رؤية قرآنية حول السلام العالمي

بقلم “أ. د فرح موسى”؛ رئيس المركز الإسلامي للبحوث والدراسات القرآنية في لبنان

إن البحث في موضوع السلام، وعن الموقف القرآني منه لا بد أن يؤسس له في ضوء النص والتجربة معاً. ويأتي في طليعة هذا التأسيس أن السلام إسمٌ من أسماء الله تعالى بكل ما يعنيه من تسليم وانقياد وخضوع وطاعة لله تعالى. فهو السلام ومنه السلام، ويطمع العباد أن يكون لهم السلام في كل ما يؤدونه من طاعات ويلتزمون به من تكاليف.
فالسلام ليس مجرد دعوة، وإنما هو إسم لا بد من التحقق به، فنحن لا نكتفي بالماء لمجرد أن نلمسه أو نراه، وإنما لا بد من الارتواء به ليكون له معنى التحقق باعتبار أن الإسم غير المسمى.

وهكذا، فإن التأسيس لموضوع السلام ينطلق من حقائق تكوينية وتشريعية تدعونا إلى التدبر بها، بحيث نعي أن الله خلق الجن والإنس ليعبدوه، وقد هداهم إلى ما يجعلهم مؤهلين إلى تحقيق السلام، إذ مهّد لهم الأرض وجعلها صالحة للمعايش، وأمرهم بالإصلاح فيها بما يحقق لهم الأمن والسلام.

فإذا كانت الغاية من الخلق أن نعبد الله ونعرفه، فلا أقل من أن يتنبّه الإنسان إلى ما أعد له من تمهيدات في طريق هذه المعرفة، حيث قال تعالى:”هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها..”.وقال تعالى:”وأنبتنا فيها من كل شيء موزون:”فهذه هي الأرض التي أريد للإ.نسان أن ينعم بكل خيراتها لتكون له المفازة في حق المعرفة بالأثار الموصلة الى الله تعالى.

هذا فيما يتعلق بالتمهيد لعمارة الأرض والسير فيها بعد أن جعلت ذلولاً، فلا يعقل أن لا يكون السلام طريقاً للفوز بها، وقد قال تعالى: “ونعم الماهدون..”. فالسلام هو الذي يوفر الحياة الآمنة لعمارة الأرض، والسير فيها، والمشي في مناكبها لتكون مثار هداية ومعرفة واعتبار، وقد جاء التشريع ليخدم السلام في إطار رؤية متكاملة عن خلق الإنسان وتكليفه حيث قال الله سبحانه وتعالى: “ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها..”

فالقرآن الكريم يدعو إلى السلام، وقد سمى الجنة بدار السلام، وبعث بالرسول الأعظم(ص) والرسالة ليهتدي العباد الى سبل السلام، ما يؤكد لنا أن الحرب ليست إلا أمراً ثانوياً قد تفرضه ضرورات الحفاظ على صلاح العباد والبلاد، خلاف ما يذهب إليه المفسدون من اعتبار الحرب أسلوباً أخر من أساليب السياسة لتسجيل نقاط أو لتحقيق غايات عجزت السياسة عن تحقيقها!

فالحرب في منطق القرآن هي ضرورة دفعية لمنع الفساد والإفساد في الأرض، وهي غير مسوغة إطلاقاً لتحقيق غلبة دينية أو سياسية، وكل الحروب التي حصلت تحت عناوين دينية ليس لها أي أساس قرآني، وذلك لما هو معهود في عرف القرآن من وجود مشروعية إلهية لكل مكون ديني خاطبه القرآن.

وانطلاقاً من ذلك، نرى أن ما أسس له الرسول(ص) ينسجم تماماً مع تأسيسات القرآن، فهو لم يبدأ حرباً بل كانت كل غزواته دفاعية، ومن يذهب الى القول بالجهاد الإبتدائي، فعليه تبيان ذلك  والتأصيل له من خلال تقديم الأدلة المثبتة له، فلا يقال: إن هذا الجهاد لا يكون إلا مع النبي(ص) أو المعصوم، فهذا مما لا يستقيم قوله إلا بعد تظهير الموقف القرآني منه!

إن الموقف المبدئي الذي يمكن الإرتكاز إليه في التأسيس لموضوع السلام هو قوله تعالى: “لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم…” فهذا موقف لا لبس فيه، وهو خطاب للناس جميعاً على اعتبار أن التأسيس القرآني ليس لاحظاً لواقع الأمة الإسلامية فحسب، بل يتجاوزها الى سائر الأمم، وهذا ما ترجمه رسول الله(ص) في رسائله الى ملوك عصره، داعياً الى السلام العالمي، ومحققاً لأطروحة الإسلام في تقبل كل الحضارات والتفاعل معها لما فيه خير البشرية، وبما يضمن الحرية الدينية.

وإذا كانت الأمة الإسلامية قد أخفقت في متابعة خطى الرسول(ص) في تأسيساته العملية، فذلك لا يحمِّل القرآن مسؤولية ما لحق بالعالم من انهيارات جراء الحروب والمنازعات الدينية، فهذا أمر تقع مسؤوليته على من تزعم الدين ليفوز بالدنيا…!؟

لقد بيّن القرآن الكريم أن هناك جملة شروط لابد من توفرها فيمن يزعم لنفسه قيادة الأمة وزعامة الدين، وهي الخيرية والوسطية والشهادة، وهذا ما افتقرت إليه الأمة الإسلامية في تاريخها بعد وفاة الرسول(ص)، فهي كانت ولا تزال تعمل وفاق رؤيتها الدينية المخالفة حتماً لما قعّده القرآن!

فهي اختارت الفتوحات، ولبست تيجان الترف، وتنازعت أمرها حتى ذهب ريحها، وانحسر بريقها، فخسرت الحرب والسلام معاً، مخوّلة الأحزاب والمذاهب التعبير عنها والنطق برسالتها؛ فلم تنظر الى من اختاره الله للنطق بها، بل تجاوزت أولي الأمر الذين عُهد إليهم القيام بأمرها، كما في قوله تعالى: “ولو ردّوه إلى الرسول وأولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم…”، فما جدوى الصلاة على محمد وآل محمد إن لم يكن لذلك أثره العملي وبعده السياسي في الحرب والسلام!؟

نعم، فلننظر الى حوزاتنا وجامعاتنا، ومدارسنا العلمية لنرى كيف أنه لم يبق من الإسلام إلا أحاديث يعرف العلماء أنها من مبثوثات الشياطين، ويتم اعتمادها في التأسيس لنظريات الإسلام، واستنباط أحكام الدين! فها نحن نخوض غمار أصول الكافي والوسائل وصحيح مسلم وصحيح البخاري دون أن نسمع لقول الرسول(ص):”اذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن…”، نحن نزعم أن ما بين أيدينا ليس قرآناً، ولا سنةً نبوية! فيا أسفاً  على القرآن الغريب والمهجور إلا عن جنائز الموتى! ما جعل الأمة قديماً وحديثاً، أسيرة الأحزاب والمذاهب المتناقضة فيما بينها، والعاجزة عن تحقيق السلام، نظراً لما بين أيديها من مشاريع حرب طائفية ومذهبية! وهنا نسأل كيف يمكن لهذه المذاهب والفرق أن تخاطب الغرب والشرق بالسلام، وهي عاجزة عن صناعته لنفسها؟

فلو أن الأمة الإسلامية صدرت عن القرآن، واختارت سلامه لكانت حققت لنفسها الكيانية والوسطية التي تسمح لها بمخاطبة العالم بالسلام، لأن عالمية الإسلام،كما بينا ليست مجرد شعار، وإنما هي متقوّمة بالشروط والخيارات والمبادئ التي تؤهل الإنسان المسلم للقيام بها، وهي مؤسسة على مبدأ التعارف وحرية المعتقد، ومنع العدوان، وأين هذا كله مما يزعمه كثير من علماء المسلمين أن آيات الصفح والعفو والسلام في القرآن كلها منسوخة بآية السيف والقتال!؟ فهل هذا ما يراد اعتماده في خطاب السلام مع العالم؟ وبحق أقول إن ما كتبه الفيلسوف الألماني(كانط) في مشروعه للسلام الدائم عام١٨٨٥م يصلح للسلام أكثر مما يتشدّق به زعماء الناسخ والمنسوخ في عالمنا الإسلامي!

إن السلام العالمي المنشود، هو خيار إسلامي(قرآني) بيّن القرآن كامل شروطه وأهدافه،و يعوزه فقط الفهم الدقيق للبيان القرآني،بعيداً عن المذهبية والحزبية ،لأن هذه الأوبئة جاءت على النقيض من عالمية الإسلام! وهذا ليس موقفاً سلبياً بقدر ما هو معطى موضوعي كان له أكبر الأثر في تخلف العالم الإسلامي وانقساماته! ومن هنا نرى ضرورة لإعادة النظر بما هو موروث لعل ذلك يمكّننا من إعادة تقييم الموقف،فنختار السلام القرآني كما أراده الله تعالى ورسوله. والسلام.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل