هل المهر ثمن للمرأة؟.. ماذا يقول الإسلام عن حقيقة المهر وعلاقته بالزواج؟

المهر في الإسلام ليس «ثمناً للمرأة»، وإنما هو حق مالي وعطية تعبّر عن صدق الرجل في عقد الزواج، وتشكل في الوقت نفسه ضمانة اقتصادية للمرأة.

السؤال:

هل حصول المرأة على المهر يعني أنها باعت نفسها للرجل مقابل المال؟

الجواب:

المهر من الأحكام المعروفة في نظام الزواج الإسلامي، غير أن وجود التزام مالي على عاتق الرجل قد يثير، في النظرة العامة، تصوراً مفاده أن المرأة تضع نفسها تحت تصرف الرجل مقابل حصولها على المال.

ويزداد هذا التصور حضوراً عندما يُنظر إلى الزواج من زاوية اقتصادية أو جنسية بحتة، بحيث يُنظر إلى المهر باعتباره نوعاً من «الثمن»، وإلى العلاقة الزوجية باعتبارها نوعاً من «المعاملة».

وقد يظهر هذا الإشكال بصورة أكبر في الزواج المؤقت؛ إذ إن تحديد المهر في العقد المؤقت، بخلاف الزواج الدائم، يُعد ركناً من أركان العقد، وهو ما قد يؤدي إلى تصور أن المهر يأتي في مقابل الانتفاع الجنسي.

كما قد يتعامل بعض الأشخاص، في الواقع العملي، مع تحديد المهر أو المطالبة به بمنظور اقتصادي. لكن سلوك الأفراد أو تصوراتهم لا يمكن أن يكون معياراً لتحديد طبيعة مؤسسة دينية وقانونية.

وللحكم على هذه الشبهة، ينبغي أولاً بيان كيفية تعريف الإسلام للزواج والمهر، ثم بحث العلاقة بين المهر والرابطة الزوجية، بما في ذلك الزواج المؤقت، إلى جانب فلسفة المهر ووظائفه.

النقطة الأولى: الزواج ليس علاقة ملكية ولا عملية بيع وشراء للإنسان

تقوم عملية البيع والشراء على انتقال ملكية مال من البائع إلى المشتري مقابل عوض، أما في الزواج، فلا تصبح المرأة موضوعاً لملكية الرجل.

فالذي ينشئه عقد الزواج هو علاقة زوجية ومجموعة من الحقوق والواجبات المتبادلة، وليس نقل ملكية إنسان إلى إنسان آخر.

ويصف القرآن الكريم الزواج بأنه «ميثاق غليظ»، أي عهد قوي ومحكم؛¹ كما يحدد الغاية من هذا الارتباط في تحقيق السكينة ونشوء المودة والرحمة بين الزوجين.²

وعليه، فإن البنية الأساسية للزواج في القرآن هي بنية عهد إنساني وأسري، وليست عقداً لشراء إنسان.

ومن ثم، فإن وجود التزام مالي إلى جانب عقد الزواج لا يعني وجود عملية بيع وشراء.

فالمرأة لا تصبح، بمجرد عقد النكاح، ملكاً للرجل، كما أن الرجل لا يصبح، بدفعه المهر، مالكاً لشخصية المرأة أو جسدها أو أموالها أو قوة عملها.

وعليه، لا يوجد أساساً في البنية القانونية للزواج الإسلامي ما يسمى «ثمن المرأة».

النقطة الثانية: القرآن يقدم المهر باعتباره حقاً للمرأة وعطية لها

أوضح دليل على طبيعة المهر هو التعبير القرآني عنه. يقول الله تعالى:

«وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا»(3)

فالآية تنسب المهر مباشرة إلى النساء؛ ومن ثم فإن المرأة ـ وليس والدها أو أخوها أو أي فرد آخر من أسرتها ـ هي مالكة المهر.

وفضلاً عن ذلك، يعبّر القرآن عن المهر بلفظ «نِحْلَة»، أي عطية وهبة وتقدمة.

وهذا التعبير لا ينسجم مع تصور «ثمن المرأة»؛ ففي البيع والشراء يكون العوض في مقابل مال تنتقل ملكيته إلى المشتري، بينما لا يحدث في الزواج أي انتقال لملكية المرأة إلى الرجل.⁴

بل إن المرأة، بعد أن تصبح مالكة للمهر، تملك الحق في أن تتنازل عن جزء منه لزوجها برضاها.

وهذه النقطة نفسها تؤكد أن المهر مال مملوك للمرأة، وأن دفعه لا يعني شراءها.

وفي آية أخرى، يصف القرآن المهر بأنه «فريضة»، ويضعه باعتباره حقاً مالياً في إطار الزواج.⁵

ومن ثم، فإن مفاهيم مثل «الحق المالي»، و«العطية»، و«التقدمة» هي الأنسب لتوضيح طبيعة المهر، وليس «ثمن الإنسان».

النقطة الثالثة: وصف المهر بـ«الصداق» يرتبط بالصدق والجدية في عقد الزواج

«الصداق» أحد التعبيرات الشائعة عن المهر في المصادر الإسلامية.

ويرتبط هذا التعبير بجذر «صدق»، ولذلك يمكن أن يشير إلى جانب مهم من فلسفة المهر، وهو أن إظهار الرجل رغبته في الزواج وقراره الدخول في حياة مشتركة لا يبقى مجرد ادعاء لفظي، بل يقترن بإجراء عملي وتحمل للالتزام.⁶

فالإنسان في كثير من علاقاته يثبت صدق ادعائه من خلال أفعاله.

ومن يدّعي الرغبة في حياة زوجية والاستعداد لها، فإن قبوله الالتزامات المترتبة عليها، ومنها الالتزام المالي بالمهر، يُظهر جديته في هذا القرار.

وبناءً على هذا التصور، يمكن النظر إلى المهر بوصفه علامة على الصدق والجدية في الدخول في عقد الزواج، وليس ثمناً يدفعه الرجل لامتلاك المرأة.

كما أن وصف المهر بـ«النحلة» يعزز المعنى نفسه، إذ يقدمه القرآن في صورة عطية وتقدمة.

ومن ثم، حتى مع كون المهر ذا قيمة اقتصادية وقابلاً للمطالبة به من جانب المرأة، فإن طبيعته المالية لا تحوله إلى «ثمن للمرأة».

النقطة الرابعة: المهر حق مالي وضمانة للمرأة، وليس ثمناً لها

إلى جانب البعد العاطفي والرمزي، يمثل المهر حقاً مالياً حقيقياً للمرأة.

فالمرأة تصبح مالكة للمهر بعد الزواج، ويحق لها المطالبة به والتصرف فيه.

وفي المقابل، فإن الرجل، في النظام الحقوقي الإسلامي، لا يصبح بدفع المهر مالكاً لأموال المرأة أو ثمرة عملها، كما لا تنتفي استقلاليتها المالية.

وفضلاً عن ذلك، يمكن أن يشكل المهر، إلى جانب سائر الأحكام المتعلقة بالأسرة، ضمانة للمرأة في مواجهة بعض الآثار الاقتصادية للحياة الزوجية، ولا سيما عند الانفصال.

وقد اهتم بعض المفسرين بهذا الجانب الحمائي عند بيان فلسفة المهر، واعتبروه وسيلة لتعويض جزء من الخسائر المحتملة وضمانة لمستقبل المرأة.⁷

وعليه، فإن كون المهر ذا وظيفة مالية لا يعني أن للمرأة «قيمة مالية».

فهناك فرق بين القيمة المالية لحق من الحقوق وبين تحديد قيمة الشخص الذي يملك ذلك الحق؛ تماماً كما أن الحصول على تعويض أو منفعة تأمينية لا يعني تسعير الإنسان الذي يحصل عليها.

النقطة الخامسة: في الزواج المؤقت أيضاً، المهر ليس ثمناً للمرأة ولا أجراً مقابل الانتفاع الجنسي

في الزواج المؤقت، يُعد تحديد المهر ركناً من أركان العقد، وإذا لم يُحدد المهر، لم ينعقد الزواج المؤقت بصورة صحيحة.

وقد يعزز هذا الأمر الشبهة القائلة إن المرأة في الزواج المؤقت تحصل على المال مقابل انتفاع الرجل بها جنسياً، وإن العلاقة تشبه الأجر في مقابل العمل.

لكن هذا التصور ينشأ من الخلط بين «وجود المهر في العقد» وبين «كون المرأة أو المنفعة الجنسية عوضاً في العقد».

ففي الزواج المؤقت أيضاً، موضوع العقد هو إنشاء رابطة زوجية لمدة محددة، وليس بيع المرأة أو استئجار شخصيتها.

والمهر حق مالي يُقرر للمرأة ضمن هذا العهد، وليس ثمناً لها ولا أجراً مقابل جسدها أو شخصيتها.

وبناءً على ذلك، فإن مجرد كون تحديد المهر شرطاً لصحة الزواج المؤقت لا يحول طبيعة المهر إلى «ثمن للمرأة».

كما أن الاختلاف بين الزواج الدائم والمؤقت يوضح أن الأحكام المتعلقة بالمهر تخضع للبنية القانونية الخاصة بكل نوع من أنواع الزواج.

ففي الزواج الدائم، لا يؤدي عدم تحديد المهر عند إبرام العقد إلى بطلان الزواج، ويمكن أن يتقرر المهر لاحقاً للمرأة في ظروف معينة؛ أما في الزواج المؤقت، فيجب تحديد المهر منذ البداية.⁸

ومن ثم، ينبغي فهم هذا الاختلاف في إطار اختلاف الأحكام الخاصة بكل من العقدين، لا الاستنتاج منه أن المهر في الزواج المؤقت هو «أجر العلاقة الجنسية».

النقطة السادسة: الاتفاق على مقدار المهر لا يعني تحديد قيمة المرأة

قد يقال: إذا كان المهر ليس ثمناً للمرأة، فلماذا يستطيع الرجل والمرأة الاتفاق على مقداره؟ أليس ثمن السلعة أيضاً يحدد بالاتفاق بين الطرفين؟

والجواب هو ضرورة التمييز بين «الاتفاق على مقدار التزام مالي» وبين «تسعير الإنسان».

ففي الزواج، يستطيع الرجل والمرأة الاتفاق على مقدار المهر، لكن موضوع هذا الاتفاق هو تحديد قيمة حق مالي ينشأ للمرأة في إطار عقد الزواج.⁹

وفي الوقت نفسه، لا تؤيد التعاليم الإسلامية المغالاة في المهر وتحويله إلى وسيلة للتفاخر أو معيار للقيمة الاجتماعية، بل تؤكد الروايات على التيسير في مقدار المهر.¹⁰

ومن ثم، لا ينبغي ربط زيادة المهر أو انخفاضه بزيادة قيمة المرأة أو انخفاضها؛ فقيمة الإنسان، في الأساس، لا يمكن اختزالها في رقم مالي.

النتيجة

المهر في الإسلام ليس ثمناً للمرأة؛ لأن المرأة لا تكون موضوعاً للبيع والشراء أو الملكية في عقد الزواج.

فالقرآن يصف الزواج بأنه عهد وثيق، ويقدم المهر باعتباره عطية وحقاً مالياً مملوكاً للمرأة.

كما أن وصف المهر بـ«الصداق» ينسجم مع التعبير عن الصدق والجدية في عقد الزواج، إلى جانب كونه حقاً مالياً وضمانة للمرأة.

وحتى في الزواج المؤقت، حيث يمثل تحديد المهر ركناً من أركان العقد، فإن المهر ليس ثمناً للمرأة ولا أجراً مقابل الانتفاع الجنسي، وإنما هو حق مالي يندرج ضمن إطار الرابطة الزوجية.

وبالتالي، فإن الاتفاق على مقدار المهر هو اتفاق على حجم حق مالي، وليس تسعيراً للإنسان.

 

 


الهوامش والمصادر:

  1. «وَکَیْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُکُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْکُمْ مِیثَاقًا غَلِیظًا» (النساء: 21).
  2. «وَمِنْ آیَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَکُمْ مِنْ أَنْفُسِکُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْکُنُوا إِلَیْهَا وَجَعَلَ بَیْنَکُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً» (الروم: 21).
  3. (النساء: 4).
  4. ناصر مكارم الشيرازي؛ مائة وثمانون سؤالاً وجواباً؛ الطبعة الرابعة، طهران: دار الكتب الإسلامية، 1386هـ ش، ص 477 ـ 479. وكذلك: مرتضى مطهري؛ نظام حقوق المرأة في الإسلام؛ الطبعة 77، طهران: صدرا، 1398هـ ش، ص 182 ـ 184.
  5. «لَا جُنَاحَ عَلَیْکُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِیضَةً … وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِینَ» (البقرة: 236).
  6. مرتضى مطهري؛ نظام حقوق المرأة في الإسلام؛ ص 182 ـ 184.
  7. ناصر مكارم الشيرازي؛ مائة وثمانون سؤالاً وجواباً؛ ص 477 ـ 479. وكذلك: ناصر مكارم الشيرازي وآخرون؛ تفسير نمونه؛ الطبعة العاشرة، طهران: دار الكتب الإسلامية، 1371هـ ش، ج 3، ص 262 ـ 264.
  8. للمزيد حول اختلاف أحكام المهر في الزواج الدائم والمؤقت، انظر: محمد حسن النجفي؛ جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام؛ بيروت: دار إحياء التراث العربي، دون تاريخ، ج 31، ص 15 ـ 17 و238 ـ 240. والشهيد الثاني، زين الدين بن علي؛ مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام؛ قم: مؤسسة المعارف الإسلامية، دون تاريخ، ج 8، ص 185 ـ 187.
  9. ناصر مكارم الشيرازي؛ مائة وثمانون سؤالاً وجواباً؛ ص 478 ـ 479.
  10. محمد بن يعقوب الكليني؛ الكافي؛ تحقيق: علي أكبر غفاري ومحمد آخوندي؛ الطبعة الرابعة، طهران: دار الكتب الإسلامية، 1407هـ، ج 5، ص 324.

 

* ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

الأحكام الشرعية | دراسة الأبناء في المدارس التي تُدرّس عقائد منحرفة
معرفة الله عند الأطفال | ما هو شكلُ الله؟
السؤال: هل تُعدّ المرأة غير المحجّبة، رغم صلاح سائر أعمالها، من أهل النار؟ ولا سيّما أنّ كثيرًا من المحجّبات قد لا تكون أعمالهنّ الأخرى مستقيمة
مشاركة الشعب في النظام الإسلامي.. حقيقة شرعية أم ادعاء سياسي؟
لماذا استجاب الحسين (ع) لأهل الكوفة وأرسل إليهم سفيره مسلمَ بن عقيل مع علمه بحالهم ومع نصح بعض أصحابه له بعدم التوجُّه إلى هناك؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل