمة على الملكيّة المطلقة، والمصحوبة بالفساد والتبعيّة والفجوة العميقة بين السلطة والمجتمع، إلى جعل هذه الادّعاءات غير مقنعةٍ لشريحةٍ واسعةٍ من المجتمع.

وأردف هذا العالم الاجتماعيّ: في خضمّ هذا المناخ وتلك الأرضيّة، دخلت الثورة الإسلامية الساحة حاملةً شعارًا جوهريًّا مفاده: «لا شرقيّة ولا غربيّة»؛ وهو شعارٌ جاء في حقيقته إعلانًا للاستقلال الحضاريّ، أي مسعىً لبناء نموذج لا يُعرَف في أطر الحضارة الغربيّة ولا في قوالب النماذج الشرقية السائدة آنذاك. بل كان الهدف تشكيل نوعٍ من الحضارة الإسلاميّة الّتي يمكن أن تتجلّى في إطار نظامٍ سياسيٍّ جديدٍ، ألا وهو الجمهوريّة الإسلاميّة.

الحضارة الاستعراضيّة لدول الخليج الفارسيّ

وأوضح فيّاض: وعلى الصعيد الإقليميّ، فإنّ التحوّلات تشير إلى أنّ كثيرًا من التنافسات والاحتكاكات يمكن تحليلها في إطار هذا النسق الحضاريّ ذاته؛ فبعض دول المنطقة تفتقر إلى رصيدٍ تاريخيٍّ عميقٍ في ميدان الحضارة، فتكثّف جهودها لتقديم صورةٍ عن التقدّم والتطوّر من خلال التنمية الشكليّة للمدن والأبراج والبنى التحتيّة الحديثة، ويمكن وصف هذا النمط بـ «الحضارة الاستعراضيّة»؛ أي أنموذجٌ يعتمد أساسًا على المظاهر الخارجيّة والرموز الحداثيّة، دون أن يرتكز بالضرورة على رصيدٍ ثقافيٍّ وتاريخيٍّ عميقٍ.

وأضاف: يمكن رصد نموذجٍ من هذا الواقع في بعض المدن الثريّة في المنطقة، التي تسعى، من خلال تشييد الأبراج الشاهقة والمراكز التجاريّة الضخمة والمشاريع الاستعراضيّة، إلى تقديم صورةٍ عن التقدّم والحضارة، غير أنّ مثل هذه البنى والهياكل كثيرًا ما تبدو هشّةً في مواجهة الأزمات الاقتصاديّة والتحوّلات السياسيّة الكبرى، لكونها تقوم على الاستعراض الشكليّ للتنمية أكثر من اعتمادها على أسسٍ ثقافيّةٍ واجتماعيّةٍ راسخةٍ.

أين تكمن جذور صراع الحضارات؟

وفي سياقٍ متّصلٍ، أوضح فيّاض: إنّ مقولة «صراع الحضارات» الّتي طرحها بعض المنظّرين الغربيّين، قد عادت إلى الواجهة مجدّدًا في السنوات الأخيرة ضمن تحليلات التحوّلات العالميّة. ووفقًا لهذه الرؤية، فإنّ المنافسات في مستقبل العالم لن تقتصر على الدول فحسب، بل ستتبلور بين المجالات الحضاريّة المختلفة. وفي إطارٍ كهذا، تُعتبر الحضارة الإسلاميّة أحد أهمّ اللاعبين في هذه المعادلة.

وتابع: ثمّة مفكّرون غربيّون نبّهوا إلى أنّ أعمق تحدٍّ سيواجه الحضارة الغربية في المستقبل لن يصدر بالضرورة عن قوى سياسيّةٍ أو اقتصاديّةٍ بحتةٍ، بل ربّما عن حضاراتٍ تقدّم أنماطًا ثقافيةً ومعرفيّةً مغايرةً. ومن هذا المنطلق، يمكن عدّ المسعى نحو بناء حضارةٍ إسلاميّةٍ مستقلّةٍ أحدَ أبرز محاور التنافس في النظام العالميّ المستقبليّ.

تفسيرٌ حضاريٌّ في ضوء تغيّر النظام العالميّ

وبيّن عضو هيئة التدريس بجامعة طهران: إنّ إيران الإسلاميّة يمكنها، في اعتقاد كثيرٍ من مفكّري العالم، أن تؤدّي دورًا محوريًّا في بلورة نموذجٍ حضاريٍّ جديدٍ في العالم الإسلاميّ، وكثيرٌ من المواجهات والضغوط التي تُمارس ضدّ إيران، بما في ذلك الحرب المفروضة الأخيرة، ينبغي قراءتها في هذا الإطار تحديدًا؛ فحين تسلك دولةٌ أو مجتمعٌ مسلك بناء نموذجٍ حضاريٍّ جديدٍ، فمن الطبيعي أن يصطدم بعقباتٍ وتحدّياتٍ جسيمةٍ، لأنّ ظهور أيّ حضارةٍ جديدةٍ من شأنه أن يقلب موازين القوى السابقة في النظام العالميّ رأسًا على عقبٍ.

وأردف: بناءً على هذه الرؤية، يعيش المجتمع الإيرانيّ اليوم مرحلةً من التحوّلات الحضاريّة الّتي يمكن تلمّس مؤشّراتها في مختلف الميادين الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة؛ من الحضور الجماهيريّ الحاشد في المناسبات العامّة، والمشاركة الاجتماعيّة في المنعطفات التاريخيّة الحسّاسة، إلى تشكّل نوعٍ من الهويّة الجماعيّة المتمحورة حول القيم الثقافيّة والدينيّة، وهي كلّها مؤشّراتٌ تتستوقف النظر ضمن هذا السياق.

أهم خصائص المواجهة الحضاريّة في الظروف الراهنة

ومن جانبها، تطرّقت الباحثة الحوزويّة نرجس شُكرزادة خلال تبيينها لبعض خصائص ومقوّمات المواجهة الحضاريّة، إلى مسألة التباين في الرؤية الكونيّة والمنظومة المعرفيّة، وقالت: يدور الكلام هنا حول اختلاف تيّارين في النظرة إلى الإنسان، والأخلاق، والحرّيّة، والسلطة، والدين، ودور الدولة، كما يطرح الحديث عن مقولاتٍ مثل تصادم القيم الثقافيّة أو الدينيّة مع القيم العلمانيّة أو الليبراليّة أو التقليديّة أو الحديثة. وفي هذا السياق أيضًا، يجب الحديث عن الصدام في السرديّة التاريخيّة؛ بمعنى أنّ كلّ طرفٍ يقدّم نفسه على أنّه امتدادٌ لتاريخٍ أو سنّةٍ أو رسالةٍ تاريخيّةٍ ما، ويرى الطرف الآخر حاملاً لسرديّةٍ مناقضةٍ.

تقريرٍ تحليليٍّ لوكالة أنباء الحوزة: مكوّنات المواجهة الحضاريّة مع نظام الهيمنة في الحرب المفروضة الأخيرة

ومضت الباحثة قائلةً: ومن ناحيةٍ أخرى، ينبغي الالتفات إلى أنّ المواجهة الحضاريّة تُعرّف في جوهرها على محور الأيديولوجيا، أو الثقافة، أو الرسالة الروحيّة، وليس مجرّد السياسة الخارجيّة. كما أنّ من مقوّماتها الأساسيّة السعي الدؤوب للتأثير على النظام الإقليميّ أو العالميّ؛ حيث يرى كلٌّ من الطرفين في نفسه ممثّلًا لنظامٍ مأمولٍ، ومن ثمّ فإنّ المواجهة الحضاريّة تستدعي تنافسًا شاملًا يتشكّل ويتطوّر على مختلف الأصعدة الثقافيّة والإعلاميّة والتكنولوجيّة والعلميّة والهويّاتيّة وغيرها.

المعركة الشاملة بين الحضارة التوحيديّة والحضارة الإلحاديّة

وخلال تبيينها لمكانة الإنسان في المنظومة الفكريّة للإسلام والغرب، وصفت هذه الباحثة الحوزويّة الوضع الراهن بأنّه ليس نزاعًا سياسيًّا بل تعارضًا ذاتيًّا وجوهريًّا بين حضارتين. وتابعت، استنادًا إلى تصريحات القائد الشهيد للثورة الإسلاميّة الإمام الخامنئيّ (قدّس سرّه)، أنّه بحول اللّه وقوّته، ستكون هذه الحرب مقدّمةً لأفول الحضارة الإلحاديّة وبزوغ الحضارة التوحيديّة، وسيرتقي الشعب الإيرانيّ، بإذن اللّه، بعد انتصاره في هذه المعركة التاريخيّة، إلى مكانة القوّة القارّيّة والفاعل العابر للقارّات.

وختمت قائلةً: من المؤكّد أنّ الصراع الدائر بيننا وبين أمريكا وإسرائيل ونظام الهيمنة برمّته، بوصفه مواجهةً حضاريّةً، هو في حقيقته حربٌ بين الحقّ والباطل، ولم تتّضح اصطفافات الجبهتين بهذا المستوى من الجلاء والوضوح والصراحة في أيّ زمنٍ مضى؛ ولذا نرى في شتّى أرجاء العالم كثيرًا من طلّاب الحق والعدالة ينحازون إلى نظام الجمهوريّة الإسلاميّة في هذه المعركة، وهو ما يحمل رسالةً واضحةً تندرج ضمن تحليل مواجهةٍ حضاريّةٍ شاملةٍ.”

إعداد: السيّد محمّد مهدي الموسويّ

للمشاركة:

روابط ذات صلة

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل