من هو “مؤمن آل فرعون” المذكور في القرآن؟

تُبرز الآية 28 من سورة غافر جانبًا من قصة رجلٍ مؤمنٍ من آل فرعون كان يكتم إيمانه، ثم تجلّى موقفه في لحظةٍ مفصلية حين دافع بشجاعة عن النبي موسى (ع) وسعى إلى إحباط مؤامرة كانت تستهدف قتله. وفي سياق هذه الآيات، ينكشف حضور إيماني لافت داخل بلاط الطغيان، حيث ينهض هذا الرجل ليجهر بكلمة التوحيد ويناصر موسى (ع) في مواجهة التهديد. وتفتتح الآية هذا المشهد الإنساني المؤثر بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، لتعرض موقفًا يعكس صراعًا بين منطق الإيمان ومنطق الاستكبار، حين اعترض هذا الرجل المؤمن في محاكمة موسى (ع) قائلاً محتجًا: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا يَقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟

التعريف بشخصية مؤمن آل فرعون

من آيات القرآن يُفهم فقط أنه كان رجلاً من الفراعنة آمن بموسى (ع)، لكنه كان يكتم إيمانه. كان في قلبه يحب موسى (ع) ويرى نفسه مكلفاً بالدفاع عنه. كان رجلاً يقظاً، دقيقاً، حريصاً على الوقت، قوي المنطق، سارع لنجدة موسى (ع) في اللحظات الحاسمة، وأنقذه -كما سيأتي في تتمة هذه الآيات- من مؤامرة قتل خطيرة.

هويته ومكانته

هذا الرجل، حسب الروايات والتفسيرات، هو ابن عم فرعون (من جهة الأب والأم) ويُدعى حزقيل^(1). يكتب الإمام فخر الرازي: “قيل إنه كان ابن عم فرعون”^(2). كان مسؤولاً عن حراسة خزائن وكنوز فرعون. يذكره القرآن الكريم بـ “مؤمن آل فرعون”، وتتحدث الآيات من 28 إلى 45 من سورة غافر عن دفاعه الباسل عن موسى (ع) وإحباطه مؤامرة اغتياله. كما يشير القرآن إلى إيمانه الكامل بالله، والمعاد، ودعوة الأنبياء، وخصوصاً موسى (ع).

وجهة نظر الروايات والتفسيرات

في الروايات الإسلامية وأقوال المفسرين وردت تفاصيل أكثر عنه. منها: أنه ابن عم فرعون أو ابن خالته، واستدلوا بتعبير “آل فرعون” على هذا المعنى، لأن هذا التعبير يُستخدم عادةً للأقارب، وإن كان يُستخدم أيضاً للأصدقاء والمحيطين. ورأى آخرون أنه كان نبياً من أنبياء الله يُدعى “حزيبل” أو “حزقيل”^(3). وروى البعض أنه كان خازناً (مسؤولاً عن خزائن) فرعون.

ونقل عن ابن عباس أنه قال: من بين الفراعنة، آمن ثلاثة فقط بموسى (ع): مؤمن آل فرعون، وآسية امرأة فرعون، وذلك الرجل الذي أخبر موسى (ع) قبل بعثته أن الفراعنة يخططون لقتله بسبب مقتل أحد رعاياه، ونصحه بالخروج من مصر بأسرع ما يمكن (سورة القصص، آية 20). لكن هناك قرائن تشير إلى أنه بعد قصة موسى مع السحرة، آمنت مجموعة كبيرة بموسى (ع)، ويبدو أن قصة مؤمن آل فرعون كانت بعد قصة السحرة.

كما احتمل البعض أنه كان من بني إسرائيل يعيش بين الفراعنة وكان موضع ثقتهم. لكن هذا الاحتمال يبدو ضعيفاً جداً، لأنه لا يتوافق مع تعبير “آل فرعون” ولا مع خطابه “يا قوم” (يا قومي). لكن على أي حال، دوره المؤثر في تاريخ موسى وبني إسرائيل واضح تماماً، حتى لو لم تكن كل تفاصيل حياته واضحة لنا اليوم.

منزلة مؤمن آل فرعون في الروايات

ورد في بعض الروايات عن النبي الأكرم (ص) أنه قال: “الصديقون ثلاثة: علي بن أبي طالب، وحبيب النجار، ومؤمن آل فرعون” ^(4). (أول المصدقين للرسل العظام كانوا ثلاثة: حبيب النجار، ومؤمن آل يس -هو الذي قال لأهل أنطاكية: اتبعوا رسل الله، اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون-، وحزقيل مؤمن آل فرعون، وعلي بن أبي طالب عليه السلام وهو أفضلهم جميعاً). هذا الحديث موجود في المصادر الشيعية والسنة على حد سواء.

وكل هؤلاء العظماء آمنوا بالأنبياء في أحلك اللحظات وأكثرها حرجاً، وكانوا السابقين الأولين، واستحقوا اسم “صديق”. إنهم في مقدمة الذين صدقوا الرسل الإلهيين، وخاصة علي عليه السلام الذي كان من بداية حياته حتى نهايتها، نصيراً ومعيناً للنبي الأكرم (ص)، وأظهر التضحية والفداء في حياة النبي وبعد رحيله إلى أقصى حدودها.


المصادر:

^(1) تفسير الرازي، عند تفسير الآية 28 من سورة غافر.

^(2) تفسير الرازي، المصدر نفسه.

^(3) تفسير الرازي؛ المصدر نفسه.

^(4) علل الشرائع، للصدوق، ج1، ص127؛ كنز العمال، للمتقي الهندي، حديث رقم 36402.

المصدر الأساسي: موقع تبيان.

*ترجمة وتهذيب مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

السؤال: كيف يردّ القرآن على حجج منكري البعث والمعاد؟
هل للحرب العالمية الثالثة علاقة بظهور المصلح العالمي؟
إشكالية الإدارة والتخصص في نظرية ولاية الفقيه: الفقه أم العلم؟
إستفتاء حول جواز التّقاصّ
السؤال: يرى البعض أنّ نهج البلاغة يبالغ في ذمِّ الدنيا والدعوة إلى الزهد وترك الملذات المادية على نحوٍ يشبه الرهبانية، وهذا يناقض قول النبي (ص): «لا رهبانية في الإسلام».

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل