تتبوأ السيدة المعصومة (عليها السلام) – بنت الإمام الكاظم (عليه السلام) – مقامًا رفيعًا يجمع بين الصفاء الروحي والامتداد العلمي، حتى غدت سيرتها من العلامات البارزة في تاريخ الانتماء الصادق لأهل البيت (عليهم السلام)، وتُذكر في الروايات بخصوصية في الشفاعة يوم القيامة. وقد نشأت في بيئةٍ مثقلة بالابتلاءات والضغوط التي أحاطت بأتباع الإمام الكاظم (عليه السلام)، فشكّل التزامها وثباتها سمةً لافتة في مسيرتها. وفي عام 201 هـ، توجهت نحو خراسان بقصد زيارة أخيها الإمام الرضا (عليه السلام)، غير أن المرض حال دون إتمام رحلتها في ساوة، لتنتهي بها المسيرة إلى قم حيث وافتها المنية. وتشير الروايات إلى عظيم ثواب زيارتها. كما شكّل مرقدها في قم نقطة تحول مؤثرة في تاريخ المدينة، انعكست في ازدهارها العلمي وقيام الحوزة العلمية فيها.

وفي مناسبة ولادة كريمة أهل البيت؛ السيدة فاطمة المعصومة (سلام الله عليها)، نضع بين أيديكم هذا العرض الذي يتناول جانبًا من مقامها ومنزلتها في ضوء ما ورد في المصادر الروائية والتاريخية.

السؤال:

من هي السيدة فاطمة المعصومة (عليها السلام)؟ وما هو مقامها ومنزلتها؟

الجواب: يأتي ضمن عدة فقرات:

نسبها ومولدها:

ولدت السيدة فاطمة المعصومة (سلام الله عليها) بعد خمسة وعشرين عاماً من ولادة الإمام الرضا (عليه السلام). وهناك اختلاف في تحديد يوم ولادتها؛ فبحسب إحدى الروايات، فإن الأول من ذي القعدة سنة 173 هـ هو يوم ميلادها^(1). أبوها هو الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام)، وأمها السيدة الطاهرة “نجمة” التي سمّاها الإمام الكاظم (ع) “طاهرة” بعد أن وضعت الإمام الرضا (ع). وكان لها أسماء أخرى أيضاً؛ منها: نجمة، أروى، سكن، سمانة، وتكتم، وهذا الأخير كان آخر أسمائها^(2).

وأبرز ألقاب فاطمة بنت الإمام الكاظم (ع) هو “المعصومة”، وهو مستمد من رواية نسبت إلى الإمام الرضا (ع) قال فيها: “مَنْ زَارَ الْمَعْصُومَةَ بِقُمْ كَمَنْ زَارَني”^(3) (من زار المعصومة في قم فكأنما زارني).

مقامات السيدة المعصومة (سلام الله عليها):

بعد وفاة والدها سنة 179 هـ، وُضعت السيدة المعصومة (سلام الله عليها) تحت رعاية أخيها الإمام الرضا (عليه السلام) حتى سنة 200 هـ، أي لمدة 21 عاماً. وخلال هذه الفترة نالت درجات عالية من الكمال العلمي والروحي والأخلاقي. ومن أبرز مقاماتها:

مقام الشفاعة: يكفي في بيان مكانة هذه السيدة الجليلة عند أهل البيت (عليهم السلام) ما رواه الإمام الصادق (ع) حيث قال: “أَلَا إِنَّ لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ، ثَلَاثَةٌ مِنْهَا إِلَى قُمْ، تُقْبَضُ فِيهَا امْرَأَةٌ مِنْ وُلْدِي اسْمُهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ مُوسَى، وَتُدْخَلُ بِشَفَاعَتِهَا شِيعَتِي الْجَنَّةَ بِأَجْمَعِهِمْ”^(4) (ألا إن للجنة ثمانية أبواب، ثلاثة منها إلى قم، تقبض فيها امرأة من ولدي اسمها فاطمة بنت موسى، ويدخل بشفاعتها شيعتي الجنة بأجمعهم).

كما نقرأ في زيارة الإمام الرضا (ع) لها: “يَا فَاطِمَةُ اشْفَعِي لِي فِي الْجَنَّةِ، فَإِنَّ لَكِ عِنْدَ اللَّهِ شَأْناً مِنَ الشَّأْنِ”^(5) (يا فاطمة اشفعي لي في الجنة، فإن لك عند الله شأناً عظيماً).

المقام العلمي والحديثي:

كانت السيدة المعصومة (سلام الله عليها) – مثل أمها السيدة الزهراء (سلام الله عليها) – عالمة ومحدِّثة. وكما كانت السيدة الزهراء (ع) تبيّن بحججها القوية حقانية ولاية الإمام علي (ع)، كانت السيدة المعصومة (ع) كذلك. والروايات التي تنقل عنها هي في الغالب حول إمامة وولاية علي (ع)، وبإثبات ولايته تثبت ولاية سائر الأئمة المعصومين (ع).

فعلى سبيل المثال، تروي السيدة المعصومة (ع) بأسانيد متعددة عن السيدة الزهراء (ع) أن النبي (ص) قال: ليلة المعراج ذهب إلى الجنة ورأى مكتوباً على باب إحدى قصور الجنة: “لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، عَلِيٌّ وَلِيُّ الْقَوْمِ”^(6) (لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي ولي القوم). وعلى باب قصر آخر كان مكتوباً: “شِيعَةُ عَلِيٍّ هُمُ الْفَائِزُونَ”^(7) (شيعة علي هم الفائزون).

كما تذكر المصادر أن جماعة من الشيعة قدموا إلى المدينة المنورة ولديهم أسئلة دينية يريدون طرحها على الإمام الكاظم (ع)، لكنه كان مسافراً. فكتبت السيدة المعصومة (سلام الله عليها) أجوبة تلك الأسئلة وسلمتها لهم. وبينما كانوا خارجين من المدينة، صادفوا الإمام الكاظم (ع). وعندما اطّلع على أسئلتهم وأجوبة المعصومة (ع)، قال ثلاث مرات: “فِدَاهَا أَبُوهَا”^(8) (فداها أبوها).

سبب عدم زواج السيدة المعصومة (ع):

توجد آراء مختلفة حول سبب عدم زواجها، نذكرها إجمالاً:

الرأي الأول: يرى البعض أنها لم تتزوج بناءً على وصية أبيها. فبحسب ما نقله اليعقوبي، أوصى الإمام الكاظم (ع) بأن لا تتزوج بناته^(9). لكن البعض الآخر يعتبر هذه الرواية موضوعة ويرفضها، مضيفاً أن الإمام المعصوم لا يصدر عنه أمر يخالف تأكيد الشريعة على الزواج. وما ورد في كتاب “الكافي” الشريف من وصية الإمام الكاظم (ع) هو أن يكون رأي الإمام الرضا (ع) هو المرجع في زواج بناته، وليس أكثر من ذلك.

الرأي الثاني: يرى آخرون أن سبب عدم زواجها هو عدم وجود كفء لها، كما قيل في السيدة الزهراء (ع) بأنه لولا وجود الإمام علي (ع) لما وجد لها كفؤ. لكن هذا الرأي لا يصح، لأن أهل البيت (ع) يحثون بشدة على الزواج، ولأنهم يعتبرون “المؤمن كفوء للمؤمنة”. بالإضافة إلى أن مقام السيدة الزهراء (ع) يختلف عن جميع نساء العالم.

الرأي الثالث (الأكثر دقة): يعتقد البعض أن سبب عدم زواج السيدة المعصومة (ع) يعود إلى الظروف الصعبة التي كان يمر بها أتباع أهل البيت (ع) في زمن هارون الرشيد والمأمون؛ إذ كان أتباعهم يواجهون أشد أنواع الضغط والأذى، وكانت علاقاتهم الاجتماعية محدودة للغاية، لدرجة أن أحداً لم يكن يجرؤ على الاقتراب من آل البيت (ع) ناهيك عن الارتباط بهم. وتؤكد هذه النظرية حقيقة أن بعض أخوات السيدة المعصومة (ع) لم يتزوجن أيضاً.

وهناك نقطة أخرى، وهي أن المصادر التاريخية لم تهتم بشكل دقيق بمسألة زواج بنات أهل البيت (ع). فلا توجد معلومات قاطعة حول زواج معظمهن. وبالنسبة للسيدة المعصومة (ع)، لم يرد خبر مؤكد عن زواجها. لكن هذا لا يعني أنه يمكن الجزم بأنها لم تتزوج، بل قد يكون زواجها تم ولكن لم يعلن عنه بسبب الضغوط التي كانت تمارس على هذه الأسرة. ولكن بافتراض أنها لم تتزوج، فذلك لم يكن بسبب عدم رغبتها في الزواج، بل بسبب الأجواء الخانقة التي كانت سائدة ضد هذه الأسرة.

سفر السيدة المعصومة (ع) إلى إيران:

في عام 201 هـ، غادرت السيدة المعصومة (ع) المدينة المنورة متجهة إلى خراسان بقصد زيارة أخيها. وحول سبب هذا السفر، يعتقد البعض أن الإمام الرضا (ع) بعد استقراره في إيران، كتب رسالة إلى أخته الكريمة وأرسلها مع غلامه وأمره بعدم التوقف حتى يوصلها إليها بأسرع وقت، فلما وصلت الرسالة استعدت السيدة المعصومة (ع) للسفر فوراً. لكن هذه الرواية لم تذكر في المصادر القديمة والأولية^(10).

أما وفقاً لرواية أخرى، فإن السيدة المعصومة (ع) التي نشأت مع الإمام الرضا (ع) منذ طفولتها وكانت شديدة التعلق به، واستفادت منه الكثير من العلوم والمعارف، لم تتحمل فراق أخيها وإمام زمانها بعد سفره الإجباري إلى إيران، فغادرت المدينة المنورة مع مجموعة من أتباعها متجهة إلى إيران. لكنها مرضت في ساوة، وأمرت خادمها أن يأخذها إلى قم بعد أن علمت بوجود الشيعة فيها. وبعد انتقالها إلى قم، مكثت هناك فترة ثم توفيت.

سبب وفاة أو استشهاد السيدة المعصومة (ع):

ذكر البعض أن سبب مرضها يعود إلى أن أهل ساوة في ذلك العصر كانوا من أشد أعداء آل البيت (ع)، وعندما وصل موكبها ومرافقوها إلى ساوة، هاجمهم الأعداء ودارت معركة استشهد فيها 23 شخصاً من إخوتها وأبناء إخوتها. وعندما رأت السيدة المعصومة (ع) أشلاءهم وكانوا 23 شخصاً، حزنَت حزناً شديداً ومرضت، ثم نُقلت إلى قم واستمر مرضها هناك حتى توفيت بعد 16 أو 17 يوماً^(11). وفي رواية أخرى أنها سُممت.

أما عن موقف الإمام الرضا (ع) – فيما لو صحت هذه الأحداث – فلا توجد إشارة دقيقة في المصادر التاريخية. لكن من البديهي أن المأمون لم يكن ليتصرف بطريقة تنسب إليه مهاجمة هذا الموكب؛ لأنه أحضر الإمام الرضا (ع) إلى إيران وجعله ولي عهده ظاهرياً ليطفئ بذلك غضب محبي أهل البيت (ع). وفي مثل هذه الظروف لا يمكن تحديد هوية المهاجمين بشكل قاطع، فلا يمكن أن يكون هناك رد فعل من الإمام الرضا (ع) أو من الشيعة. فكان لابد من وجود حجة ظاهرة لأي رد فعل، وهو ما لم يكن متوفراً. وكل ما فعله الشيعة هو نقل السيدة المعصومة (ع) إلى قم حيث يسكن محبو أهل البيت (ع).

وقد ذكر البعض أن سبب مرضها هو خبر استشهاد الإمام الرضا (ع)، لكن هذا الرأي لا يتفق مع التحقيق؛ لأن رواية سعد بن سعد عن الإمام الرضا (ع) تدل على أن السيدة المعصومة (ع) توفيت قبله^(12). ففي تلك الرواية، يقول سعد: “سألت الإمام الرضا (ع) عن زيارة فاطمة بنت موسى بن جعفر…” وهذا السؤال يدل على أنها كانت قد توفيت وكان قبرها معروفاً في ذلك الوقت. كما أن تاريخ استشهاد الإمام الرضا (ع) ثابت وهو أواخر شهر صفر سنة 203 هـ، بينما سافرت السيدة المعصومة (ع) سنة 201 هـ. وبالتالي فإن وفاتها كانت قبل استشهاده بنحو سنتين.

فضل زيارة السيدة المعصومة (ع):

وردت روايات كثيرة حول فضل زيارتها، منها:

قال سعد بن سعد: سألت الإمام الرضا (ع) عن زيارة قبر فاطمة بنت الإمام موسى الكاظم (ع)، فقال: “مَنْ زَارَهَا فَلَهُ الْجَنَّةُ”^(13) (من زارها فله الجنة).

ونقل صاحب “كامل الزيارات” عن الإمام الجواد (ع) أنه قال: “مَنْ زَارَ قَبْرَ عَمَّتِي بِقُمْ فَلَهُ الْجَنَّةُ”^(14) (من زار قبر عمتي في قم فله الجنة).

كما أشرنا سابقاً إلى الرواية التي يعتبر فيها الإمام الرضا (ع) زيارة السيدة المعصومة (ع) بمثابة زيارته، ونظراً للمكانة العالية لزيارة الإمام الرضا (ع)، فإن هذه الرواية تدل على أهمية زيارة السيدة المعصومة (ع).

أثر مرقدها في قم:

لقد جلب وصول السيدة المعصومة (ع) إلى قم بركات عظيمة، فبفضل وجود مرقدها في قم، أصبحت هذه المدينة من أكبر المراكز العلمية وأعرق الحوزات العلمية في العالم. فقد جذبت مكانتها العلمية العديد من العلماء والمفكرين إلى هذه المدينة، وجلبت لها بركات عظيمة، كان من أهمها توسع المراكز العلمية. وقد لعب هذا الأمر دوراً كبيراً في تعزيز وتوسيع الحوزة العلمية، وفي تردد العلماء والرواة وطلاب الأئمة البارزين وارتباطهم بهذه المدينة. كما أدى وصول السيدة المعصومة (ع) إلى قم ومرقدها الطاهر، ثم وصول أبناء الأئمة ورواة الأحاديث والعلماء من الكوفة وغيرها من المدن إلى قم، إلى أحداث تحولات جديدة وفعالة في ترسيخ وتوسيع التشيع.

فالحرم المطهر لتلك السيدة الجليلة هو اليوم مركز للعلم والعمل، ومنارة للنور والهداية بمختلف الصور: تدريس، وتعلم، ومناظرة، ومناجاة، ودعاء، وأذان، وصلاة جماعة، وإقامة العزاء على أحبة الله، واحتفالات الفرح في الأعياد الدينية، ومحاضرات دينية مفيدة، وإرشاد، ووعظ وخطابة، وتلاوة القرآن الكريم، وذكر مصيبة الإمام الحسين (ع)، ورثاء ومدح أهل البيت (ع)، ونشر معارف أهل البيت، وتعريف المسلمين في العالم ببعضهم البعض، وعشرات العناوين الفخرية الأخرى التي هي من فيوضات هذا المركز الإلهي الذي لا ينقطع فيضه وعطاؤه.


الهوامش:

^(1) المصدر: السيرة الذاتية للسيدة المعصومة (ع)، نقلاً عن المصادر التاريخية.

^(2) المصدر: نفس المصدر السابق.

^(3) بحار الأنوار، ج 102، ص 265

^(4) بحار الأنوار، ج 99، ص 216

^(5) مستدرك الوسائل، ج 10، ص 365

^(6) المصدر: الروايات المروية عن السيدة المعصومة (ع)، نقلاً عن المصادر التاريخية.

^(7) المصدر: نفس المصدر السابق.

^(8) المصدر: نفس المصدر السابق.

^(9) تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 432

^(10) المصدر: تحليلات تاريخية حول سفر السيدة المعصومة (ع) إلى إيران.

^(11) المصدر: المصادر التاريخية حول حادثة ساوة.

^(12) بحار الأنوار، ج 102، ص 266

^(13) بحار الأنوار، ج 102، ص 266

^(14) كامل الزيارات، ص 536

المصدر: موقع آية الله مكارم الشيرازي

*ترجمة وتحرير مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل