من المحبة إلى العدالة… كيف نكون محمديين في واقعنا؟

برنامج عين الحياة 26/8/2026

ضيوف «عين الحياة» يقرأون السيرة النبوية بوصفها منهجًا للعدل والرحمة والوحدة والعمل

في ذكرى المولد النبوي، لا يتوقف السؤال عند كيفية التعبير عن المحبة لرسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ، بل يمتد إلى معنى أعمق: ماذا يبقى من هذه المحبة في حياتنا بعد انتهاء الاحتفال؟ وهل تتحول إلى عدل في المعاملة، ورحمة في العلاقة مع الناس، ووحدة تتجاوز الانقسام، وموقف إلى جانب المظلوم؟

هذا هو الخيط الذي جمع أبرز مداخلات ضيوف برنامج «عين الحياة». فقد أعاد النقاش السيرة النبوية من فضاء الذكرى إلى فضاء الحياة، مقدّمًا شخصية النبي محمد ـ صلى الله عليه وآله ـ نموذجًا لا يُكتفى بمدحه، بل يُقاس صدق محبته بقدر ما ينعكس من أخلاقه في الفرد والمجتمع.

 

برنامج عين الحياة 26/8/2026
سماحة الشيخ أسد محمد قصير

 

العدالة… جوهرة في قلب السيرة

وضع سماحة الشيخ أسد محمد قصير العدالة في مقدمة القيم التي يحتاج إليها الإنسان اليوم من السيرة النبوية، مؤكدًا أن العدل لا يقتصر على القضاء أو الحكم، بل يبدأ من علاقة الإنسان بنفسه وأهله وجيرانه، ويمتد إلى الخصم والمخالف.

فالعدالة، في هذا التصور، ليست سلوكًا انتقائيًا نمارسه مع من نحب ونعلّقه أمام من نختلف معه. وقد استحضر الشيخ من السيرة نماذج أراد من خلالها بيان أن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ رسّخ العدل ثقافةً يومية، حتى في الكلمة والنظرة والتعامل، وربط ذلك بالدور الأصلي للأنبياء في إقامة القسط بين الناس.

ومن هنا تتحول العدالة من قيمة نظرية إلى معيار عملي: هل ننصف من نختلف معه؟ هل نحفظ الحقوق حين تكون المصلحة في غير صالحنا؟ وهل ننتصر للمظلوم لأننا نؤمن بالعدل، لا لأن المظلوم ينتمي إلى جماعتنا؟

برنامج عين الحياة 26/8/2026

 

حين يصبح العفو قوةً أخلاقية

لم يفصل الضيوف بين العدل والرحمة. فالسيرة، كما عرضوها، تقدم نموذجًا يستطيع أن يكون قويًا من دون أن تتحول قوته إلى انتقام، وأن يكون رحيمًا من دون أن تعني رحمته التنازل عن الحق.

واستُحضر فتح مكة بوصفه من أبرز المشاهد الدالة على هذا المعنى؛ إذ عاد النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ إلى المدينة التي أُخرج منها بعدما تبدلت موازين القوة، لكن القدرة على الرد لم تتحول إلى رغبة في التشفي. وقرأ الضيوف في هذا الموقف درسًا يتجاوز لحظته التاريخية: القيمة الأخلاقية الحقيقية تظهر عندما يستطيع الإنسان أن ينتقم ثم يختار ما هو أسمى.

بهذا المعنى، لا يكون العفو ضعفًا، بل يصبح صورةً من صور امتلاك النفس، ولا تكون الرحمة نقيضًا للعدالة، بل يمكن أن ترتقي بالعلاقة الإنسانية إلى ما هو فوق الحساب المجرد للحقوق.

المحبة التي لا تتحول إلى اتباع

كانت إحدى أكثر العبارات وضوحًا في الحوار أن الاحتفاء بالمولد والمدائح واستعادة الذكرى أمور تحمل قيمة وجدانية وروحية، لكنها لا تكفي وحدها إذا بقيت منفصلة عن الاقتداء.

فالمحبة الحقيقية، بحسب ما أكده الضيوف، يجب أن تترجم إلى اتباع واقعي. والسيرة النبوية تكتسب قوتها لأن الفعل فيها لم يكن منفصلًا عن القول؛ فقد عُرف النبي بالصدق والأمانة قبل البعثة، ثم جاءت الرسالة لتضع هذه الأخلاق في إطارها الكامل.

وهنا يطرح الحوار سؤالًا شديد البساطة والصعوبة في آن واحد: إذا كنا نعلن محبتنا لرسول الله، فهل يظهر شيء من صدقه في كلامنا، ومن أمانته في أعمالنا، ومن رحمته في بيوتنا، ومن عدله في خلافاتنا؟

أن تكون الحياة «محمدية»

في مداخلة أخرى، لم تُطرح «المحمدية» بوصفها شعارًا يُرفع في المناسبات، بل بوصفها طريقة حياة تمتد إلى تفاصيل الإنسان اليومية: في علاقته بأسرته، وفي اتفاقه واختلافه، وفي سفره وإقامته، وفي معاملته للناس.

هذا الفهم ينقل السيرة من الكتب إلى السلوك. فليس المطلوب استنساخ زمن تاريخي مضى، وإنما استحضار القيم التي صنعت ذلك النموذج: العدل، والرحمة، والصدق، وحفظ الكرامة، والتواضع، والقدرة على الجمع بين المبدأ وحسن التعامل.

وبذلك يصبح السؤال «كيف أكون محمديًا؟» سؤالًا أخلاقيًا قبل أن يكون تعبيرًا عاطفيًا: أي صورة نتركها في قلوب من يعيشون معنا؟ وهل يجد الآخر في حضورنا طمأنينةً وعدلًا وأمانًا؟

برنامج عين الحياة 26/8/2026
فضيلة د. الشيخ سعيد أبو نعسة | فلسطين المحتلة

 

الوحدة ليست إلغاءً للمذاهب

أخذت الوحدة الإسلامية مساحة أساسية من الحوار، لكن الضيوف حرصوا على تحرير مفهومها من أحد أكثر الالتباسات شيوعًا: الوحدة لا تعني أن يتخلى الإنسان عن مذهبه أو يذوب في مذهب آخر.

المطلوب، كما جاء في النقاش، أن يبقى لكل مذهب اجتهاده وخصوصيته، وأن يلتقي المسلمون على المساحات الواسعة التي تجمعهم: الله، والقرآن، والنبي، والقبلة، والعبادات، والقيم الكبرى، ومصالح الإنسان والأمة.

ومن هذا المنطلق، يصبح استدعاء صراعات الماضي لإنتاج خصومات جديدة في الحاضر خروجًا عن روح الوحدة؛ لأن الاختلاف الفقهي أو المذهبي لا يستلزم تحويل الآخر إلى خصم دائم.

الوحدة أخوّة… لا مجرد تحالف مصالح

وفي ختام النقاش، قُدّمت صياغة أكثر عمقًا للوحدة انطلاقًا من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. فالوحدة، بهذا المعنى، ليست تكتيكًا سياسيًا مؤقتًا، ولا تعاونًا اقتصاديًا تفرضه الظروف، بل ثقافة أخوّة.

والأخوّة تضع على الإنسان التزامات: أن يرحم، وأن يتعاون، وأن يسند الآخر، وأن يقف معه حين يقع عليه الظلم. فهي علاقة أخلاقية قبل أن تكون صيغة تنظيمية، ولذلك فإن نجاحها يبدأ من الوعي الاجتماعي ومن الخطاب الديني والإعلامي الذي يختار الجمع بدل التحريض.

وإذا كان الاختلاف حقيقةً لا يمكن إلغاؤها، فإن تحويله إلى قطيعة وعداوة ليس قدرًا. هنا تحديدًا تصبح السيرة النبوية مدرسة في إدارة التنوع وصناعة الجماعة من دون سحق الخصوصيات.

من الاحتفال إلى مشروع اجتماعي

أحد المقترحات اللافتة في ختام الحلقة كان إخراج ذكرى المولد من إطار المناسبة السنوية إلى مبادرات عملية تعيش بين الناس: أسبوع للرحمة، وبرامج للنظافة والخدمة العامة، ونشاطات في المدارس والجامعات والمعاهد لتعليم الأخلاق النبوية.

قيمة هذا الاقتراح أنه يربط الذاكرة بالفعل. فبدل أن يبقى الاحتفاء حدثًا ينتهي بانتهاء المناسبة، يمكن أن يتحول إلى مشروع اجتماعي يربط اسم النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ بخدمة الإنسان، وإصلاح البيئة، وتعليم الأجيال، ونشر ثقافة الرحمة والعدل.

وحين يرى الطفل والشاب أن المولد يعني فعلًا نافعًا إلى جانب الفرح والإنشاد، يصبح ارتباطه بالسيرة أكثر عمقًا؛ لأنه يكتشف أن الأخلاق النبوية ليست مادة للقراءة فقط، بل قدرة على تغيير الواقع من حوله.

برنامج عين الحياة 26/8/2026

 

كيف نكون محمديين اليوم؟

الحوار الذي دار في «عين الحياة» يعيد هذا السؤال إلى مركز المناسبة. أن تكون محمديًا اليوم لا يعني أن تختصر علاقتك بالنبي في لحظة وجدانية، بل أن تجعل محبته مصدرًا للمراجعة المستمرة: كيف أعدل؟ كيف أرحم؟ كيف أختلف؟ كيف أنصر المظلوم؟ وكيف أحفظ وحدة المجتمع من دون أن أتنازل عن قناعتي؟

بهذا الفهم، يصبح المولد موعدًا لإعادة بناء العلاقة بالسيرة، لا مجرد استعادة لها. فالعدالة التي لا تتجزأ، والرحمة التي لا تذل صاحبها، والوحدة التي تحترم الاختلاف، والأخلاق التي تتحول إلى ممارسة، كلها وجوه لمعنى واحد: أن يكون حضور النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ حيًا في حياة الناس.

«المحبة تبدأ من القلب… لكنها لا تكتمل إلا حين تصبح سلوكًا.»

 


* لمشاهدة الحلقة كاملة:

عين الحياة – 26-8-2026

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل