أشار عضو جماعة المدرّسين في حوزة قم العلميّة إلى الظروف الحساسة التي تمرّ بها البلاد، مؤكّدًا ضرورة تعزيز مكانة القيادة، والحفاظ على الوحدة، والحضور الفاعل للحوزات العلميّة في مجال الجهاد التبليغيّ والتبيينيّ وإنتاج المحتوى الدينيّ.
في كلمةٍ ألقاها خلال مراسم افتتاح العامّ الدراسيّ الجديد لمعهد “التبليغ” التعليميّ والبحثيّ بمدينة قم المقدّسة، شدّد آية اللّه أبو القاسم الوافي، عضو جماعة المدرّسين في حوزة قم العلميّة، على ما تقتضيه المرحلة الراهنة من اهتمامٍ بتعزيز مكانة القيادة والحفاظ على وحدة الصف، مؤكّدًا ضرورة حشد طاقات الحوزات العلميّة والاستفادة منها بأقصى قدرٍ ممكنٍ في أداء رسالتها في مجال التبليغ والتبيين، في ضوء التطورّات المتسارعة التي تشهدها البلاد والمنطقة.
وقال إنّ الظروف الراهنة التي تمرّ بها البلاد تمثّل إحدى المراحل الاستثنائيّة والحسّاسة في تاريخ الثورة الإسلاميّة، موضحًا: خلال ما يقرب من خمسة عقودٍ منذ انتصار الثورة، قلّما شهدنا ظروفًا بهذه الخصائص وبهذه الدرجة من الحسّاسية، ومن الضروريّ أن يبادر جميع الحريصين على الثورة، من خلال إدراكٍ دقيقٍ للظروف الراهنة، إلى الاستفادة من الطاقات والإمكانات المتاحة لتعزيز دعائم النظام الإسلاميّ وترسيخ مبادئ الثورة الإسلاميّة.
وأضاف: ينبغي لنا اليوم، أكثر من أيّ وقتٍ مضى، أن نولي اهتمامًا بالغًا بنعمة الولاية والقيادة والنظام الإسلاميّ. ولا شكّ أنّ شكر هذه النعمة العظيمة لا يتحقّق بالكلام وحده، بل ينبغي أن نضع كل ما نملك من طاقاتٍ وإمكاناتٍ في خدمة مسيرة الثورة وأن نبذل غاية وسعنا في مؤازرة القيادة ومساندتها.
ضرورة تعزيز مكانة القيادة
وفي معرض حديثه عن الظروف الخاصّة التي أحاطت بقائد الثورة الإسلامية والنظام الإسلاميّ، أكّد عضو جماعة المدرّسين في حوزة قم العلميّة، قائلًا: ينبغي أن نولي اليوم اهتمامًا أكبر من ذي قبل بتعزيز مكانة القيادة، والالتزام بأوامرها، ومواكبة المسار الذي رسمته القيادة.
وأضاف: تقع على عاتق رجال الدين والمراجع العظام والحوزات العلميّة وأئمة الجمعة مسؤوليّةٌ خاصّةٌ في هذا المجال، وينبغي لهم أن يدركوا أنّه في مثل هذه الظروف، لا بدّ من وضع جميع طاقاتهم وإمكاناتهم في خدمة الإسلام والثورة والنظام.
ولفت إلى الدور الذي أدّته الهدايات الإلهيّة في استمرار مسيرة الثورة الإسلاميّة، مبيّنًا: لقد واصلت الثورة الإسلاميّة مسيرتها خلال السنوات الماضية، رغم ما شهدته من منعطفاتٍ وتقلّباتٍ وفتنٍ ومشكلاتٍ مختلفةٍ، وينبغي أن يُعدّ بقاء هذا النظام واستمراره من ألطاف اللّه تعالى؛ ومن ثمّ، فإنّ واجبنا جميعًا أن نؤدّي ما علينا تجاه هذه النعمة الإلهيّة بمزيدٍ من الشعور بالمسؤوليّة.
ينبغي ألّا تُغفل الخسائر البشرية للحرب المفروضة
وتطرّق عضو مجلس خبراء القيادة الإيرانيّ إلى الحرب الأخيرة وما جرى فيها من استشهاد عددٍ من قادة البلاد وعلمائها، قائلًا: من الموضوعات التي لم تحظ بالاهتمام الكافي الخسائر البشريّة التي تكبّدتها البلاد، في حين أنّ استشهاد القادة والعناصر العسكريّة الكفوءة، وكذلك العلماء وأبناء الشعب، يمثّل خسارةً فادحةً للغاية للبلاد.
وأضاف: لا ينبغي أن تُقاس خسائر الحرب بالمعايير المادّيّة والاقتصاديّة وحدها؛ إذ إن بعض الكوادر البشريّة التي فقدناها في هذه الأحداث كانت ثمرة سنواتٍ طويلةٍ من الخبرة والتربية والمجاهدة، ومن ثمّ، فإنّ تعويض مثل هذه الثروات لا يمكن أن يتمّ بسهولةٍ.
ولفت إلى استشهاد كبار القادة العسكريّين والعلماء النوويّين موضحًا: إنّ العناصر التي استُشهدت في هذه الأحداث كانت من الثروات القيّمة للنظام، وإنّ العدوّ، باستهدافها، ألحق بالبلاد خسارةً بشريّةً كبيرةً؛ ومن هنا، ينبغي تبيين أبعاد هذه الخسارة وأهمّيّة الثروة البشريّة للثورة للمجتمع.
شكر نعمة الثورة الإسلاميّة لا يتحقّق باللسان وحده
وشدّد آية اللّه الوافي على ضرورة الشكر العمليّ على نعمة الثورة الإسلاميّة، قائلًا: من واجباتنا أن ندرك النعم التي أنعم اللّه بها على المجتمع، وأن نبذل جهودنا في الحفاظ عليها وتعزيزها.
واستنادًا إلى معارف الصحيفة السجاديّة، اعتبر أنّ التقصير في شكر النعمة من عوامل الحرمان من النعم الإلهيّة، وأضاف: إنّ شكر النعمة لا يقتصر على أن يكفّ الإنسان عن ارتكاب المعاصي أو يؤدّي الواجبات، بل عليه أيضًا أن يؤدّي ما عليه من واجبٍ تجاه النعم التي أنعم اللّه بها عليه، على الوجه الصحيح.
وتابع: إنّ الأمن والاستقلال والنظام الإسلاميّ وإمكانيّة ممارسة الحوزات العلميّة لأنشطتها بحرّيّةٍ، هي من النعم التي ينبغي أن نعرف قدرها وأن نسعى إلى الحفاظ عليها وتعزيزها.
ليكن القرآن الكريم محور البحث والتبليغ
وفي معرض حديثه عن مهمّة معهد “التبليغ” التعليميّ والبحثيّ، أكّد عضو جماعة المدرّسين في حوزة قم العلميّة ضرورة إيلاء القرآن الكريم مزيدًا من الاهتمام، وقال: إنّ القرآن الكريم هو المصدر الأساسيّ للمعارف الإلهيّة، وهو يلبّي كثيرًا من الاحتياجات الروحيّة والمادّيّة للإنسان، وعلى الحوزات العلميّة أن تولي مزيدًا من الاهتمام بمعرفة القرآن الكريم والتدبّر فيه والبحث في معارفه.
وأضاف: إنّ الحوزات العلميّة تحمل علوم القرآن الكريم ومعارف أهل البيت (عليهم السلام)، وإذا أراد المجتمع أن يتعرّف إلى القرآن الكريم والمعارف الإسلاميّة، فإنّ الحوزة العلميّة تعدّ من أهمّ مصادره في هذا المجال؛ ومن ثمّ، ينبغي للحوزة أن تولي هذا المجال عنايةً أكبر، وأن تستثمر فيه بصورةً أكثر جدّيّةً.
وتابع مؤكّدًا: يجب أن نولي التدبّر في القرآن الكريم ونهج البلاغة والصحيفة السجّاديّة وروايات أهل البيت (عليهم السلام) اهتمامًا أكبر ضمن الأنشطة البحثيّة للحوزة العلميّة، وأن ندرس هذه المصادر ونبحث فيها بصورةٍ معمّقةٍ.
ضرورة الجمع بين العلم والتهذيب والمعنويّة
وأكّد عضو مجلس خبراء القيادة الإيرانيّ أنّ العلم وحده لا يكفي لأداء مهمّة رجال الدين، وقال: إنّ التحصيل العلميّ أمرٌ ضروريٌّ للطالب الحوزويّ، غير أنّ العلم، إذا لم يقترن بتهذيب النفس والمعنويّة والتدبّر في القرآن الكريم، فلن يتمكّن من الارتقاء بالإنسان إلى المكانة المنشودة.
وأضاف: ينبغي للحوزة العلميّة أن تستمدّ العلم من خلال التحصيل والبحث، وأن تستمدّ المعنويّة من القرآن الكريم ونهج البلاغة ومعارف أهل البيت (عليهم السلام)، وأن تجمع بينهما.
وتابع مبيّنًا: إنّ الطالب الحوزويّ إذا لم تكن له صلةٌ وثيقةٌ باللّه تعالى وبالمعارف الدينيّة، فلن يستطيع نقل هذه المعارف إلى المجتمع، كما أنّه إذا كان على معرفةٍ بهذه المعارف، لكنّه لم يلتزم بها في سلوكه وعمله، فلن يكون قادرًا على أداء دوره في تبليغ الدين بالفاعليّة المطلوبة.
التبليغ هو المهمّة الأساسيّة للحوزة العلميّة
وفي معرض حديثه عن أهمّيّة مهمّة التبليغ في الحوزات العلميّة، صرّح آية اللّه الوافي قائلًا: إنّ الجهاد في مجال التبليغ والتبيين وإنتاج المحتوى الدينيّ يحظى اليوم بأهمّيّةٍ خاصّةٍ، وينبغي للحوزة، إلى جانب الجهاد العلميّ والدفاعيّ، أن تضطلع بدورٍ فاعلٍ وجادٍّ في مجال التبليغ والتبيين.
وأضاف: لا يمكن التبليغ من دون التعليم والتعلّم، غير أنّ التعليم ينبغي أن يكون مقدّمةً لأداء الرسالة التبليغيّة؛ ومن هنا، لا بدّ أن يكون النظام التعليميّ والبحثيّ في الحوزة العلميّة في خدمة إعداد مبلّغين قادرين على تلبية الاحتياجات الفكريّة والثقافيّة للمجتمع.
وأشار إلى تجارب كبار علماء الحوزة في الفترات الماضية، مؤكّدًا ضرورة تعزيز الأسس العقائديّة لدى الطلّاب الحوزويّين، وقال: إذا لم تُعزّز الأسس العقائدية لدى الطلّاب والمبلّغين، فلن تحظَ الأنشطة العلميّة والتبليغيّة بالمتانة اللازمة؛ ومن ثمّ، ينبغي أن يكون تعزيز العقائد من أولويّات الحوزة العلميّة.
ضرورة الاستفادة من خبرات الأجيال السابقة
كما أشار عضو جماعة المدرّسين في حوزة قم العلميّة إلى خبرته الممتدّة على مدى عقودٍ في الحوزات العلميّة، قائلًا: إنّ إحدى الثروات التي يمكن للجيل الجديد الإفادة منها هي خبرات الأجيال السابقة وتجاربها.
وأضاف: إن تجارب السنوات التي سبقت الثورة الإسلاميّة، ومرحلة نضال الإمام الخمينيّ (قدّس اللّه سره)، وانتصار الثورة، وما شهدته العقود الأخيرة من منعطفاتٍ، تمثّل ثروةً يمكن للجيل الجديد أن يستفيد منها في اتخاذ القرارات وفهم الظروف.
ولفت إلى الصعوبات التي كان يواجهها طلّاب الحوزة وأساتذتها في السنوات التي سبقت الثورة الإسلاميّة، قائلًا: لقد واصل الجيل السابق مسيرته العلميّة والثوريّة، رغم الحرمان الشديد والمشكلات المعيشيّة والنفي والضغوط السياسيّة، وكانت هذه المجاهدات هي التي مهّدت الطريق أمام الحوزة والمجتمع لبلوغ الظروف التي نشهدها اليوم.
وفي ختام كلمته، شدّد آية اللّه الوافي على ضرورة تقدير النعم المتاحة، وقال: ينبغي لنا اليوم، أكثر من أيّ وقتٍ مضى، أن نولي اهتمامًا بالغًا بالحفاظ على منجزات الثورة الإسلاميّة، وتعزيز مكانة القيادة، وخدمة الشعب، وأداء الرسالة التبليغية للحوزة العلميّة، وأن نقدّم، بالتوسّل إلى صاحب العصر والزمان الإمام المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف) وبذل المزيد من الجهود، أفضل ما يمكن من خدمةٍ في سبيل الإسلام والثورة الإسلاميّة.





