يواجه الإمام علي (ع) في الخطبة 71 من نهج البلاغة اتهامًا صريحًا وُجّه إليه من قبل بعض المخاطَبين، فيردّ عليه بردٍّ يحمل قوة الحجة ووضوح البرهان، إذ يقول:

“وَ لَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: عَلِيٌّ يَكْذِبُ، قَاتَلَكُمُ اللهُ تَعَالَى! فَعَلَى مَنْ أَكْذِبُ؟ أَعَلَى اللهِ؟ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِهِ! أَمْ عَلَى نَبِيِّهِ؟ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ!”¹

أولية الإيمان ومركزية الصدق في سيرة الإمام (ع)

تُظهر سيرة الإمام علي (ع) بوضوح أنه أول من آمن من الرجال بالنبي الأكرم (ص)، ولم يُعرف في تاريخه ما يناقض التوحيد أو يقدح في صدقه. كما كان أول من بادر إلى تصديق النبي (ص) ونصرته في مختلف المواقف.

ومن هذا المنطلق، فإن الاتهام الموجّه إليه بالكذب يبدو متهافتًا من حيث الأساس، إذ لا ينسجم مع مقامه العلمي والإيماني، ولا مع موقعه في مدرسة الوحي.

طبيعة الاتهام وسياقاته الفكرية

يمكن فهم هذا الاتهام في سياقين رئيسين:

الأول: ما كان يخبر به الإمام (ع) من قضايا غيبية أو أخبار لم تكن في متناول إدراك العامة، إذ كان يصرّح بأنها مما تلقّاه عن النبي الأكرم (ص). وفي مثل هذه الحالات، كان بعض ضعاف البصيرة أو المنافقين يسارعون إلى الإنكار والتكذيب.

الثاني: ما كان يطرحه الإمام (ع) من معارف وأحكام دقيقة وعالية المستوى، مستندة إلى القرآن الكريم وتعاليم النبي (ص)، وهي معارف قد تعجز العقول غير المؤهلة عن إدراك عمقها.

قراءة ابن أبي الحديد في الظاهرة

يشير ابن أبي الحديد إلى أن هذه الظاهرة ليست منفصلة عن سياق تاريخي أوسع؛ إذ إن المنافقين في عصر النبي (ص) ومن تبعهم لاحقًا، كانوا يوجّهون إلى الإمام علي (ع) ذات الاتهامات التي وُجّهت إلى النبي (ص). وكأنّ مسار الإمام (ع) يمثل امتدادًا طبيعيًا لمسار الرسالة في مواجهة الشبهات والاعتراضات.

كما أن التأمل في آيات سورة براءة وغيرها من النصوص القرآنية يكشف عن أجواء مشابهة لتلك التي تعكسها بعض خطب نهج البلاغة في مواجهة النفاق والالتباس الفكري.

نفي التهمة من جهة المبدأ العقائدي

إن من ثبتت له أسبقية الإيمان والتصديق لا يُعقل أن يُنسب إليه الكذب على الله أو على رسوله (ص). وعليه، فإن هذه الاتهامات لا تنطلق من أساس معرفي سليم، بل من قصور في الفهم أو من غياب عن منطق الوحي والتقوى.

حقيقة العلم عند الإمام (ع)

وبعبارة أدق، فإن جميع ما صدر عن الإمام (ع) من معارف، بما في ذلك الإخبار عن الغيب، إنما هو مستند إلى ما تلقّاه من النبي الأكرم (ص). ومن ثم، فإن احتمال الكذب أو الخطأ في هذا السياق غير وارد من الناحية العقدية والعقلية.

خاتمة الخطبة ودلالتها

يختتم الإمام (ع) خطبته بقوله: “كَلاَّ وَ اللهِ! لَكِنَّهَا لَهْجَةٌ غِبْتُمْ عَنْهَا وَ لَمْ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهَا”²

(أي: كلا والله، إنما هي حقائق غبتم عنها ولم تكونوا من أهلها).

ويضيف: “وَيْلُ أُمِّهِ كَيْلاً بِغَيْرِ ثَمَنٍ! لَوْ كَانَ لَهُ وِعَاءٌ، وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ”³

وتشير عبارة “لهجة غبتم عنها” إلى أن مصدر الإنكار ليس خللًا في الحقيقة، بل قصور في الإدراك وغياب عن مستوى الفهم الذي بُنيت عليه تلك المعارف.


الهوامش

^(1) نهج البلاغة، الخطبة 71

^(2) نهج البلاغة، الخطبة 71

^(3) نهج البلاغة، الخطبة 71


المصدر: قاعدة المعلومات الإلكترونية لمكتب آية الله مكارم الشيرازي.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل