من تسليع المرأة في الغرب إلى كرامتها في الإسلام.. لماذا يشكّل الحجاب حصنًا للمجتمع؟

الحجاب في المدرسة الإسلامية، يتجاوز كونه حكمًا شرعيًا، ليكون «حصنًا منيعًا للكرامة» وأمنًا أخلاقيًا للمجتمع. ويتناول هذا المقال الهجوم المنظّم الذي يشنّه الأعداء على مؤسسة الأسرة، وينتقد النظرة السلعية للحضارة الغربية إلى المرأة، مؤكدًا ضرورة تضافر «الحزم الحاكم» و«الغيرة العامة» في صون حرمة العفاف.

وبحسب وكالة أنباء حوزه، فإن الحجاب في الثقافة الإسلامية يمثل حصنًا راسخًا لصون كرامة الإنسان وضمانًا للسلامة الأخلاقية للمجتمع؛ وهو بمثابة خندق في مواجهة الهجمات الثقافية الرامية إلى اختزال مكانة المرأة إلى «سلعة استهلاكية»، ومن ثمّ فإنه يمثل ضرورة حضارية.

الحجاب؛ الأساس الأخلاقي والواجب الحاكم

الحجاب في الثقافة الإسلامية حكمة إلهية لصون حرمة الأسرة والسلامة النفسية للمجتمع. والنظام الإسلامي، الذي يقوم على أحكام القرآن المضيئة وسيرة أهل البيت (ع)، لا يرى نفسه ملزمًا بترويج هذه الثقافة فحسب، بل مكلّفًا أيضًا بتهيئة الظروف اللازمة لتحقيق التكاليف الإلهية في المجتمع.

والحياء والعفاف سِياجان رفيعان للأمن الأخلاقي، ومن دونهما تتعرض مؤسسة الأسرة، ومن ثمّ أسس الحضارة الإسلامية، للانهيار. وتعدّ السلطة الحاكمة نفسها مسؤولة عن تنفيذ الأوامر الإلهية في هذا المجال؛ لأن إرساء القيم الدينية يمثل أحد الأركان الأساسية لشرعية النظام الإسلامي في الجمهورية الإسلامية وكفاءته.

الهجوم الثقافي للأعداء في قضية الحجاب

لقد واجه أعداء الثورة الإسلامية، الذين اصطدموا في جميع ساحات المواجهة العسكرية والأمنية، وكذلك في ظل العقوبات الاقتصادية الجائرة، بسدّ صلب من مقاومة الشعب الإيراني وتجرعوا مرارًا طعم الهزيمة، بتغيير استراتيجيتهم. وأصبح تركيزهم الأساسي اليوم منصبًا على الهجوم الثقافي واستهداف «حياء وحجاب» النساء الإيرانيات.

وقد أدرك العدو أنه من أجل كسر إرادة شعب ما، ينبغي استهداف حصونه الثقافية والأخلاقية. والتركيز على عفاف النساء محاولة يائسة لإضعاف الروابط الأسرية وتغيير نمط الحياة الإيراني-الإسلامي الأصيل، بهدف إفراغ الهوية الثورية للمجتمع من مضمونها من الداخل، وتعطيل القوة المحركة للمقاومة باستخدام أداة «الانفلات الأخلاقي».

إحياء الفريضة المنسية؛ مسؤولية عامة

في مواجهة هذا الهجوم المنظّم، لا يكفي الاعتماد على الأدوات القانونية وحدها. فعلى المجتمع الإسلامي أن يصطف في مواجهة هذا الهجوم من خلال إحياء فريضة «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» بوصفها فريضة منسية.

وهذه الفريضة تمثل صمام أمان للمجتمع الإسلامي، ولا ينبغي أن تُلقى مسؤوليتها على عاتق الدولة أو المؤسسات الرسمية وحدها؛ بل إن جميع أفراد المجتمع والنخب والهيئات الدينية مسؤولون عن إبقاء القيم الأخلاقية حيّة في المجتمع، من خلال خطاب إقناعي وعقلاني وثوري.

إن الغفلة عن هذه الفريضة تعني إفساح المجال أمام مخططات العدو. والمجتمع الذي تختلط فيه القيم بالمضادّات للقيم، سيفقد روح المقاومة ومناهضة الاستكبار.

القانون والحزم؛ طريق صون سلامة المجتمع

إلى جانب بناء الثقافة، يضطلع الجهاز الرسمي للدولة بدور حاسم. فمجلس الشورى الإسلامي والحكومة مسؤولان عن التخطيط الدقيق لإقرار قانون الحجاب وتنفيذه؛ وهو قانون ينبغي أن يكون رادعًا وواضحًا وحازمًا.

كما ينبغي للسلطة القضائية وقوات إنفاذ القانون أن تتعامل بمنتهى الحزم مع الحالات المنظّمة لترويج انعدام الحياء. ويُعدّ التصدي للاختلالات الأخلاقية وانعدام العفة في المجتمع مطلبًا جادًا لغالبية الشعب المتدين والثوري.

ولا يمكن قبول أي إهمال أو تراخٍ أو سلبية في مواجهة التيارات المنظّمة التي تهدف إلى انتهاك الحرمات الإلهية، وعلى النظام أن يصون السلامة الأخلاقية للمجتمع بكل اقتدار.

الرواية الإلهية

الحجاب؛ حصن راسخ للقيم الإلهية

الحجاب والعفاف في المدرسة الوحيانية فريضة لصون جوهر الإنسان وحماية حرمة الأسرة. وقد شرّع الله تعالى أحكامًا لصيانة هذا الجوهر الثمين في المجتمع الإيماني، لكي يبقى المؤمنون بمنأى عن أذى النظرات الملوثة والانحرافات الأخلاقية:

«یا اَیُّهَا النَّبِیُّ قُل لِّاَزواجِکَ وَبَناتِکَ وَنِساءِ المُؤمِنینَ یُدنینَ عَلَیهِنَّ مِن جَلابیبِهِنَّ» (الأحزاب، 59).

والحكم الإسلامي، الذي يرفع راية تحقيق أوامر الرب على الأرض، مسؤول عن ترسيخ هذا الحصن النوراني في المجتمع.

لجوء العدو إلى الهجوم الثقافي

إن الاستكبار العالمي، الذي وصل إلى طريق مسدود أمام صلابة الثورة الإسلامية في ميادين الحرب الصلبة والضغوط الاقتصادية، يوجه سلاحه الآن نحو حرمة الأسرة.

فالعدو، إذ يدرك أن هزيمة مجتمع راسخ الإيمان ليست أمرًا ممكنًا بسهولة، يسعى إلى إطفاء نور الإيمان في القلوب من خلال ترويج الانفلات الأخلاقي. وكما قال الإمام الشهيد:

«أريد أن أذكر مسألة الحجاب وأشير إليها: إنهم ينفقون أموالًا طائلة، ويبذلون جهودًا كبيرة، ويستخدمون مئات وسائل الإعلام، بمختلف أنواعها، لكي يتمكنوا من التأثير في هذه النقطة الحساسة، أي في نقطة الهوية الثقافية المستقلة للمرأة المسلمة.»

(8 مارس/آذار 2018، لقاء المداحين).

ويمثل هذا الهجوم الثقافي محاولة يائسة لإضعاف أعمدة المقاومة؛ لأن العدو يدرك أنه متى زال الحياء والعفة عن مجتمع ما، تراجعت أيضًا دوافع الوقوف في وجه الظلم.

الأمر بالمعروف؛ ضمان سلامة الأمة

إن الوقوف في وجه الهجوم الأخلاقي مسؤولية عامة. فالإيمان وتحمل المسؤولية تجاه مصير الآخرين من أبرز سمات المجتمع الذي يتطلع إلى الفلاح.

وفي منطق القرآن الكريم الذي يقول:

«وَالمُؤمِنونَ وَالمُؤمِناتُ بَعضُهُم اَولِیاءُ بَعضٍ یَأمُرونَ بِالمَعروفِ وَیَنهَونَ عَنِ المُنکَرِ» (التوبة، 71)

فإن المؤمنين أنصار بعضهم بعضًا وداعمون لبعضهم، ومن خلال العمل بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقيمون سدًا منيعًا في وجه هجمات الفساد.

وإحياء هذه الفريضة ضمان لاستمرار الروح الثورية. فإذا التزم المجتمع الصمت إزاء المنكرات المنظّمة، جفّت جذور شجرة الثورة؛ ولذلك فإن كل مؤمن هو في حد ذاته حارس لحرمة العفة والأخلاق.

اقتدار النظام في إحقاق الحق

تتحمل الحكومة ومجلس الشورى والجهاز القضائي، بوصفها أركانًا حامية للنظام الإلهي، مسؤولية التنفيذ الحازم للحدود والقوانين التي تصون القيم الإسلامية.

وكما قال الإمام الشهيد:

«إن العمل الذي يُرتكب على الملأ، ويُرتكب في الشوارع، هو عمل عام، وعمل اجتماعي، وتعليم عام؛ وهذا [الخطأ المتمثل في كشف الحجاب] يُنشئ تكليفًا على عاتق الحكومة التي جاءت إلى السلطة باسم الإسلام. والحرام لا فرق فيه بين صغير وكبير؛ فما كان حرامًا شرعيًا لا ينبغي أن يُرتكب بصورة علنية في البلاد.»

(8 مارس/آذار 2018، لقاء المداحين).

الرواية الأرضية

الحجاب؛ حصن الأمن الأخلاقي

الحجاب في الثقافة الإسلامية حكمة إلهية لصون حرمة الأسرة والسلامة النفسية للمجتمع، والنظام الإسلامي يرى نفسه مسؤولًا عن ترويج هذه الثقافة وتنفيذها؛ لأن الحياء والعفاف سياجان رفيعان للأمن الأخلاقي، ومن دونهما تنهار مؤسسة الأسرة وأسس الحضارة الإسلامية.

ولفهم ضرورة هذه المسؤولية الحاكمة بصورة أفضل، يكفي أن نلقي نظرة على أوضاع النساء في المجتمعات الغربية؛ وهي المجتمعات نفسها التي تسعى، تحت شعارات الحرية وحقوق الإنسان، إلى شن هجوم ثقافي على البلدان الإسلامية.

وتكشف الإحصاءات عن حقائق مؤلمة تختبئ خلف هذه الشعارات. فوفقًا لأكبر استطلاع للرأي في الاتحاد الأوروبي، تعرضت واحدة من كل ثلاث نساء في الاتحاد الأوروبي للعنف في المنزل أو مكان العمل أو الأماكن العامة. كما تعرضت 31 في المئة من النساء العاملات في أوروبا للتحرش الجنسي في مكان العمل، وترتفع هذه النسبة بين الشابات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 18 و29 عامًا إلى 42 في المئة.

وتشير هذه الإحصاءات إلى عمق أزمة كرامة المرأة في الحضارة الغربية؛ إذ تظل المرأة، رغم شعارات حقوق الإنسان، عرضة للعنف وللتعامل معها بوصفها موضوعًا أو شيئًا.

النساء؛ سلعة استهلاكية في الغرب

ولفهم عمق هذه الأزمة، يكفي النظر إلى قضية جزيرة إبستين المشؤومة؛ حيث تحوّل جسد المرأة، ولا سيما في الثقافة الإعلامية والترفيهية الغربية، في الوقت نفسه إلى سلعة استهلاكية وأداة للإعلان.

وتتبع صناعة المواد الإباحية والأزياء والإعلانات، بل وحتى جزء من صناعة السينما والموسيقى، منطقًا واحدًا مفاده أن «الجسد كلما كان أكثر عريًا، كان أكثر جاذبية وقابلية للتداول والربح».

وفي مثل هذا المناخ، تتغير الحدود الأخلاقية تدريجيًا، ويتشكل مجتمع ينظر فيه أثرياء مثل إبستين إلى أجساد الآخرين بوصفها «منتجًا فاخرًا».

وقال القائد الشهيد للثورة في هذا الشأن:

«من علامات النزعة الذكورية لدى الغربيين أنهم يريدون المرأة من أجل الرجل؛ ولذلك يقولون إن على المرأة أن تتزين لكي يستمتع الرجل. هذه هي النزعة الذكورية، وليست هذه حرية المرأة؛ بل هي في الحقيقة حرية الرجل. إنهم يريدون أن يكون الرجل حرًّا، حتى في إشباع متعته البصرية؛ ولذلك يشجعون المرأة على كشف حجابها والتبرج والتزين أمام الرجل.»

(22 أكتوبر/تشرين الأول 1997).

وفي مثل هذه النظرة، تتحول المرأة إلى سلعة للاستهلاك البصري للرجال.

كرامة المرأة في مدرسة العفاف

في حين تُظهر الدراسات العلمية أن الفتيات المسلمات المحجبات يتمتعن بأعلى مستويات الرضا عن أجسادهن وأقل قدر من الضغوط لتحقيق معايير الجمال المثالية الغربية.

والمرأة المحتشمة والتقية في المجتمع الإسلامي، خلافًا للتصور الشائع، تتمتع بحرية حقيقية أكبر. فهي تستطيع أن تكون في الوقت نفسه أمًا أو زوجة أو عالمة أو أن تؤدي أي دور آخر، من دون أن تضحي بهويتها إرضاءً للنظرة الذكورية.

والحجاب رمز لهذا الاختيار الواعي ومقاومة النظرة التي تختزل المرأة إلى أداة لإشباع رغبات الرجال.

خاتمة القول

كيف يجرؤ الغرب، الذي لا يستطيع حتى إنقاذ نسائه وأطفاله من براثن الفساد الأخلاقي والرأسمالية، على تقديم نفسه منقذًا لنساء أفغانستان، وأمهات غزة، وفتيات اليمن، ونساء إيران؟

إن هذا ليس مجرد نفاق، بل جريمة بحق الإنسانية.

والإسلام، بوصفه النظام الوحيد الذي يؤكد الكرامة المتأصلة للإنسان، وعزة المرأة، والعدالة، قادر في هذه المرحلة التاريخية على إضاءة مشعل الأمل والعدالة للعالم.

* ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

"اللعنة على اليهود في القرآن: تحليل الأسباب والسياق"
الأحكام الشرعية | حرمة الغش في المعاملات
هل يُعدّ أبو الفضل العباس (عليه السلام) والسيدة زينب (سلام الله عليها) معصومين؟
الإفطار العلني؛ حرّيّة فرديّة أم جريمة اجتماعيّة؟
الأحكام الشرعية | غسل وتكفين شهداء الحرب الأمريكية-الصهيونية

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل