قصة قوم عاد.. عبرة لا تناقض

كان قوم عاد يعيشون في أرض تُسمّى «الأحقاف» (شبه الجزيرة العربية أو اليمن)، وكانوا يتمتعون بقامات طويلة وهيئات جميلة وأجسام قوية، ويعيشون في مدن عامرة وأراضٍ خصبة خضراء وبساتين غنّاء. وأرسل الله تعالى، برحمته، النبي هوداً إليهم، ليدعوهم إلى مزيد من السعادة، ولينالوا إلى جانب ما يحيط بهم من المناظر الطبيعية الجميلة ونعم الدنيا وجمالها، نعم الآخرة وجمالها أيضاً. لكن هؤلاء القوم كفروا بالنعم، وخالفوا أوامر نبيهم، فأهلكهم الله بعذاب أليم ليكونوا عبرة لغيرهم، كما يقول تعالى:

«وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ». [1]

ومع ذلك، ظهر من جعل من هذه القصة الإلهية، بدلاً من أخذ العبرة منها، دليلاً على وجود تناقضات وتعارضات فيها، وكأن تصورهم يقوم على أن القرآن، إذا اشتملت آياته على أمور متناقضة، فقدَ اعتباره ومصداقيته. ومن هنا أُثيرت الشبهة الآتية:

إن الله تعالى يقول في القرآن الكريم أحياناً إن قوم عاد هلكوا في يوم واحد، ثم يقول في موضع آخر إن هلاكهم استمر عدة أيام، ثم يقول إن العذاب نزل على قوم عاد سبع ليالٍ وثمانية أيام حتى أهلكهم. [2] وهذه الأمور كلها متناقضة فيما بينها.

لكن بالنظر المتأمل في الآيات القرآنية، يتضح جلياً أن هذه الآيات لا تتعارض فيما بينها، بل إن كل واحدة منها تتناول جانباً من جوانب هذا العذاب الإلهي.

ففي سورة القمر، الآية 19، يقول تعالى:

«إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ».

والمقصود بـ«اليوم» هنا قطعة من الزمن، كما هو متعارف عليه في الاستخدام اليومي؛ فنحن نقول مثلاً: «في اليوم الذي قمنا فيه بهذا العمل، تحملنا الكثير من المشاق»، ومن المؤكد أننا لا نقصد بذلك أن العمل استغرق يوماً واحداً فقط. [3]

وكذلك فإن الآية 16 من سورة فصلت لا تتحدث عن عدد الأيام التي استمر فيها العذاب ومدته، وإنما تريد أن تقول إن العذاب الذي نزل على قوم عاد استمر أياماً؛ أي إن اليوم الذي بدأ فيه كان مشؤوماً، كما أن الأيام التي استمر فيها كانت شديدة ومؤلمة أيضاً. [4]

وأخيراً، توضح الآية 7 من سورة الحاقة مدة هذا العذاب، فتقول:

«سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ». [5]

وعليه، لا يوجد أي تعارض بين هذه الآيات الثلاث؛ لأن كل واحدة منها تتناول جانباً مختلفاً من الموضوع. فالآيتان 19 من سورة القمر و16 من سورة فصلت تنبّهان إلى شدة العذاب واستمراره وتتابعه، بينما توضح الآية 7 من سورة الحاقة مدة استمرار هذا العذاب، وهي سبع ليالٍ وثمانية أيام متتابعة.

 


الهوامش

  1. سورة الحاقة، الآية 6.
  2. راجع: سورة القمر، الآية 19؛ سورة فصلت، الآية 16؛ سورة الحاقة، الآية 7.
  3. راجع: الطبرسي، فضل، مجمع البيان، ترجمة ميرباقري وآخرين، طهران، فراهاني، الطبعة الأولى، ج 24، ص 29؛ ومكارم الشيرازي، ناصر، الأمثل، طهران، دار الكتب الإسلامية، ج 23، ص 37؛ والطباطبائي، محمد حسين، الميزان، ترجمة موسوي همداني، قم، الإسلامي، 1363هـ ش، ج 19، ص 107.
  4. المصدر نفسه.
  5. سورة الحاقة، الآية 7.

 

* ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

السؤال: في بعض الروايات أنّ الإمام الحجّة عليه السلام عند ظهوره «يقوم بدين جديد». فكيف يُتصوَّر أن يأتي بدين غير دين النبيّ صلّى الله عليه وآله؟
سورة الحشر، آية 18، صفحة 584 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ . لماذا تكررت واتقوا الله في نفس الآية؟
ما النكتة في التعبير بالفوز الكبير ؟
أحكام رمضان | صيام المسافر عند لحظة أذان الظهر
لماذا يبتعد المراهق عن أسرته؟ قراءة تربوية في التحول النفسي

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل