من العبادة إلى بناء الإنسان الإلهي.. ما الغاية التربوية للإسلام؟

هل تقف رسالة الدين عند إعداد عباد مطيعين، وتُختزل في أداء الأعمال والعبادات، أم أن وراءها غاية أعمق تتمثل في نمو الإنسان وارتقائه؟ لقد عرّف القرآن غاية خلق الإنسان بأنها العبودية، غير أن هذه العبودية، وفق هذا التصور، تعني تنمية الاستعدادات الإلهية الكامنة في الإنسان، وإعادة تشكيل هويته على أساس علاقته بالله.

 

تربية الإنسان الإلهي في إطار المدرسة التوحيدية للإسلام والقرآن

إذا سألنا منظومة المعارف القرآنية: لماذا جاء الدين؟ وما الغاية النهائية من برنامجه التربوي؟ فإن أول إجابة يقدمها القرآن هي «عبادة الله»:

«وَما خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلّا لِیَعبُدونِ»

فالإنسان خُلق لعبودية الله.

لكن يمكن، من منظور تربوي وهوياتي، أن نذهب خطوة أبعد ونسأل: ما الغاية من عبودية الله؟ وإلى أي نوع من البشر يُفترض أن يتحول الإنسان في مسيرة العبودية؟

ترى هذه المقالة أن العبودية ليست مجرد مجموعة من الأعمال التي يؤديها الإنسان طاعةً لله، بل هي مسار لتنمية الاستعدادات الإلهية الكامنة فيه وتحقيق هويته الإلهية؛ وثمرة هذا المسار هي تربية «الإنسان الإلهي».

وبحسب نظرية الهويات الثلاث، يمكن للإنسان أن يعيش على ثلاثة مستويات: «الحياة البشرية»، و«الحياة الإنسانية»، و«الحياة الإلهية».

ففي مستوى الحياة البشرية، يكون الإنسان خاضعاً إلى حد كبير لحاجاته وغرائزه ومقتضيات طبيعته. وفي مستوى الحياة الإنسانية، تتنامى فيه ملكات العقل والضمير والإرادة والقيم الإنسانية. أما في مستوى الحياة الإلهية، فإن وجود الإنسان يتخذ وجهته في ضوء علاقته الواعية بالله، وتظهر الصفات والقيم الإلهية في شخصيته وحياته.

ومن هذا المنظور، يمكن القول إن الرسالة التربوية للإسلام تتمثل في نقل الإنسان من المراتب الوجودية الأدنى إلى الحياة الإلهية، من خلال العبودية الواعية لله تعالى.

التوحيد؛ أساس بناء الهوية الدينية

تبدأ هذه العملية من التوحيد.

فالتوحيد في القرآن ليس مجرد قضية اعتقادية تتعلق بوحدانية الله تعالى، بل هو الأساس الذي يُعاد من خلاله تعريف موقع الإنسان ووجهة حياته.

فعندما يؤمن الإنسان بأن الله هو الخالق والمالك والرب وغاية الوجود، تتغير علاقته بنفسه وبالعالم وبالآخرين.

وعندئذ لا تعود النفس، ولا الشهوة، ولا الثروة، ولا السلطة، ولا الشهرة، ولا نظرة الناس إليه، هي المحور النهائي الذي تدور حوله حياته.

ومن هذا المنطلق، فإن:

«لا إله إلا الله»

لا تعني مجرد نفي عدد من الأصنام الحجرية، بل تعني نفي كل ما يسعى إلى احتلال موقع الله في مركز وجود الإنسان.

فالإنسان الموحِّد هو من ينتقل مركز ثقل هويته من «الذات» و«ما سوى الله» إلى الله.

ومن ثم فإن التوحيد، قبل أن يكون مجرد اعتقاد، هو الأساس الذي تتشكل عليه الهوية الإلهية.

العبودية؛ آلية تحقق الهوية الإلهية

إذا كان التوحيد هو الأساس، فإن العبودية هي المسار الذي تتحقق من خلاله هذه الهوية.

يدعو القرآن الإنسان إلى عبادة الله:

«یا أَیُّهَا النّاسُ اعبُدوا رَبَّکُمُ»

لكن العبادة، في المنطق القرآني، لا ينبغي أن تُختزل في مجموعة من الشعائر المنفصلة عن شخصية الإنسان؛ بل ينبغي أن تُحدث تغييراً في الإنسان نفسه.

فالصلاة، والذكر، والصيام، والدعاء، وتلاوة القرآن، والتقوى، وجهاد النفس، والصبر، والتوكل، وسائر الأعمال العبادية، هي ممارسات تربوية تُخرج الإنسان من التمحور حول الذات، والغفلة، والخضوع للنفس، وتدفعه نحو التمحور حول الله.

وفي هذه المسيرة، يتعلم الإنسان تدريجياً أن ينسّق رغباته مع الإرادة الإلهية، وأن يربّي إرادته، ويضبط ميوله، ويستمد منظومته القيمية من الوحي.

ومن هنا يمكن القول:

العبودية هي مسار التربية، والهوية الإلهية هي ثمرة هذا المسار.

الدين؛ برنامج لبناء الهوية الإلهية

في هذا الإطار، لا يمكن النظر إلى الدين على أنه مجرد مجموعة من العقائد والأحكام والشعائر، بل هو منظومة تربوية شاملة تهدف إلى بناء هوية الإنسان.

فالقرآن يدعو الإنسان، من جهة، إلى الإيمان والتوحيد، ويدعوه، من جهة أخرى، إلى التزكية والتقوى والذكر والصبر والإحسان والعدل والإخلاص والعمل الصالح.

وقد جاءت هذه التعاليم مترابطة لكي تُحدث تحولاً في البنية الوجودية للإنسان.

فعلى سبيل المثال، ليست الصلاة لمجرد أن يؤدي الإنسان تكليفاً، بل يقول القرآن:

«إِنَّ الصَّلاةَ تَنهیٰ عَنِ الفَحشاءِ وَالمُنکَرِ»

أي إن الصلاة ينبغي أن تترك أثراً في شخصية الإنسان.

وكذلك الصيام ليس مجرد جوع وعطش، بل حُددت غايته في بلوغ التقوى:

«لَعَلَّکُم تَتَّقونَ»

ومن ثم فإن كل عبادة تقترب من تحقيق غايتها التربوية بقدر ما تُحدث تغييراً في جانب من شخصية الإنسان وهويته.

ومن هذا المنظور، لا يعود السؤال الأساسي عن العبادة: «هل أديت هذا العمل؟»، بل يصبح السؤال الأعمق:

«أيّ إنسان صنعت مني هذه العبادة؟»

من أداء العبادة إلى أن يصبح الإنسان إلهياً

من الفروق الأساسية بين هذا المنهج والنظرة التي تختزل الدين في الشعائر أنه يميّز بين «أداء العمل الديني» و«تحقق التربية الدينية».

فقد يصلي الإنسان، ويصوم، ويذكر الله، لكنه يظل في أعماقه أسير الكِبر والحرص والشهوة والخوف من الناس والأنانية والتعلق بالدنيا.

وفي هذه الحالة، تكون الصورة الظاهرية للعمل الديني قد تحققت، لكن عملية بناء الهوية لم تبلغ غايتها بعد.

فهدف الدين ليس أن يؤدي الإنسان الأعمال الدينية فحسب، بل أن يتحول إلى إنسان يعيش بهوية إلهية.

وهنا يمكن أيضاً التمييز بين «التدين» و«الهوية الدينية».

فقد يبقى التدين في مستوى السلوك، أما حين يتحول الدين إلى هوية، فإن الإنسان يبدأ بتعريف نفسه من خلال علاقته بالله.

وعندئذ لا يعود الله مجرد موضوع من موضوعات اعتقاده، بل يظهر حضور الله في منظومة معرفته، وقيمه، واختياراته، وإرادته، وأسلوب حياته.

الإنسان الإلهي؛ غاية العملية التربوية

الإنسان الإلهي، وفق هذه النظرية، ليس شخصاً ابتعد عن إنسانيته أو عن حاجاته الطبيعية أو حياته الاجتماعية.

إنه الإنسان نفسه، ولكن قواه وطاقاته الوجودية أصبحت واقعة تحت الهداية الإلهية.

فعقله يتحرك في طريق الحقيقة، وإرادته تكتسب القدرة على اختيار الحق، وعواطفه تتحرر من أسر الأنانية، وغرائزه تصبح خاضعة لإدارة العقل والشرع، وأخلاقه تكتسب صبغة إلهية.

ويتحدث القرآن عن هذا الإنسان بمفاهيم من قبيل الإيمان، والتقوى، والتزكية، والعبودية، والإخلاص، والصبر، والإحسان.

ويمكن النظر إلى هذه المفاهيم بوصفها مؤشرات على تبلور الهوية الإلهية في الإنسان.

ومن ثم، فإن الإنسان الإلهي ليس من يؤمن بالله فحسب، بل هو من تظهر آثار علاقته بالله في طريقة وجوده وحياته.

تبلور الهوية الإلهية؛ لا فرض شيء غريب على الإنسان

لا ينبغي أن يُفهم تعبير «تبلور الهوية الإلهية» على أنه يعني أن الإنسان يتلقى من الخارج شيئاً غريباً تماماً عن طبيعته.

ففي الرؤية القرآنية، يمتلك الإنسان استعدادات وميولاً تتيح له إمكانية الحركة نحو الله.

«فِطرَتَ اللَّهِ الَّتی فَطَرَ النّاسَ عَلَیها»

تدل على أن علاقة الإنسان بالله ليست أمراً غريباً عن بنيته الوجودية.

فالتربية الدينية، وفق هذه الرؤية، ليست إنشاء شيء من العدم بقدر ما هي إيقاظ الاستعداد الإلهي الكامن في الإنسان، وتنميته، وإخراجه إلى حيّز الفعل.

والعبادة، والذكر، والتزكية، والمجاهدة، كلها تنقل هذه الاستعدادات من حالة القوة إلى حالة الفعل.

ومن ثم، فإن الإنسان الإلهي ليس نتاج فرض هوية مصطنعة على الإنسان، بل هو ثمرة تنمية أعمق استعداد توحيدي كامن في وجوده.

العلاقة بين العبادة والهوية

وفقاً لهذه النظرية، يمكن تصوير العلاقة بين العبادة والهوية على النحو الآتي:

التوحيد يحدد الاتجاه؛
والعبودية تدفع الإنسان إلى السير في هذا الاتجاه؛
والتزكية تزيل العوائق؛
والعبادة والمجاهدة تنمّيان الاستعدادات؛
والأخلاق والعمل الصالح يكشفان عن التحول في الهوية؛
وفي النهاية يتشكل الإنسان الإلهي.

وبناءً على ذلك، كلما ازدادت العبادة عمقاً، كان ينبغي أن تصبح آثارها أكثر وضوحاً في هوية الإنسان.

فإذا لم تُحدث الصلاة والصيام والذكر وسائر الأعمال الدينية أي تغيير في منظومة رغبات الإنسان وقيمه وقراراته وأخلاقه، فإن ذلك يستدعي إعادة النظر في كيفية أداء العبادة وحقيقتها.

إعادة تعريف غاية التربية الدينية

بناءً على ما تقدم، يمكن طرح الفكرة الأساسية الآتية:

إن غاية التربية الدينية ليست مجرد تكوين إنسان مطيع، بل بناء إنسان تتبلور هويته الإلهية من خلال عبوديته الواعية لله، حتى تصبح عبودية الله جزءاً من طريقة وجوده ونمط حياته.

وعندئذ لا تكون «العبادة» و«الإنسان الإلهي» مفهومين متقابلين.

فالعبادة هي الغاية القرآنية لحياة الإنسان، لكنها، في التحليل التربوي الأعمق، تمثل في الوقت نفسه الطريق والآلية التي يتحقق من خلالها الإنسان الإلهي.

لقد خُلق الإنسان لعبودية الله، وفي مسيرة هذه العبودية تنمو الاستعدادات الإلهية الكامنة في وجوده، ويتحول إلى إنسان تتجسد في حياته الهوية الإلهية.

ومن هذا المنظور، يمكن تلخيص المشروع التربوي للإسلام والقرآن في السلسلة المفهومية الآتية:

التوحيد ← العبودية ← التزكية ← تنمية الاستعدادات الإلهية ← تشكّل الهوية الإلهية ← الحياة الإلهية ← الإنسان الإلهي

وتتيح هذه الصياغة فهم التعاليم الإسلامية المختلفة ـ من العقائد والعبادات إلى الأخلاق والأحكام الاجتماعية ـ ضمن منظومة واحدة؛ إذ ينبغي لجميعها، في نهاية المطاف، أن تسهم في نقل الإنسان من مجرد العيش وفق حاجاته المباشرة إلى حياة يكون فيها الله محور هويته، ويعيش في ضوء هذه الهوية.

للمشاركة:

روابط ذات صلة

كيف ننقل المعارف الإلهيّة من الذهن إلى القلب؟
لماذا يُعد تأمين حياة القادة والمسؤولين "واجباً شرعياً" و"ضرورة عقلية"؟
سبب خفاء قبر أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)
أحكام رمضان | ترك الصوم بنيّة السفر
لماذا نقرأ برواية حفص الكوفي؟ دراسة في أسباب اشتهارها وبعض خصائصها

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل