مفكر ماليزي لـ تنـا: الوحدة لم تعد مجرد طموح مثالي بل ضرورة ستراتيجية لصون كرامة المجتمعات الاسلامية

مفكر ماليزي لـ تنـا: الوحدة لم تعد مجرد طموح مثالي بل ضرورة ستراتيجية لصون كرامة المجتمعات الاسلامية
يقول الدكتور محمد عزمي عبد الحميد، وهو رئيس المجلس الاستشاري للمنظمات الإسلامية الماليزية (MAPIM)، أن الوحدة الإسلامية لم تعد مجرد طموح مثالي، بل أصبحت ضرورة ستراتيجية لبقاء المجتمعات المسلمة وصون كرامتها وتحديد مستقبلها؛ مشيراً إلى أن العالم الإسلامي يمتلك موارد هائلة بشرية واقتصادية وجغرافية وحضارية، لكنها تتبدد بسبب الصراعات السياسية، والحساسيات المذهبية، وتضارب المصالح الوطنية، والضغوط الجيو- سياسية التي تاتيها من الخارج.
وفي حوار خاص مع وكالة انباء التقريب (تنـا) على هامش المؤتمر الدولي الـ 40 للوحدة الاسلامية، استعرض الدكتور عزمي عبد الحميد، التطورات الإقليمية والدولية وتاثيرها على العالم الإسلامي، وتبلور ضرورة الوحدة الإسلامية في ظل هذه المستجدات والحاجة الى الانتقال من حدود الشعارات إلى واقع عملي في سياق تحقيقها، كما تطرق الى اهمية دور المقاومة في حماية الشعوب المظلومة، وإنجازات مؤتمر الوحدة الإسلامية على مدى العقود الأربعة الماضية.

وردا على سؤال حول مدى قوة الوحدة الإسلامية اليوم على تعزيز التماسك داخل المجتمعات المسلمة في ظل التحديات السياسية والأمنية الراهنة اقليميا ودوليا، والعقبات التي تعترض هذا المسار، قال رئيس المجلس الاستشاري للمنظمات الاسلامية الماليزية: عندما تتحرك الدول الإسلامية بصورة منفردة، فإن تأثيرها الجماعي يصبح أضعف بكثير من إمكاناتها الحقيقية؛ مشددا على أن الوحدة لا تعني التطابق في الأنظمة السياسية أو التفاسير الدينية، بل تعني الاعتراف بالمبادئ الجامعة؛ الإيمان المشترك، وحرمة الإنسان، والعدل، والسيادة، والكرامة، وحماية المظلومين، ورفض الهيمنة والاستعمار.

واعتبر ان عقبة الوحدة ليست في الاختلافات ذاتها، فهي موجودة منذ قرون، بل في عجز الأمة الاسلامية عن إدارة هذه الاختلافات؛ محذراً من أن الطائفية المتعصّبة، والقومية الإقصائية، والتنافس السياسي، والاعتماد المفرط على القوى الخارجية، كلها عوامل تضعف الإرادة الجماعية.

ودعا هذا المفكر الاسلامي الماليزي إلى “وحدة اسلامية عملية” تقوم على التعاون الاقتصادي، والتنسيق الإنساني، والتبادل التعليمي، والتضامن الدبلوماسي، والتعاون الإعلامي، واتخاذ مواقف مشتركة تجاه القضايا الكبرى التي تمس الأمة.

واوضح قائلا: إن قوة العالم الإسلامي في المستقبل ستعتمد بدرجة كبيرة على قدرتنا في تحويل تنوعنا إلى مصدر قوة، بدلاً من السماح له بأن يتحول إلى سبب دائم للتجزئة والانقسام.

مقاومة الهيمنة والصهيونية في فكر الإمام الخامنئي (رض)
وعن مكانة التصدي للهيمنة العالمية والصهيونية في فكر القائد الشهيد للثورة الاسلامية الإمام السيد علي الخامنئي (رضوان الله عليه) وعلاقتها بالوحدة الإسلامية، أوضح الدكتور عزمي أن مقاومة الهيمنة ومواجهة المشروع الصهيوني ترتبطان ارتباطاً وثيقاً بمسألة الوحدة الإسلامية في فكر الإمام الشهيد؛ وذلك انطلاقاً من مبدأ أن “لا ينبغي لأي أمة أن تقبل بالظلم أو الاحتلال أو حرمان شعب آخر من حقوقه الأساسية”.

كما اشار الى أن القضية الفلسطينية أصبحت واحدة من أوضح الاختبارات لمدى التزام العالم الإسلامي بالوحدة، مردفا: لقد أثبتت غزة أن القضية الفلسطينية لا يمكن حصرها في دولة واحدة أو عرق واحد أو حركة سياسية واحدة، إنها في جوهرها قضية عدالة وكرامة إنسانية وقانون دولي.

الدكتور عزمي، حذّر في هذا الحوار، من اختزال الوحدة في مواجهة عدو مشترك فقط؛ مبينا أن التهديد المشترك قد يكون عامل تحفيز، لكن الوحدة المستدامة يجب أن تقوم على أسس أعمق وهي العدالة والاحترام المتبادلين، والسيادة، والتعاون، والاعتراف بكرامة كل مجتمع مسلم.

وشدّد رئيس المجلس الاستشاري للمنظمات الاسلامية في ماليزيا على ضرورة التمييز، بوضوح، بين الصهيونية كأيديولوجية ومشروع سياسي مرتبط بالاحتلال وتهجير الفلسطينيين، وبين اليهودية واليهود كدين وأتباعه، قائلا: هذا التمييز ضروري حتى تبقى قضيتنا من أجل حقوق الشعب الفلسطيني قضية مبدئية وإنسانية وعالمية، قائمة على مبدا العدالة.

وتابع: إن أعظم ما يمكن أن تقدمه القضية الفلسطينية للوحدة الإسلامية هو أن تذكّر الأمة بأنه رغم اختلافاتنا، هناك مبادئ أساسية يمكننا أن نقف حولها جميعاً.

وحول دور محور المقاومة في دعم الشعوب المظلومة بغزة ولبنان، وتأثير تعزيزه على مستقبل المعادلات الإقليمية من منظور فكر الإمام الخامنئي (رض)، قال الدكتور عزمي: إن محور المقاومة أصبح عاملاً مهماً في معادلة التوازن الستراتيجي بمنطقة غرب آسيا، ووسيلة لمقاومة الاحتلال، والدفاع عن المجتمعات، وتحصين المنطقة امام هيمنة قوة خارجية واحدة.

وأشار إلى أن حركات المقاومة في غزة ولبنان لعبت دوراً مهماً في مواجهة القوة العسكرية والة الحرب الصهيونية، وإبقاء القضية الفلسطينية في صدارة الاهتمام الإقليمي والدولي.

وفي الوقت نفسه شدد هذا الباحث الاسلامي على ضرورة الوعي بالكلفة الإنسانية للحروب، قائلاً: الغاية النهائية يجب أن تظل حماية المدنيين، وصون الكرامة الإنسانية، والوصول إلى نظام سياسي عادل يضمن الحقوق الأساسية للشعوب.

وأضاف، أن تعزيز المقاومة في فكر الإمام الشهيد يعني تعزيز قدرة شعوب المنطقة على مقاومة الهيمنة الخارجية وتحديد مستقبلها السياسي بإرادتها المستقلة.

واستطرد: لكن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يتحقق من خلال القوة العسكرية وحدها؛ فالقوة المستدامة تحتاج إلى الشرعية السياسية، والقدرة الاقتصادية، والتماسك الاجتماعي، والتقدم التكنولوجي، والقدرة الإنسانية، والدبلوماسية الفاعلة.

وتوقّع الدكتور عزمي بأنه إذا استطاعت الدول الإسلامية أن تجمع بين استقلالها السياسي والتعاون الاقتصادي والتنسيق الستراتيجي، فإن المنطقة يمكن أن تتجه نحو نظام أكثر توازناً، بحيث لا تستطيع القوى الخارجية أن تتدخل بشكل مباشر في تقرير مصير شعوبها.

وبحسب هذا الباحث الماليزي “ان السؤال الحقيقي هنا ليس فقط: إلى أي مدى يمكن أن يصبح محور المقاومة قوياً عسكرياً؟ وانما: هل تستطيع المقاومة أن تسهم في بناء نظام إقليمي يقوم على السيادة والعدالة والأمن والكرامة لجميع الشعوب؟”.

أربعة عقود من مؤتمر الوحدة الإسلامية؛ إنجازات وآفاق
وعن إنجازات مؤتمر الوحدة الإسلامية الذي عقد برعاية المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية في ايران على مدى أربعة عقود من الزمن، والأولويات المستقبلية في هذا الاطار، قال الدكتور عزمي: إن المؤتمر وفّر منصة مهمة جمعت العلماء والمفكرين والشخصيات وممثلي المجتمعات الإسلامية من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

ولفت الى ابزر انجازات مؤتمر الوحدة، منها:

1- توفير مساحة مستمرة للحوار بين المدارس الفكرية والمذهبية المختلفة،
2- إبراز قضايا محورية مثل فلسطين والقدس والمسجد الأقصى،
3- التأكيد على التضامن الإسلامي ومقاومة الاحتلال،
4- الدعوة إلى تجاوز الانقسامات المذهبية.
وعن الافاق المستقبلية لهذه المسيرة، أشار الدكتور عزمي إلى أن العقود الأربعة القادمة تحتاج لمستوى جديد من الطموح؛ موضحا بانه لا ينبغي أن تبقى مؤتمرات الوحدة محصورة في الخطب والبيانات، بل يجب أن تتحول إلى منصات للتنفيذ والعمل المشترك.

واقترح الباحث الماليزي، في هذا الشان، خمس أولويات أساسية، على الشكل التالي-:

1- إنشاء آليات أقوى لتحويل قرارات المؤتمر وتوصياته إلى برامج ومشاريع عملية،
2- بناء شبكات دائمة تربط العلماء والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني والشباب في العالم الإسلامي،
3- جعل فلسطين والقدس والمسجد الأقصى قضية ستراتيجية طويلة المدى، تشمل العمل الإنساني والدبلوماسي والتعليمي والاقتصادي والقانوني،
4- تطوير التعاون العملي في مجالات الأمن الغذائي، والتكنولوجيا، والتعليم، والصحة، والاستجابة الإنسانية، والتنمية الاقتصادية،
5- الاستثمار بقوة في جيل الشباب، لأن الوحدة المستقبلية تحتاج إلى من يعيش معناها من خلال التعاون الحقيقي وتبادل المعرفة وخدمة الإنسانية.
ومضى الى القول: لا ينبغي أن يرتكز معيار الوحدة الإسلامية على عدد القادة والعلماء الذين يجتمعون في قاعة واحدة، بل المعيار الحقيقي هو ما يحدث بعد عودتهم إلى بلدانهم.

وفي ختام الحوار مع “تنـا”، وجّه الدكتور عزمي رئيس المجلس الاستشاري للمنظمات الاسلامية  الماليزية، رسالة واضحة إلى الأمة الإسلامية، قائلا فيها: ان العالم الإسلامي لا يفتقر إلى الموارد ولا إلى الإمكانات؛ ما ينقصه هو مزيد من الثقة، والتنسيق الستراتيجي، والإرادة السياسية للعمل المشترك، مع احترام اختلافاتنا المشروعة.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل