يصادف السابع من ذي الحجة ذكرى استشهاد الإمام محمد الباقر (عليه السلام)، الإمام الخامس للشيعة. وُلد الإمام في المدينة المنورة عام 57 هجري، وعاصر واقعة كربلاء، وهو سليل سبطي رسول الله (ص). لقب “الباقر” (أي باقر العلم وشاقه) هو أشهر ألقابه، وهو اللقب الذي تنبأ به النبي (ص). تولى الإمام مسؤولية إمامة الشيعة بعد استشهاد والده الإمام السجاد (ع) عام 95 هـ، واستمر في ذلك حتى استشهاده على يد هشام بن عبدالملك عام 114 هـ، حيث قضى حياته في نشر علوم الدين ومواجهة نظام الخلافة الأموي.
بحسب تقرير “وكالة الحوزة”، فإن السابع من ذي الحجة (114 هـ) هو ذكرى الاستشهاد المفجع للإمام الخامس من أئمة الشيعة الاثني عشرية، الإمام محمد الباقر (عليه السلام). وُلد هذا الإمام الهمام في اليوم الأول من شهر رجب عام 57 هـ في المدينة المنورة (1). وبذلك، فقد عاصر واقعة كربلاء والأحداث المتعلقة بها، وهو ما صرّح به في حديثه (2). والده هو الإمام السجاد (عليه السلام)، ووالدته فاطمة بنت الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، فهو ينحدر من كلا سبطي رسول الله (ص)، الإمام الحسين (ع) والإمام الحسن (ع)؛ لذا عُرف بألقاب مثل “الهاشمي بين الهاشميين”، “العلوي بين العلويين”، و”الفاطمي بين الفاطميين” (3).
ومن ألقابه المشهورة الأخرى: “الشاكر”، “الهادي”، و”الأمين” (4). أما أشهر ألقابه الشريفة فهو “الباقر”. فقد ورد في حديث مشهور أن النبي الأكرم (ص) قال في نبوءة غيبية لأحد صحابته وهو جابر بن عبد الله الأنصاري: “يوشك أن تبقى حتى تلقى ابناً لي من الحسين، اسمه اسمي، يبقر العلم بقراً” (5). وكنيته المعروفة هي “أبو جعفر” (6).
تولى الإمام محمد الباقر (عليه السلام) زمام إمامة وقيادة الشيعة بعد استشهاد والده الإمام السجاد (ع) عام 95 هـ (7)، وظل في هذا المنصب حتى استشهاده عام 114 هـ (8).
معاناة الشيعة في ظل الحكم الأموي في عصر الإمام الباقر (ع)
استمر الضغط الأموي على الشيعة بشدة طوال فترة حكمهم، باستثناء عامي خلافة عمر بن عبد العزيز (من 99 إلى 101 هـ). كلمات مثل: “مَنْ بَلِيَ مِنْ شِيعَتِنَا بِبَلَاءٍ فَصَبَرَ كَتَبَ اللهُ لَهُ أَجْرَ أَلْفِ شَهِيدٍ” (9)، تعكس حجم الضغوط التي كانت تُمارس عليهم، حيث كان الإمام يسعى من خلال هذه الكلمات إلى حثهم على الصمود والمقاومة.
وقد نُقل عن الإمام الباقر (عليه السلام) حديث مفصل يحلل الأوضاع السياسية للشيعة وضغوط الخلفاء منذ البداية وحتى عصره، نقتبس منه لتوضيح رؤيته: “ما لقينا من ظلم قريش وتظاهرهم علينا، وما لقي شيعتنا ومحبونا من الناس! إن رسول الله (ص) قبض وقد أخبر أنا أولى الناس بالناس، فتظاهرت قريش علينا حتى أخرجت الأمر من معدنه، واحتجت بالحق لنا، فغصبتنا إياه. ثم لم يزل الأمر في قريش حتى رجع إلينا، فنكثوا بيعتنا، وخرجوا علينا، حتى كان أمير المؤمنين (ع) في محنة من أمرهم، ثم بايعوا ابنه الحسن (ع) وأعطوه العهود، ثم غدروا به، ثم لم نزل نُقهر ونُحقر ونُشرد ونُقتل ونُخاف، ونُكذب ونُحرم… وكان الكذابون والجهّادُ بالحق يتقربون إلى ولاة الجور والقضاة والعمال بكل بلد، يروون عنهم الأحاديث الكاذبة، فأعظموا في ذلك، وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن (ع)… ففُتِّلت الأمور، وقُتل شيعتنا في كل بلدة، وقُطعت الأيدي والأرجل على الظِّنَّة… ثم كان (ابن زياد) فزادت الشدة، ثم جاء (الحجاج بن يوسف) فكان لا يبالي بما قتل… حتى إن الرجل ليُسمى كافراً أو زنديقاً أحب إليه من أن يُقال له شيعة علي (ع)…” (10).
هذه الرواية تقدم تحليل الإمام الباقر (عليه السلام) للوضع السياسي آنذاك، وتوضح التضييق الذي مارسه الخلفاء الأمويون على الشيعة، الذين كان أغلبهم يسكنون العراق.
الإمام الباقر (ع) ومواجهة الغلاة
من القضايا التي واجهت الإمام الباقر (ع) وشيعته في ذلك العصر هي “مشكلة الغلاة”، الذين تزايدت أعدادهم. فقد كانوا يستغلون اسم الإمام وينسبون إليه أحاديث مكذوبة ليكسبوا مكانة بين الناس ويجروا الشيعة البسطاء نحو أهدافهم. وعندما طردهم الإمام من حوله، نبذهم أصحابه أيضاً. أمثال “المغيرة بن سعيد” و”بيان بن سمعان”، وهما من أشهر زعماء الغلاة، تم تكفيرهم من قبل أصحاب الإمام (ع).
المنهج التبليغي للإمام الباقر (ع) في مواجهة انحرافات الغلاة
واجه الإمام الباقر (عليه السلام) خطر الغلاة بأساليب توعوية مكثفة. فكان يؤكد دائماً على أن التشيع هو اتباع لله ولرسوله وللأئمة في العمل والتقوى. قال في موضع: “إِنَّ شِيعَتَنَا مَنْ أَطَاعَ اللهَ” (12).
وفي موضع آخر قال: “شِيعَتُنَا أَهْلُ الْوَرَعِ وَالاجْتِهَادِ وَأَهْلُ الْوَفَاءِ وَالْأَمَانَةِ… وَيَجْتَنِبُونَ كُلَّ مُحَرَّمٍ” (13).
كما قال: “لَيْسَ مِنْ أَوْلِيَائِنَا مَنْ هُوَ فِي قَرْيَةٍ فِيهَا عَشْرَةُ آلَافِ رَجُلٍ فِيهِمْ مِنْ خَلْقِ اللهِ أَوْرَعُ مِنْهُ” (14). وأكد: “إِنَّ شِيعَتَنَا مَنْ شَيَّعَنَا وَاتَّبَعَ آثَارَنَا وَاقْتَدَى بِأَعْمَالِنَا” (15).
إن تركيز الإمام الباقر (عليه السلام) على “العمل الصالح” كان رداً غير مباشر على كل الفرق التي كانت تتجاهل العمل وتعتمد فقط على الشعارات.
الإمام الباقر (ع) وأزمات الشيعة الفكرية والسياسية المعاصرة له
ذكرنا أن فترة إمامة الإمام محمد الباقر (عليه السلام) تزامنت مع استمرار ضغوط خلفاء بني أمية وولاتهم على الشيعة في العراق. وكان العراق المركز الرئيسي للشيعة، ولذلك تذكره كتب الحديث والتاريخ بألقاب وتعابير تدل على قيادته لأهل العراق (16). وكان الشيعة يتواصلون مع الإمام كل عام في موسم الحج، حيث كانت هذه اللقاءات تتم عادة في مكة أو أثناء عودة الحجاج ومرورهم بالمدينة المنورة.
ومن مشكلات أهل العراق أن الإمام (عليه السلام) لم يكن يثق كثيراً بثبات عقيدتهم وقوة إيمانهم. فعلى الرغم من أنهم كانوا يبدون محبة شديدة وينشرون أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) بحماس كبير، إلا أن هذه المظاهر من الولاء لم تكن تُعدّ يقينية، لأسباب منها سوابق تاريخية معروفة عن أهل الكوفة والعراق. فقد رُوي عن بُريد العجلي أنه قال للإمام الباقر (ع): إن أصحابنا في الكوفة جماعة كثيرة، ولو أمرتهم لأطاعوك واتبعوك. فقال له الإمام: «هل يستطيع أحدكم أن يأخذ ما يحتاج إليه من جيب أخيه المؤمن؟» قال: لا. فقال الإمام: «فهم بدمائهم أبخل» (17).
كما أن كثيراً من الشيعة لم يبلغوا المراتب العليا من التشيع، وكان بعضهم يجمع بين الاستفادة من أحاديث أهل السنة وبين الاهتمام بعلوم أهل البيت (عليهم السلام). وكان عدد كبير من الشيعة في العراق من “الشيعة السياسيين”، أي الذين لم يؤيدوا أهل البيت بسبب الاعتقاد بإمامتهم بقدر ما كان دعمهم نتيجة تقديرهم لشخصيتهم الإنسانية والسياسية وموقفهم المعارض لبني أمية والشام (18). ومع ذلك، لم يكن بالإمكان الاعتماد على هؤلاء لإطلاق حركة سياسية ذات فرصة حقيقية للنجاح، كما يظهر من الحوار السابق بين بريد العجلي والإمام الباقر (عليه السلام).
ومن جهة أخرى، كان الإمام الباقر (عليه السلام) مضطراً إلى مراعاة التقية، في حين كان كثير من شيعة العراق – نتيجة الضغط والاضطهاد – ينتظرون منه أن يأتي إلى العراق ويخرج بالسيف. ولهذا السبب شكّ بعضهم في إمامته، وبسبب عدم وصول المعرفة الكافية إليهم عن إمامته، وقعوا في حيرة بينه وبين أخيه زيد. وقد أدى ذلك إلى ظهور انشقاقات داخل الشيعة. ورغم أن الإمام توفي قبل سبع سنوات من قيام أخيه زيد بثورته في الكوفة، فإن جذور الميل إلى زيد بدأت تنمو في تلك الفترة وبين عدد من الشيعة (19).
موقف الإمام الباقر (ع) من الخلفاء الظالمين
عاصر الإمام الباقر (عليه السلام) خلال فترة إمامته عدداً من الخلفاء الأمويين، وهم:
- الوليد بن عبد الملك
- سليمان بن عبد الملك
- عمر بن عبد العزيز
- يزيد بن عبد الملك
- هشام بن عبد الملك
وكان هؤلاء الخلفاء – باستثناء عمر بن عبد العزيز – لا يقلون ظلماً واستبداداً عن أسلافهم، وكانوا يضيّقون الخناق على الإمام الباقر (عليه السلام) باستمرار (20).
ومع ذلك، كان موقف الإمام تجاههم موقف عزّة وكرامة، وكان يظهر دائماً في المجتمع بوصفه معارضاً سياسياً. ومن أنشطته في مواجهة الحكام الظالمين توبيخ العلماء الذين يتعاونون مع السلطة، والدعوة إلى إحياء السنة الحقيقية للنبي (صلى الله عليه وآله) بعيداً عن تحريف الخلفاء والعلماء المرتبطين بهم.
فقد كتب الإمام الباقر (ع) رسالة إلى سعد الخير يشكو فيها من علماء السوء، فقال:
«فَاعْرِفْ أَشْبَاهَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ الَّذِينَ سَارُوا بِكِتْمَانِ الْكِتَابِ وَتَحْرِيفِهِ… ثم اعرف أشباههم من هذه الأمة الذين أقاموا حروف الكتاب وحرّفوا حدوده، فهم مع السادة والكبرة، فإذا تفرقت قادة الأهواء كانوا مع أكثرهم دنيا، وذلك مبلغهم من العلم» (21).
كما كان الإمام يشجّع الناس على نصيحة الحكام والاعتراض على ظلمهم. فقد رُوي عنه أنه قال:
«من مشى إلى سلطان جائر فأمره بتقوى الله ووعظه وخوفه كان له مثل أجر الثقلين من الجن والإنس ومثل أجورهم» (22).
وتذكر المصادر التاريخية أن الإمام الباقر (عليه السلام) كان يواجه الخلفاء بشجاعة كبيرة ويستغل كل فرصة لإثبات حقانية أهل البيت وأحقيتهم بقيادة الأمة الإسلامية. فقد روي أنه دخل يوماً على هشام بن عبد الملك ولم يسلّم عليه بلقب “أمير المؤمنين”. فغضب هشام وأمر من حوله بتوبيخه، ثم قال للإمام: إن رجلاً منكم لا يزال يفرّق جماعة المسلمين ويدعو الناس إلى نفسه.
فالتفت الإمام إلى الناس وقال:
«أيها الناس، أين تذهبون؟ وبكم يُراد؟ بنا هدى الله أولكم وبنا يختم آخركم. فإن يكن لكم ملك معجّل فإن لنا ملكاً مؤجلاً، وليس بعد ملكنا ملك، لأنّا أهل بيت العاقبة، يقول الله تعالى: والعاقبة للمتقين.»
فأمر هشام بحبسه، لكن السجناء تأثروا بالإمام وأحبوه، فلما بلغ ذلك هشام أمر بإعادته إلى المدينة (23).
وفي حادثة أخرى، استدعى هشام الإمام الباقر وابنه الإمام الصادق (عليهما السلام) إلى الشام ليحط من شأنهما. ويروي الإمام الصادق أن ذلك حدث عندما كان هشام في الحج، وقد قال الإمام الصادق في مكة كلمات بيّن فيها فضل بني هاشم على بني أمية، فقال:
«الحمد لله الذي بعث محمداً بالحق نبياً وأكرمنا به، فنحن صفوة الله على خلقه وخيرته على عباده وخلفاؤه، فالسعيد من اتبعنا والشقي من عادانا وخالفنا».
فلما وصل الخبر إلى هشام، استدعاهما إلى دمشق. وبعد أن أخر دخولهما ثلاثة أيام، أدخلهما في مجلس كبير وأراد إحراج الإمام الباقر بأن يطلب منه المشاركة في مسابقة للرمي بالسهام. اعتذر الإمام أولاً لكبر سنه، لكن هشام أصرّ. فأخذ الإمام القوس وأصاب الهدف بالسهم الأول، ثم تابع حتى أصاب تسعة سهام متتابعة بدقة مذهلة.
فقال هشام متعجباً:
«ما ظننت أن في الأرض أحداً يرمي مثل هذا الرامي».
ثم حاول أن يساوي بين بني هاشم وبني أمية من حيث المكانة، لكن الإمام أكد تفوق أهل البيت بفضائلهم الروحية والعلمية.
بعد ذلك سخر هشام من اعتقاد الشيعة بعلم أمير المؤمنين علي (ع)، فقال إن علياً ادعى علم الغيب، فرد الإمام مبيناً أن علياً نشر علوم القرآن ومعارف النبي. وفي النهاية أمر هشام بإطلاق سراحهما وإرجاعهما إلى المدينة.
كما جرى حوار بين الإمام الباقر وبعض رهبان وقساوسة الشام، وقد أثّر علمه فيهم كثيراً، فخشي هشام من تأثيره على أهل الشام وأمره بمغادرة دمشق فوراً. ثم كتب إلى والي المدينة رسالة يتهم فيها الإمام وابنه بالسحر والانحراف عن الإسلام ليشوّه سمعتهما بين الناس. فتأثر الناس بذلك وبدأوا بإهانتهما، لكن الإمام وعظهم وخوفهم من عذاب الله حتى توقفوا عن ذلك (24).
وتكشف هذه الرواية عن حيلة هشام لتشويه صورة أهل البيت، كما تبرز إصرار الأئمة على بيان مكانتهم وفضلهم (25).
استشهاد الإمام الباقر (ع)
تذكر المصادر التاريخية والحديثية أن سبب وفاة الإمام الباقر (عليه السلام) كان التسمم، وأن يد السلطة الأموية كانت وراء ذلك مباشرة (26). وتشير بعض الروايات إلى أن السم وُضع في سرج حصان، مما أدى إلى إصابة جسد الإمام الشريف بالتسمم والتورم حتى استشهد (27).
وتنسب بعض المصادر مسؤولية هذه الجريمة مباشرة إلى هشام بن عبد الملك (28)، وهو احتمال منطقي بالنظر إلى العداء الذي كان يكنّه للإمام.
كما تشير بعض المصادر إلى أن الإمام توفي أولاً في مكان يسمى “حميمة” من نواحي الشام أو مكة، ثم نُقل جسده إلى المدينة (29). وبحسب وصيته، دُفن في الثياب التي كان يصلي فيها (30)، ووري الثرى في مقبرة البقيع إلى جانب قبر والده الإمام السجاد (عليه السلام) وقبر عمه الإمام الحسن (عليه السلام). كما أوصى أن يُقام له مجلس عزاء في منى لمدة عشر سنوات من ماله الخاص (31).
ترجمة : مركز الإسلام الأصيل





