بين السيد مجتبى الخامنئي وترامب الأخرق، عندما تمتحن السياسة أخلاق الإنسان

بين السيد مجتبى الخامنئي وترامب الأخرق، عندما تمتحن السياسة أخلاق الإنسان

بقلم الکاتب والباحث العراقی “رسول حسين ابو السبح “

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ۝ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾….ليست هذه الآية الكريمة وصفًا لأشخاص بأعيانهم، وإنما هي ميزان إلهي يزن به الإنسان نفسه وأفعاله، فكل من أوتي سلطة أو قوة أو نفوذًا، يقف يومًا أمام امتحان الأخلاق قبل امتحان السياسة، فمن جعل العدل بوصلته ارتقى، ومن جعل القوة غايةً والهيمنة منهجًا، كان سقوطه الأخلاقي سابقًا لأي سقوط آخر.

وفي عالم اليوم، لا تُقاس القيادات بما تمتلكه من ترسانات أو نفوذ اقتصادي، بل بما تتركه من أثر في حياة الشعوب، فالتاريخ لا يحفظ أسماء المنتصرين في الحروب بقدر ما يحفظ أسماء من صانوا الكرامة الإنسانية ومنعوا الدماء.

ومن هذا المنطلق، نضرب مثلاً بالسيد القائد مجتبى الخامنئي، إذ أنه يمثل نموذجًا للثبات على المبادئ في مواجهة الضغوط، وأن القيادة لا تُختبر في أوقات السلم بقدر ما تُختبر في لحظات الحصار والتهديد، حين يصبح القرار مسؤوليةً أخلاقية قبل أن يكون حسابًا سياسيًا.

كما وتقوم السياسة الإيرانية، وفق خطابها الرسمي، على منظومة قيم تعلن أن العدالة ليست مجرد شعار سياسي، بل أساس في بناء الدولة وإدارة العلاقات الدولية، وتؤكد هذه الرؤية على مفاهيم الاستقلال، ورفض الهيمنة الخارجية، والدفاع عن سيادة الدول، وربط القرار السياسي بمنظومة أخلاقية تستند إلى المسؤولية تجاه المجتمع، وفي هذا الإطار، تُقدَّم مفاهيم نصرة المستضعفين، وحماية الكرامة الوطنية، والتمسك بالهوية الثقافية والدينية بوصفها مرتكزات للعمل السياسي، مع اعتبار أن القوة لا تكتسب مشروعيتها إلا إذا اقترنت بالعدل وضبط النفس واحترام كرامة الإنسان.

وفي المقابل، ارتبط اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسياسات أثارت جدلًا واسعًا داخل الولايات المتحدة وخارجها، فقد دعمت إدارته سياسات عسكرية وأمنية تعرضت لانتقادات حادة بسبب آثارها الإنسانية، كما ارتبطت بقرارات زادت من حدة الاستقطاب الدولي، وأثارت اتهامات بتجاهل معاناة المدنيين في مناطق النزاع، ويرى منتقدوه أن الخطاب القائم على الاستعلاء، وفرض الإرادة بالقوة، والدعم غير المشروط لحلفاء واشنطن في بعض الحروب، أسهم في تعميق الأزمات بدلًا من احتوائها.

إن الدماء التي سالت في ساحات الصراع، والبيوت التي هُدمت، والأطفال الذين وجدوا أنفسهم تحت ركام الحروب، ليست مجرد أرقام في تقارير سياسية، بل هي شاهد دائم على أن القرارات التي تُتخذ في غرف الحكم قد تغيّر مصير أمم بأكملها، والتاريخ لا يحاكم القادة بعدد الخطب التي ألقوها، وإنما بما خلّفته قراراتهم من عدل أو ظلم، ومن حياة أو موت.

ولهذا تبقى الآية الكريمة ميزانًا خالدًا، لا يمنح أحدًا صك البراءة ولا يحكم على أحد باسمه، وإنما يقرر أن الإنسان يرتفع بأخلاقه وعدله، وينحدر حين يغلبه الكبر، ويظن أن القوة وحدها تصنع المجد، فالحضارات تُبنى بالقيم قبل السلاح، والقيادات تُخلّد بمقدار ما تحفظ كرامة الإنسان، لا بمقدار ما تمتلك من أسباب البطش والهيمنة.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل