سورة الأنفال؛ نموذج للمرونة في مواجهة الأزمات

بقلم الكاتبة والباحثة الايرانية “أكرم بور صمدي”

 لم تكن آيات سورة “الأنفال” المباركة، والتي أُنزلت على الرسول الأعظم (ص) أثناء غزوة بدر، مجرد توجيهات لتحقيق النصر العسكري، بل كانت خارطة طريق عملية للتغلب على الأزمات  والخلافات في حياة الإنسان المعاصر.

في السنة الثانية للهجرة، وبينما كان المسلمون بـ 313 رجلاً، يواجهون جيش قريش المكون من 1000 مقاتل، وكانت الظروف العسكرية تميل لصالح العدو، أنزل الله تعالى آياتٍ تتجاوز حدود ساحة المعركة، لتشرح مفهوم المرونة في جميع جوانب الحياة. لقد كانت غزوة بدر تُعتبر معركة دفاعية حتمية، هدفها كسر هيبة العدو وإنهاء مضايقة مكة للمسلمين.

أما الآيتان الثانية والثالثة من سورة الأنفال، على عكس الآية الأولى التي ركّزت على تهدئة الأجواء، فتتناولان بناء الإنسان بعد الأزمات. تُقدّم هاتان الآيتان خمس خطوات لتحقيق المرونة المستدامة: يقظة القلب والحساسية تجاه إسم الربّ، وتقوية الإيمان لضبط الجهاز العصبي في مواجهة الخوف، والتوكل الذكي بين بذل أقصى الجهد وتفويض النتيجة إلى الله، والحفاظ على الانضباط الروحي من خلال المداومة على العبادات، وأخيراً الإنفاق والعطاء الذي يستبدل عقلية الخوف من النقص والفقر بعقلية وفرة النعم.

لذلك، ميّز القرآن الكريم بين المسارين: السهل والصعب، ورغم أن الإنسان بطبيعته  يبحث عن المسارات الخالية من المخاطر الان أن النمو الحقيقي وترسيخ الحق يتحققان في اجتياز المسارات الصعبة؛ ومن هذا المنطلق، تُعدّ المصاعب وسيلةً لتبديد الأوهام وبلوغ الكمال. وكما تُبيّن الآية 75 من سورة النساء الفلسفة الدفاعية لبدر القائمة على أساس إنقاذ المستضعفين، تُبيّن سورة الأنفال أيضاً أن المرونة ليس مجرد مصطلح نفسي، بل هي فن إلهي للنمو وسط العواصف.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل