“كربلاء” في علي الطاهر؛ تفاصيل المعركة التي استمرت أربعة أشهر بين حزب الله والكيان الصهيوني

"كربلاء" في علي الطاهر؛ تفاصيل المعركة التي استمرت أربعة أشهر بين حزب الله والكيان الصهيوني

لم يكن الانفجار الذي وقع عند “علي الطاهر” نهايةً لعملية استمرت بضع ساعات فحسب، بل كان تتويجاً لمعركة دامت أربعة أشهر، واجهت فيها القوات العسكرية الصهيونية مقاومة “حزب الله” أثناء محاولتها اختراق شبكة واسعة من الأنفاق تحت الأرض.

 لم يكن الانفجار الذي أحدثته القوات الصهيونية في “تلة علي الطاهر” بجنوب لبنان، مساء الخميس الماضي، مجرد عملية عسكرية معزولة أو ضربة هندسية خاطفة؛ بل كان -وفقاً لتقارير إعلامية عبرية- تتويجاً لواحدة من أطول العمليات البرية وأكثرها تعقيداً في جنوب لبنان خلال الأشهر الأخيرة، وهي العملية التي شهدت تحوّل شبكة الأنفاق المحصنة في التل إلى ساحة معركة دارت رحاها بين قوات الاحتلال الصهيوني ومقاتلي حزب الله على مدى أربعة أشهر تقريباً.

أربعة أشهر من القتال للوصول إلى شبكة الأنفاق

وفقاً لتقرير نشرته صحيفة “الأخبار” اللبنانية، بدأت وسائل إعلام عبرية بنشر تفاصيل في اليوم التالي للانفجار؛ وهي تفاصيل كانت خاضعة -إلى حد كبير- للرقابة العسكرية.

وأفاد تقرير لصحيفة “يديعوت أحرونوت” بأن العملية استمرت قرابة أربعة أشهر، واختُتمت بتدمير ما وُصف بأنه مسار تحت الأرض يمتد لمسافة 5410 أمتار، وذلك باستخدام نحو 1100 طن من المتفجرات.

وجاءت هذه العملية في إطار تحرك أوسع بدأ عقب احتلال منطقة “الشقيف”، وتضمن لاحقاً عمليات نفذتها وحدات الكوماندوز والهندسة التابعة للجيش الإسرائيلي داخل الشبكات الموجودة تحت الأرض.

خصّ جيش الكيان الصهيوني بالذكر لواء “الكوماندوز” ووحدة “يهالوم”، في حين صرّح إيال زامير، نائب رئيس أركان الجيش، بأن وحدتي “إيغوز” و”ماغلان” لعبتا دوراً محورياً في العملية، وانضمت إليهما قوات من لواء “غولاني” واللواء المدرع السابع وغيرها.

قوات المقاومة على بعد أمتار من القوات الصهيونية

ووفقاً لصحيفة “إسرائيل هيوم”، فقد بدأ لواءا “غولاني” و”إيغوز” عملية تمشيط المنطقة، لتنضم إليهما لاحقاً وحدات أخرى.

مع اقتراب القوات من المنشآت الرئيسية، اشتدت مقاومة مقاتلي حزب الله. ونقلت الصحيفة عن مسؤول عسكري إسرائيلي قوله إن اشتباكات دارت في بعض الحالات بين مقاتلي حزب الله ووحدة “إيغوز” على مسافة لا تتعدى بضعة أمتار. وشكّل النصف الثاني من شهر يونيو نقطة تحول، إذ اتضح حينها الحجم الحقيقي للمعركة.

ففي ليلة 19 يونيو، أصيبت دبابة تابعة للكتيبة 52 من اللواء المدرع 401 في الجيش الإسرائيلي في منطقة كفر تبنيت، مما أسفر عن مقتل قائد الكتيبة، المقدم دور غيداليا بن شيمون، وثلاثة من أفراد الطاقم.

وربط تقرير إسرائيلي نُشر في اليوم التالي بشكل مباشر بين المهمة التي كان يؤديها الطاقم وبين مساعٍ للسيطرة على شبكة واسعة تحت الأرض في محيط تلة علي الطاهر.

الطائرات المسيرة والصواريخ: تحدٍ جديد يواجه القوات الصهيونية

في اليوم التالي، تعرضت وحدة تابعة للواء الكوماندوز في الجيش الإسرائيلي لهجوم بصاروخ وطائرة مسيرة مفخخة.

وأعلن الجيش الإسرائيلي عن مقتل جندي من وحدة “ماغلان” وإصابة 13 آخرين، اثنان منهم في حالة حرجة. وتساعد هذه الخسائر في تفسير حالة الحذر التي اتسم بها لاحقاً تقدم قوات العدو الصهيوني.

ووفقاً لأحدث الروايات العبرية، لم تكن العملية عبارة عن توغل متواصل داخل الأنفاق، بل شملت تطويقاً تدريجياً للمداخل، وجمعاً للمعلومات الاستخباراتية، وتحديداً لفتحات الأنفاق، ونصب كمائن للأفراد الذين يحاولون الخروج من الأنفاق أو الوصول إلى القوات المحاصرة.

حرب الأنفاق: الحصار بدلاً من الهجوم المباشر

وفقاً لتقارير إعلامية عبرية، استخدم حزب الله طائرات مسيّرة لإسقاط شحنات إمداد بالقرب من مداخل الأنفاق.

احتوت هذه الشحنات على معدات اتصال ومياه وطعام وسجائر ومؤن أخرى. وقد واجهت القوات العسكرية الصهيونية صعوبة في منع عمليات إعادة الإمداد هذه، نظراً لعدم تحديد مواقع جميع مداخل الأنفاق آنذاك.

تكشف هذه الرواية أن عمليات الجيش الإسرائيلي لم تقتصر فقط على تحديد مواقع الأنفاق وتدميرها في “تل علي الطاهر”؛ بل خُصص جزء كبير من الجهد لقطع الصلة بين القوات الموجودة تحت الأرض والعالم الخارجي.

هجوم 15 أغسطس: حتى وحدة “يهالوم” لم تسلم منه

على الرغم من تشديد الحصار، تشير الرواية الصهيونية إلى أن هجمات حزب الله على قوات العدو العاملة فوق تلة “علي الطاهر” وفي محيطها لم تتوقف.

وقد وقع أبرز هجوم خلال المرحلة الأخيرة في الساعات الأولى من يوم 15 أغسطس/آب، حين استهدفت طائرة مسيّرة مفخخة وحدةً تابعة لسلاح الهندسة القتالية “يهالوم” في الجيش الإسرائيلي كانت تعمل في منطقة تلة “علي الطاهر”.

وأعلن الجيش الإسرائيلي في اليوم نفسه عن إصابة ضابط وجنديين بجروح خطيرة جراء انفجار الطائرة المسيّرة بالقرب من وحدتهم. ودفعت هذه الحادثة الكيان الصهيوني إلى شن سلسلة من الغارات الجوية في جنوب لبنان.

نقل 1100 طن من المتفجرات تحت تهديد الطائرات المسيرة

تكشف مراجعة للتغطية الإعلامية الصادرة عن الكيان الصهيوني أن التهديد الذي تشكله طائرات حزب الله المسيرة ظل قائماً حتى أثناء عملية نقل كميات هائلة من المتفجرات إلى داخل الأنفاق.

وفي تقرير نقلاً عن المؤسسة الأمنية للكيان الصهيوني، وصف موقع “واي نت” عملية النقل تحت الأرض لـ 1100 طن من المتفجرات -والتي تمت وسط تهديد الطائرات المسيرة- بأنها كانت واحدة من أصعب مراحل العملية.

ويشير ضخامة هذا الرقم إلى أن الانفجار النهائي لم يكن عملاً وليد اللحظة، بل كان نتيجة لعملية هندسية واسعة النطاق نُفذت بعد أشهر من الصراع وتحديد معالم الشبكة الموجودة تحت الأرض.

الانفجار الأخير: نهاية حرب استنزاف

ترسم المعلومات التي كشف عنها جيش العدو يومي الخميس والجمعة صورةً لمعركة “تل علي الطاهر” تختلف اختلافاً جوهرياً عن الانطباع الذي قد يتكوّن لدى المرء بمجرد النظر إلى مشهد الانفجار الأخير.

ووفقاً للرواية الصهيونية ذاتها، استغرق الأمر من قوات العدو نحو أربعة أشهر للانتقال من مرحلة المناورات الالتفافية -عبر نهر الليطاني ومنطقة الشقيف- إلى مرحلة ترسيخ السيطرة على مرتفعات “علي الطاهر”.

وخلال هذه الفترة، تكبّدت تلك القوات خسائر بشرية، شملت مقتل طاقم دبابة في منطقة “كفر تبنيت”، ومقتل جندي من وحدة “ماغلان”، وإصابة عدد آخر من الجنود الصهاينة.

ورداً على ذلك، واصل حزب الله استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة المفخخة، والقيام بجهود لوجستية، وخوض اشتباكات من مسافة قريبة، وذلك بهدف عرقلة تقدم القوات.

“كربلاء”: رواية صحيفة “معاريف” لمعركة تلة “علي الطاهر”

وهكذا، مثّل الانفجار نهاية معركة تلة “علي الطاهر” لا بدايتها؛ غير أنه -من منظور الكيان الصهيوني- كان يُشير إلى اختتام المرحلة الهندسية للعملية.

ومع ذلك، فإن التقييم العسكري الأوسع يشير إلى أن الموقع لم يسقط بضربة واحدة، بل جاءت السيطرة عليه عقب حرب استنزاف طويلة؛ وهي معركة أثبتت قدرة حزب الله على إيقاع خسائر في صفوف القوات الصهيونية ومواصلة استخدام الطائرات المسيّرة حتى في المراحل المتقدمة من العملية.

وفي هذا السياق، نقلت صحيفة “إسرائيل هيوم” عن مسؤول عسكري صهيوني قوله إن الجيش الإسرائيلي عرض على مقاتلي المقاومة المحاصَرين خيار الانسحاب تحت راية بيضاء، إلا أنهم رفضوا ذلك.

ذكر آفي أشكنازي، في مقال بصحيفة “معاريف” العبرية أمس، أن حزب الله سعى إلى نسج أسطورة بطولية حول معركة مرتفعات “علي الطاهر” – مشبّهاً إياها بمعركة كربلاء – حيث رفضت قواته الاستسلام وقُتلت في نهاية المطاف.

وأفادت تقارير لاحقة بأن القوات الصهيونية انسحبت من مرتفعات “علي الطاهر” لإعادة التمركز في مواقع خلفية بمنطقة قلعة الشقيف (قلعة بوفورت).

وبشكل عام، تُصوّر الرواية الإعلامية العبرية أحداث تلة “علي الطاهر” على أنها عملية استمرت لأشهر، واتسمت بمزيج من الحرب البرية، والقتال من مسافة قريبة، وحرب الأنفاق، والعمليات الهندسية، وضربات الطائرات المسيرة، ومحاولات قطع خطوط الإمداد.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل