*نهاية وهم «المظلة الأمنية الأمريكية»*

افتتاحية صحيفة “صوت_إيران” الإلكترونية، العدد ٤١٤، الصادرة من موقع؛ KHAMENEI.IR

*نهاية وهم «المظلة الأمنية الأمريكية»*

🔍 خيبة أمل الدول العربية من جدوى الاعتماد العسكري على الولايات المتحدة..

✍️ خلال العقود الماضية، أُديرت منطقة الخليج الفارسي وفق معادلة بسيطة: كانت الدول العربية تريد الأمن، بينما كانت الولايات المتحدة تبسط مظلتها الأمنية فوقها مقابل ثمن باهظ للغاية. وكانت القواعد العسكرية، والسفن الحربية، وصفقات الأسلحة، والاتفاقيات الدفاعية، مكونات هذه المعادلة.
وفي هذا النظام، كانت الولايات المتحدة قوة يُفترض أن تبقي التهديدات خارج حدود حلفائها، وأن تمنع الإخلال بأمنهم.

🔹️لكن الحرب التي استمرت أربعين يومًا وضعت هذه المعادلة أمام اختبار جدي:
إذا كان أمن دول المنطقة يعتمد على وجود قوة أجنبية، فماذا يحدث عندما تدخل هذه القوة نفسها في حرب وتتسبب في انعدام الأمن؟
هل ستصبح هذه الدول أكثر أمنًا فعلًا؟

🔹️يمكن رؤية الإجابة في أحداث هذه الحرب. فقد أظهرت إيران، باستهدافها القواعد والمنشآت العسكرية الأمريكية في الدول العربية بالمنطقة، أن القاعدة الأمريكية ليست بالضرورة درعًا أمنيًا للدولة المضيفة، بل يمكن أن تعمل بالعكس تمامًا؛ أي إن وجود قوة أجنبية قد يحوّل الدولة المضيفة إلى جزء من ساحة الصراع.

🔹️ولعل هذه هي أهم رسالة استراتيجية للحرب بالنسبة إلى الدول العربية. تستطيع الولايات المتحدة دعم حلفائها عسكريًا، وبيع أنظمة دفاعية، ونشر مقاتلات، وإرسال قوات ومعدات إلى المنطقة، لكنها لا تستطيع ضمان بقاء أراضي الدول المضيفة بمنأى عن تداعيات الحرب في حال اندلاعها.
وبعبارة أخرى، كشفت الحرب التي استمرت أربعين يومًا عن تناقض كبير: فالوجود الذي كان من المفترض أن يجلب الأمن يمكن أن يتحول هو نفسه إلى أحد عوامل انعدام الأمن.

🔹️وهنا يكتسب مفهوم *«الأمن المستعار»* معناه؛ فهو أمن لا يتم إنتاجه داخل المنطقة، بل يتم استيراده من الخارج، ولا تكون له مصداقية إلا ما دامت القوة الأجنبية تمتلك الإرادة والقدرة على دفع ثمنه. ومهما بلغت المعدات العسكرية المتاحة في ظل هذا النوع من الأمن، فإنه يعاني من ضعف جوهري: فالقرار النهائي بشأنه يُتخذ في عاصمة دولة أخرى.

🔹️لكن القضية لا تتعلق فقط بعجز الولايات المتحدة. فدول جنوب الخليج تواجه الآن مجموعة من المخاوف الأمنية التي تدفعها نحو تنويع شركائها الدفاعيين وإنشاء ترتيبات إقليمية.

أولًا، أدت تجربة الحرب التي استمرت أربعين يومًا وعجز الولايات المتحدة عن منع استهداف أهدافها وقواعدها في المنطقة، إلى إضعاف الاعتقاد بأن واشنطن قادرة على ضمان أمن هذه الدول بشكل كامل.

وثانيًا، أُضيفت المخاوف من سلوك الكيان الصهيونب إلى هذه المعادلة. فقد أظهر الهجوم الإسرائيلي على قطر أن حتى دولة تربطها علاقات وثيقة بالولايات المتحدة وتحظى بدعم أمني من واشنطن ليست بمنأى عن اعتداءات كيان مثل إسرائيل. إضافة إلى ذلك، أظهر الكيان الإسرائيلي أن لديه خططًا توسعية واحتلالية للمنطقة، وهو ما زاد من مخاوف الدول العربية العاجزة عن الدفاع عن نفسها.

🔹️في مثل هذه الظروف، ينبغي النظر إلى التوجه نحو إبرام اتفاقيات دفاعية إقليمية باعتباره ردًا على هذه الفجوة الأمنية.
ويشير اتفاق مكة والجهود الرامية إلى إنشاء ترتيبات إقليمية جديدة إلى أن دول المنطقة تسعى إلى تنويع خياراتها الأمنية. ويعكس هذا المسار تغيرًا في حسابات مهمة: لم يعد من الممكن إسناد الأمن إلى قوة أجنبية واحدة.

🔹️ومن العوامل المهمة الأخرى تغير ميزان القوى نتيجة الحرب التي استمرت أربعين يومًا. فقد أظهرت هذه الحرب أن إيران لم تتمكن من الصمود في مواجهة الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي فحسب، بل كانت قادرة أيضًا على تكبيدهما تكاليف كبيرة، وإلحاق أضرار بالبنية التحتية العسكرية الأمريكية في المنطقة. وهذه الحقيقة تغيّر حسابات الدول العربية؛ لأنه عندما يتغير ميزان القوى في المنطقة لصالح إيران، يصبح استمرار الاعتماد على قوة أجنبية لاحتواء إيران موضع شك أكبر من أي وقت مضى.

🔹️ومن هذا المنظور، فإن أهم مكسب استراتيجي للحرب بالنسبة إلى إيران لم يكن مجرد القدرة على استهداف القواعد الأمريكية؛ بل الأهم هو تغيير حسابات دول المنطقة بشأن مفهوم الأمن. فلو لم تتمكن إيران من الوقوف في وجه العدوان الأمريكي والإسرائيلي وفرض تكلفة حقيقية على المهاجمين، لظل الحديث عن الأمن الإقليمي الذاتي مجرد فكرة. وما حوّل هذه الفكرة إلى خيار عملي هو المشاهدة الفعلية لقدرة إيران على تغيير معادلات الحرب وفرض تكاليف على القوى الكبرى.

الآن تواجه الدول العربية خيارًا مهمًا: الاستمرار في الاعتماد على قوة لا تستطيع، في لحظة الأزمة، تأمين أمنها، أم التحرك نحو ترتيبات تكون هي نفسها صاحبة الدور الرئيسي في بنائها؟

إذا استمر هذا المسار، فلن تقتصر المسألة على تراجع الدور الأمريكي؛ بل ستتجاوز ذلك إلى نهاية احتكار واشنطن لتعريف مفهوم أمن الخليج الفارسي.

إن درس الحرب التي استمرت أربعين يومًا واضح: الأمن الذي يبنيه لك الآخر يظل قائمًا ما دامت مصالحه تقتضي ذلك؛ أما الأمن الذي تبنيه بنفسك، فهو جزء من قوتك واستقلالك.

ولعل الأهم من ذلك كله أن تحرك دول المنطقة نحو الأمن الإقليمي الذاتي يمثل بحد ذاته مؤشرًا على أن عصر الوجود الأمريكي بوصفه ضامنًا لأمن الخليج الفارسي يقترب من نهايته.

وإذا تمكنت دول المنطقة من تولي مسؤولية أمنها بنفسها، فإن الوجود العسكري لقوة خارجية، وهي التي تمثل في حد ذاتها جزءًا من توترات المنطقة، سيتحول تدريجيًا من ضرورة استراتيجية إلى عنصر زائد عن الحاجة في المعادلات الجديدة للخليج الفارسي.

🗞️#روزنامه_صداى_ايران
💻 Farsi.Khamenei.ir

ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل