أكد رئيس مجلس الأمناء لتجمع العلماء المسلمين في لبنان “الشيخ غازي حنينة” على أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية أدركت منذ انطلاقة ثورتها حجم التهديدات المحيطة بها، فاختارت مسار الإعداد الذاتي ودعم قوى المقاومة، ما مكّنها من ترسيخ حضورها الإقليمي والدولي وتحويل التحديات الى فرص.
والحمد لله ربّ العالمین، وصلّى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين وصحبه الأخيار الميامين.مع بداية الجمهورية الإسلامية الإيرانية وانطلاقتها، أُدرك مقدار المخاطر التي يمكن أن تواجهها على مدى المستقبل القريب والآجل. وكان ذلك في بداية انطلاقة الثورة الإسلامية، حيث أدركت الجمهورية الإسلامية الإيرانية خطورة وكر التجسس الأمريكي، ومن هنا كان جمهور الطلاب الإيرانيين الذين حاصروا سفارة العدو الأمريكي وأخرجوها من البلاد، وكان الحصار لأيام عديدة.
ومن بعد ذلك كان الهجوم الأمريكي في صحراء طبس، والذي أدى إلى سقوط طائرات في تلك الصحراء ومقتل العديد من الجنود الأمريكيين.
من ذلك الوقت أدركت الجمهورية الإسلامية الإيرانية مقدار التحدي الذي يواجهها، والذي يمكن أن يشكّل خطرًا على مستقبل الثورة والجمهورية الإسلامية ومستقبل الشعب الإيراني.
ثم كانت بعد ذلك الحرب المفروضة التي شنّها نظام صدام على مدى ثمان سنوات، والتي استهلكت قدرات الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وأعطت صورة واضحة عن مدى العداء الذي يكنّه الشرق والغرب لها.
من ذلك الوقت بدأت إيران، وبدأت الأجهزة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تُعدّ العُدّة لمواجهة تحديات المستقبل، خاصة وأنه منذ أن وطأت أقدام السيد الخميني (رضوان الله تعالى عليه)، أرض مطار طهران، أعلن موقفه من الكيان الصهيوني بطرد السفارة الصهيونية، ومن بعد ذلك ما هي إلا أشهر معدودة حتى أُعلن يوم القدس العالمي، وأسبوع الوحدة الإسلامية، ويوم المستضعفين.
كل هذه العناوين شكّلت مجالًا لتفكّر الجمهورية الإسلامية الإيرانية بأن تتهيأ لأي مستجد يمكن أن يطرأ على واقعها وحضورها في الساحة الإقليمية والدولية.
وكما قلت سابقًا، بدأت الأجهزة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية تُعدّ العُدّة وتتحضّر لقادمات الأيام، خاصة وأن قوى مقاومة بدأت تنشأ في المنطقة، في لبنان مثلًا المقاومة الإسلامية والمقاومة الوطنية، وفي فلسطين المقاومة الفلسطينية.
وبعد أجواء التسوية التي بدأت تطل برؤوسها عبر مؤتمرات القمة العربية، والتي أدت إلى خروج الفصائل المقاومة الفلسطينية بقيادة منظمة التحرير من ساحة الصراع، دخلت قوى فلسطينية مستجدة، وإن كان لها جذور في عمق المجتمع الفلسطيني، كحركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي.
ومن هنا شعرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بمسؤوليتها تجاه هذه القوى المقاومة، وبدأت تمدّها بالإعداد والتدريب والتمويل والتجهيز لتكون على أهبة الاستعداد. وهذا ما تجلّى في جنوب لبنان من خلال شباب المقاومة الإسلامية، وفي فلسطين في غزة من خلال حركتي حماس والجهاد الإسلامي.
كل هذا أكد مصاديق موقف ورؤى القيادة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وكان ذلك في زمن الإمام الخميني، رضى الله تعالى عليه، ثم بعد ذلك في زمن الإمام الخامنئي، رضوان الله تعالى عليه.
ومن هنا ندرك مقدار أهمية الإعداد والقوة التي أمر الله سبحانه وتعالى بها:
﴿وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾، وقوله تعالى: ﴿أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظُلموا وإن الله على نصرهم لقدير﴾، و﴿الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله﴾.
وغيرها من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التي تؤكد وتحض على أن يتجهّز المسلم؛ “من جهّز غازيًا فقد غزا، ومن خلف غازيًا في أهله فقد غزا”،
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : “من لم يغزُ ولم يُحدّث نفسه بالغزو مات على شعبة من شعب النفاق”.
كل هذه العناوين والمفردات ذات الطابع الديني القرآني والنبوي الشريف كانت تؤكد مصاديق رؤية القيادة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ومن هنا كان فيلق القدس عنوانًا أساسيًا مرتبطًا بمشروع تحرير القدس وتحرير فلسطين وعودة الشعب الفلسطيني إلى أرضه السليبة. وهذا الأمر أكد على مدى أكثر من 40 عامًا، 47 عامًا بالتحديد، أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تبنّت مفهوم الجهاد الدفاعي، أعطت رؤية صادقة لمواقف القيادة فيها على كل المستويات وفي كل جوانب الإدارة.
ومن هنا نؤكد في مؤتمركم الكريم أن موقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية القائم على الاستعداد الذاتي، دون أن تمد يدها لأي طرف إقليمي أو دولي لتجهيز نفسها عسكريًا، أعطاها الدور الريادي الإقليمي والدولي في مقارعة الولايات المتحدة الأمريكية والعدو الصهيوني.
وهذه الحرب التي شُنّت في حزيران وتموز من عام 2025، وكذلك في شهر شباط في 28 منه، والتي كان في أولها استشهاد سماحة السيد القائد، رضوان الله تعالى عليه، وكوكبة من أهل بيته ومعاونيه، أكدت أن العنوان الجهادي الذي أخذت به الجمهورية الإسلامية الإيرانية حافظ عليها.
أضف إلى ذلك أن الإعداد للبنية الداخلية وللجبهة الداخلية للشعب الإيراني الكريم، بثباته وصموده والتفافه، كان من جملة التوجيهات منذ زمن الإمام الخميني والإمام الخامنئي، رضوان الله تعالى عليهما، اللذين أخرجا البيئة الشيعية الإمامية من الدوران في التاريخ حول مفاهيم خاصة، ليحركاها في الاتجاه الذي يحقق أهداف الأمة، وهو تحرير المقدسات في فلسطين ومقارعة الظالمين ونصرة المستضعفين.
لذلك كان هذا التوجه انتقالًا مع الحفاظ على الخصوصية للبيئة الشيعية، ومع الخصوصية الإسلامية للمجتمع الإيراني والمجتمع الإسلامي عامة، الذي استفاد من تجربة الثورة الإسلامية الإيرانية ومفاهيم الإمام الخميني والإمام الخامنئي.
وبعد ذلك، الحداثة التي أتقنها شباب الجمهورية الإسلامية الإيرانية في شتى المجالات، وخاصة في الطاقة النووية والكهرباء والصناعة العسكرية والصحية والغذائية، وفي مجالات عديدة، استطاعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية من خلالها أن تحقق قول الله تعالى : ﴿ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.





