التوبة والشفاعة وعواقب المعصية في ضوء تعاليم أهل البيت (عليهم السلام)
إن الأمل برحمة الله وشفاعته ليس مبرراً لارتكاب الذنوب؛ فالذنب يلوّث الروح ويحرم الإنسان من توفيق التوبة، في حين أن أسمى مراتب العبودية هي عبادة الله حباً، لا التعامل معه بمنطق المقايضة من أجل الجنة أو النجاة من النار.
السؤال:
إذا كان الإنسان سيصل في نهاية المطاف إلى الجنة برحمة الله، أو من خلال التوبة والشفاعة، فما الداعي إلى اجتناب الذنوب، ولماذا ينبغي عليه أن يتحمل كل هذه المشاق؟
الجواب:
من الأسئلة المهمة والمتكررة في مسيرة التدين: لماذا يتحمل الإنسان مشاق العبودية، ولماذا يتشدد في اجتناب الذنوب؟
فقد يواجه الإنسان أحياناً شبهة مفادها أنه إذا كان الله تعالى «أرحم الراحمين»، وكانت أبواب رحمته مفتوحة دائماً أمام عباده من خلال وسائل مثل التوبة وشفاعة أولياء الله، فما الحاجة إلى أن يضع الإنسان نفسه في إطار الأحكام والتكاليف الشرعية في الدنيا؟
وإذا كانت النهاية هي دخول الجنة والفوز برحمة الله وفضله، فلماذا ينبغي للإنسان أن يتخلى عن بعض اللذات، وأن يتحمل أعباء التكاليف ومجاهدة النفس؟
وهل الأمل بالرحمة الإلهية في نهاية المطاف يمكن أن يتحول إلى مبرر للتساهل في الدنيا؟
فيما يلي نتناول هذه المسائل من خلال مجموعة من النقاط.
النقطة الأولى: تبعات الذنب في البرزخ، وتجسّد الأعمال، وحدود التوبة والشفاعة
من أكبر الأخطاء الفكرية تصور أن الأمل بالتوبة أو الشفاعة يعني غفران جميع الذنوب بصورة مطلقة ومن دون تبعات.
وتوضح النصوص الدينية أن الإنسان، حتى إذا انتهى به الأمر إلى المغفرة، سيواجه في مراحل عالم القبر والبرزخ تبعات وآثاراً ثقيلة.
فالذنوب ليست مجرد مخالفة لقانون بسيط، وإنما تترك في الروح ألواناً عميقة من التلوث، تتحول، وفق قانون «تجسّد الأعمال»، إلى صورتها الحقيقية في عالم البرزخ، وتظهر آثارها على هيئة الإنسان وجسده.¹
وقد حذّر الإمام الصادق (عليه السلام) بوضوح أولئك الذين يشعرون بالأمان الزائف اعتماداً على الأمل، فقال:
«وَ اللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَیْکُمْ إِلَّا الْبَرْزَخَ فَأَمَّا إِذَا صَارَ الْأَمْرُ إِلَیْنَا فَنَحْنُ أَوْلَى بِکُم».²
وعليه، فإن الإنسان الذي يرتكب الذنوب ولا يوفَّق إلى التوبة الخالصة قبل موته، قد يواجه، منذ لحظة وفاته وحتى قيام القيامة ـ وهي فترة قد تمتد آلاف السنين ـ الصورة المروعة لأعماله، إلى أن يتطهر.
ومن هنا، فإن الابتعاد عن الذنب وتحمل مشاق العبودية يمثلان أفضل وسيلة للوقاية من هذه المعاناة الطويلة، ولا يستبدل الإنسان العاقل الطمأنينة والسلامة في البرزخ بلذة عابرة من لذات المعصية.
النقطة الثانية: وهم ضمان التوبة، وخطر الموت المفاجئ، وسلب الإيمان
من أكبر خداع النفس والشيطان أن يُغرى الإنسان بوعد التوبة في المستقبل، فيستسلم لرغباته وأهوائه في الحاضر.
فالذي يرتكب الذنب على أمل أن يتوب لاحقاً يغفل عن خطرين أساسيين:
أولاً: قد يأتي الموت بصورة مفاجئة ويحرم الإنسان فرصة التوبة إلى الأبد، كما أن التوبة عند حضور الموت لا تنفعه، يقول القرآن الكريم:
«وَلَیْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِینَ یَعْمَلُونَ السَّیِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّی تُبْتُ الْآنَ …».³
ثانياً: قد يطرأ على باطن الإنسان تغير تدريجي ومدمر، يؤدي إلى فقدان إرادة التوبة، بل وإلى زوال الإيمان بصورة كاملة.
ويقول الإمام الباقر (عليه السلام):
«مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَ فِی قَلْبِهِ نُکْتَةٌ بَیْضَاءُ فَإِذَا أَذْنَبَ ذَنْباً خَرَجَ فِی النُّکْتَهِ نُکْتَهٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا تَابَ ذَهَبَ ذَلِكَ اَلسَّوَادُ، وَ إِنْ تَمَادَى فِي اَلذُّنُوبِ زَادَ ذَلِكَ اَلسَّوَادُ حَتَّى يُغَطِّيَ اَلْبَيَاضَ، فَإِذَا غَطَّى اَلْبَيَاضَ لَمْ يَرْجِعْ صَاحِبُهُ إِلَى اَلْخَيْرِ أَبَداً».⁴
فإذا استمر الإنسان في ارتكاب الذنوب، ازداد ذلك السواد حتى يغطي البياض، وعندها يصبح الرجوع إلى الخير والتوبة أمراً بالغ الصعوبة.
وقد تؤدي قسوة القلب وظلمة الباطن في نهاية المطاف إلى إنكار الحقائق، كما يقول القرآن الكريم:
«ثُمَّ کَانَ عَاقِبَةَ الَّذِینَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ کَذَّبُوا بِآیَاتِ اللَّهِ وَکَانُوا بِهَا یَسْتَهْزِئُونَ».⁵
ومن يموت من دون إيمان يخرج نهائياً من دائرة الشفاعة.
النقطة الثالثة: تفاوت درجات الجنة والحسرة الأبدية على المراتب العليا
الجنة ليست مكاناً متساوياً في جميع مراتبه، بحيث ينال جميع أهلها الإمكانات والمكافآت نفسها، بل لها درجات ومراتب كثيرة، تتفاوت بحسب مقدار العمل الصالح والتقوى.⁶
فإذا اكتفى الإنسان بالجلوس انتظاراً للتوبة في اللحظات الأخيرة من عمره، أو بالشفاعة في الآخرة، ولم يجاهد نفسه ولم يلتزم بالعبادة، ورضي بأدنى المراتب، فإنه حتى لو شمله فضل الله في نهاية المطاف ودخل الجنة، سيُحرم من المقامات الرفيعة، ومن القرب من الله تعالى، ومن مرافقة الأنبياء وأولياء الله.
وليس من قبيل المصادفة أن يكون من أسماء يوم القيامة «يوم الحسرة».⁷
فالإنسان في ذلك اليوم لن يتحسر على ذنوبه والفرص التي أضاعها فحسب، بل سيتحسر أيضاً على المسافة التي تفصل بين مقامه الفعلي وبين مراتب القرب الرفيع من الله تعالى؛ وسيتحسر على أنه كان يستطيع، بالإيمان والعبادة والعمل الصالح والتقوى، أن يبلغ درجات أعلى بكثير،⁸ لكنه أضاع الفرصة.
ومن ثم، فإن الأمل برحمة الله وشفاعته لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لترك العبودية والرضا بأدنى مرتبة ممكنة، بل ينبغي أن يكون دافعاً إلى الحركة والتوبة والإصلاح وبذل المزيد من الجهد في طريق القرب من الله تعالى.
النقطة الرابعة: ضوابط التوبة والشفاعة وصعوبة ردّ حقوق الناس
إن التوبة والشفاعة في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، خلافاً لبعض التصورات الشعبية الخاطئة، ليستا وصفات سحرية للتهرب من المسؤولية، ولا تعملان بمنطق المحاباة أو تجاوز قوانين الله العادلة.
فالتوبة الحقيقية ليست مجرد ترديد كلمة «أستغفر الله» باللسان، وإنما هي ندم عميق في القلب وإصلاح لما مضى.
وكثير من الذنوب يرتبط بالتعدي على حقوق الآخرين، أي حقوق الناس، وغفران هذه الحقوق مشروط برضا أصحابها، وقد يكون ردّها وتعويضها أمراً بالغ الصعوبة، بل مستحيلاً في بعض الحالات.
كما أن الشفاعة تجري وفق ضوابط محددة، وتتطلب وجود رابطة و«سنخية» روحية وعملية بين من تُطلب له الشفاعة ومن يشفع له.
وشفاعة أولياء الله لا تشمل إلا من لم يقطع صلته بهم من خلال ارتكاب الكبائر والاستخفاف بأحكام الله.
أما الجرأة على أوامر الله وعدم الاكتراث بها، فهي علامة على الاستهانة بالدين وعدم اعتباره أمراً ذا أهمية.
وقد بيّن الإمام الصادق (عليه السلام) هذه القاعدة المهمة بوضوح في آخر لحظات حياته الشريفة، فقال:
«لَا یَنَالُ شَفَاعَتَنَا مَنِ اسْتَخَفَّ بِالصَّلَاة».⁹
وفي الحقيقة، فإن الرحمة الإلهية والشفاعة إنما تأتيان لجبر أوجه النقص والزلات غير المتعمدة لدى من يبذل جهده ويسير في طريق العبودية، لا لتكونا ذريعة للكسل وترك الواجبات الدينية والجرأة على ارتكاب المعاصي.
ومن دون هذا الجهد الأولي، لا تتشكل في الإنسان أصلاً القابلية اللازمة لنيل فضل التوبة والشفاعة.
النقطة الخامسة: عبادة الأحرار.. تجلّي الحب والحياء في حضرة وليّ النعمة
وفوق كل الحسابات المتعلقة بقبول التوبة أو عدم قبولها، وبالأمل في الشفاعة، هناك سبب أسمى وأعمق لاجتناب الذنب في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام): إدراك عظمة الله، والشعور بالحياء أمامه، ومحبة الخالق.
وقد قسّم أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، في كلمة عميقة وباعثة على بناء الإنسان، دوافع العبادة والعبودية على النحو الآتي:
«إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللَّهَ رَغْبَةً فَتِلْکَ عِبَادَةُ التُّجَّارِ، وَ إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللَّهَ رَهْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْعَبِيدِ، وَ إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللَّهَ شُكْراً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْأَحْرَارِ».¹⁰
فمن الناس من يعبد الله طمعاً في ثوابه، ومنهم من يعبده خوفاً من عقابه، ومنهم من يعبده شكراً له؛ وهذه الأخيرة هي عبادة الأحرار.
وبالنسبة إلى المؤمن الذي أدرك عظمة الله وجماله، فإن الذنب ليس مجرد مخالفة لقانون، بل هو خيانة لعهد المحبة، وافتقار إلى الحياء أمام الخالق الذي منه كل ما لدى الإنسان.
وهذا الإنسان يشعر في أعماقه بقبح المعصية وبُعده عن الله، ولذلك حتى لو رُفعت عنه الحجب، وأكد له الله تعالى بصورة قاطعة أن توبته مقبولة، وأنه لن يُعذَّب وأنه سينال الشفاعة، فإنه مع ذلك لن يقبل على الذنب؛ حياءً من الله، وشكراً له، ومحبة خالصة له.
فهو لا يريد أن يلوث أو يفسد، بالمعصية، مقام العبودية الجميل وعلاقته بالله، لأن ألم الخجل والفراق عن المحبوب الإلهي أشد إحراقاً له من نار جهنم.
وفي دعاء كميل، قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام):
«یَا إِلَهِى وَ سَیِّدِى وَ مَوْلَایَ وَ رَبِّى، صَبَرْتُ عَلَى عَذابِکَ، فَکَیْفَ أَصْبِرُ عَلَى فِرَاقِکَ».¹¹
النتيجة
إن الاتكال على الرحمة الإلهية الواسعة وعلى شفاعة أولياء الله لا يمكن أن يكون بأي حال مبرراً للجرأة على الله تعالى.
فالذنب، حتى لو انتهى الأمر إلى غفرانه، يمرض الروح، ويعرّض الإنسان لمعاناة شديدة في عالم البرزخ، ولحسرة أبدية على ضياع المراتب العليا في الجنة.
وفضلاً عن ذلك، فإن قسوة القلب الناتجة عن تكرار الذنوب قد تحرم الإنسان توفيق التوبة أو القدرة على نيل الشفاعة بصورة كاملة.
وفي نهاية المطاف، فإن العبودية الحقيقية واجتناب المعصية في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) لا يعنيان المتاجرة من أجل الجنة، ولا مجرد الهروب من النار، وإنما هما عبادة الأحرار واستجابة محبة، نابعة من الحياء والشكر لعظمة الخالق الذي يستحق العبادة.
الهوامش
- «وَ رَأَیْتُ امْرَأَةً رَأْسُهَا رَأْسُ خِنْزِیرٍ وَ بَدَنُهَا بَدَنُ الْحِمَارِ وَ عَلَیْهَا أَلْفُ أَلْفِ لَوْنٍ مِنَ الْعَذَاب …»؛ محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1403هـ، ج 8، ص 309.
- علي بن إبراهيم القمي، تفسير القمي، تصحيح: طيب الموسوي الجزائري، قم: دار الكتاب، 1404هـ، ج 2، ص 94.
- (النساء: 18).
- محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، تصحيح: علي أكبر الغفاري ومحمد آخوندي، طهران: دار الكتب الإسلامية، 1407هـ، ج 2، ص 273.
- (الروم: 10).
- «هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ …» (آل عمران: 163).
- «وَ أَنْذِرْهُمْ یَوْمَ الْحَسْرَةِ …» (مريم: 39).
- «… وَ رِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَکْبَرُ ذَلِکَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِیمُ» (التوبة: 72).
- محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، ج 3، ص 270.
- محمد بن حسين الشريف الرضي، نهج البلاغة، تصحيح: صبحي صالح، قم: هجرت، 1414هـ، الحكمة 237، ص 510.
- حسين الأنصاريان، شرح دعاء كميل، قم: دار العرفان، 1382هـ ش، ص 440.