دراسة المزاح بشأن الشخصيات والمقدسات

قد يكون المزاح مع المقدسات باعثاً على الفرح أحياناً، إلا أنه ينبغي أن يكون بعيداً عن الإهانة وإثارة الشبهات؛ لأن المزاح حتى لو خلا من الإساءة المباشرة، قد يؤدي إلى إضعاف هيبة المقدسات ومكانتها في النفوس.

 

السؤال:

هل المزاح بشأن الشخصيات والمقدسات، مثل المزاح مع أهل البيت عليهم السلام، وما شابه ذلك، إشكالٌ أم لا؟

الجواب:

إن المزاح والضحك وإدخال السرور على الآخرين من الأعمال المستحسنة والقيمة، إلا أنها، شأنها شأن سائر الأعمال الحسنة، لها حدود وآداب وشروط، فإذا لم تُراعَ هذه الضوابط، فقد لا يعود هذا النوع من المزاح والضحك ذا قيمة وفائدة فحسب، بل قد يتحول إلى معصية وذنب وسلوك غير أخلاقي، ويترتب عليه الإثم والعقاب.

ومن أنواع المزاح والفكاهة التي تُرى أحياناً بين الناس، المزاح بشأن المقدسات، مع أن للمقدسات وأهل البيت عليهم السلام حرمة ومكانة رفيعة تستوجب الاحترام. ومن هنا يطرح السؤال: هل المزاح بشأن المقدسات عمل أخلاقي وقيم في الأصل أم لا؟ وسنبحث هذه المسألة هنا من الناحية الأخلاقية، أما الجانب الفقهي والشرعي فيحتاج إلى الرجوع إلى رسائل المراجع العظام للتقليد.

النقطة الأولى: أنواع المزاح بشأن المقدسات

للمزاح بشأن المقدسات، شأنه شأن سائر أنواع المزاح، صور وأشكال متعددة، وهذا الاختلاف هو الذي يؤدي إلى اختلاف الأحكام المتعلقة به.

النوع الأول: المزاح الساخر والمهين

قد تتضمن الفكاهة بشأن المقدسات إهانة أو إساءة أو استهزاء، وهذا النوع من المزاح يخرج يقيناً عن دائرة الأخلاق، وله آثار سلبية كثيرة، وربما يؤدي إلى إضعاف اعتقاد المتكلم أو السامع، ويتحمل قائله تبعات ذلك. بل قد تترتب على بعض صوره أحكام فقهية شديدة، كالارتداد، إلا أن معرفة الحكم الفقهي الدقيق تتطلب تحديد خصائص المزاح المقصود والرجوع إلى رسائل المراجع العظام؛ لأن من واجب جميع الناس احترام المقدسات وصون حرمتها.

وفي الواقع، إذا شاع إهانة المقدسات والاستهزاء بها، فإنها ستفقد المكانة القيمة والمهمة التي ينبغي أن تحتلها في أذهان الناس.

ومن أساليب الشياطين وأعداء الدين إشاعة المزاح والضحك والاستهزاء بالمقدسات، بهدف إضعاف الاعتقاد بها وحرمتها ومكانتها في النفوس تدريجياً، وصولاً إلى التخلي عنها. وهذا الأسلوب الشيطاني معروف منذ أقدم العصور، كما يقول القرآن الكريم:

«وَ ما یَأْتِیهِمْ مِنْ نَبِیٍّ إِلاّ کانُوا بِهِ یَسْتَهْزِؤُنَ» (1).

النوع الثاني: المزاح المصحوب بالشبهة والإنكار

في بعض الأحيان لا يتضمن المزاح بشأن المقدسات إهانة أو استهزاءً ظاهراً، ويبدو في صورته سليماً، لكنه يحمل في داخله شبهة أو اعتراضاً أو إنكاراً يتعلق بالمقدسات.

وهذا النوع من المزاح قد يبدو فكاهياً وجذاباً، لكنه يحمل مضموناً خطيراً وساماً، وقد يؤدي إلى تعريض إيمان المتكلم والسامع للخطر. بل قد لا يكون المتكلم نفسه واعياً للمضمون الضار الكامن في مزاحه، لكن ذلك لا يمنع آثاره السلبية، كما أن مسؤولية إضعاف إيمان المستمعين تقع على عاتق المتكلم أيضاً.

ومن الطبيعي أن يخرج هذا النوع من المزاح كذلك عن دائرة الشرع والأخلاق؛ ولذلك لا ينبغي للمتكلم وحده أن يتجنبه، بل على السامع أيضاً أن يمتنع عن المشاركة فيه والضحك على هذا النوع من المزاح. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

«مَن تَبَسّمَ فی وجهِ مُبتَدِعٍ فقد أعانَ على‏ هَدمِ دِینِهِ» (2).

النوع الثالث: المزاح الخالي من الآفات

هناك بعض أنواع المزاح والفكاهة التي لا تتضمن أي إهانة أو استهزاء، ولا شبهة أو اعتراضاً أو إنكاراً، ولا أي محذور آخر، فتكون في ظاهرها خالية من الآفات ومحايدة.

ومع ذلك، ينبغي في هذه الحالات أيضاً تجنب المزاح بشأن المقدسات؛ لأن المزاح والضحك معها قد يؤديان إلى إضعاف هيبتها وحرمتها ومكانتها الرفيعة في القلوب.

فعلى سبيل المثال، قد نرى أحياناً أشخاصاً يمزحون بشأن مجالس العزاء والرثاء لأهل البيت عليهم السلام أو بشأن جلسات إحياء مصائبهم، ومن الطبيعي أن يؤدي انتشار هذا النوع من المزاح إلى إضعاف الحزن والأسى والحرقة التي ينبغي أن يحملها الشيعة في قلوبهم عند الاستماع إلى مصائب أهل البيت عليهم السلام.

ولا يُستبعد أن يندرج هذا النوع من المزاح ضمن الروايات المتعددة التي حذرت من المزاح والضحك لما قد يؤديان إليه من زوال هيبة المتكلم وهيبة كل ما ينبغي أن تكون له مكانة وحرمة في النفوس.

فقد روي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال:

«آفةُ الهَیبَةِ المِزاحُ» (3).

كما يحذر الإمام الصادق عليه السلام من أن المزاح والضحك قد يمهدان للجرأة على المخالفة، فيقول:

«لاتُمازِحْ فیُجتَرَأَ علَیکَ» (4).

وهذا الأمر ينطبق أيضاً على المزاح بشأن المقدسات، حتى لو كان خالياً من المحاذير الأخرى.

النوع الرابع: المزاح المفيد

قد توجد، في حالات نادرة، بعض أشكال المزاح والفكاهة بشأن المقدسات التي لا تتضمن أي إهانة أو استهزاء أو شبهة أو إنكار أو اعتراض، ولا تكون مجرد مزاح محايد، بل تتضمن في الوقت نفسه فكرة معرفية أو فضيلة من فضائل الدين وأوليائه، بحيث تؤدي إلى نشر معلومة أو معارف دينية في قالب فكاهي، أو تتضمن تذكيراً مفيداً.

وهذا النوع من المزاح والفكاهة لا يشتمل على أي إشكال شرعي أو أخلاقي، بل قد يكون له أجر نشر المعارف الدينية والتعريف بها.

النقطة الثانية: مزاح الأدنى مع الأعلى

في معظم الحالات، يُعد مزاح الشخص الذي هو أدنى من غيره من حيث العمر أو الرتبة أو المكانة مع شخص أعلى منه، نوعاً من عدم الاحترام في العرف، ولا سيما إذا كانت الفجوة في الرتبة والمكانة كبيرة جداً؛ كالفارق بين العبد وربه، أو بين العبد وحجة الله، أو بين الشاب أو المراهق والرجل المسن أو الكبير.

ويُستثنى من ذلك أن يأذن الكبير بنفسه بهذا النوع من المزاح، أو أن يهيئ المتكلم الظروف بطريقة تمنع وقوع الإساءة؛ كأن يستأذن الأكبر في ذلك، أو نحو ذلك.

النقطة الثالثة: شراكة السامع مع المتكلم

عندما يقع مزاح غير لائق، فإن المسؤولية لا تقع على المتكلم وحده؛ بل إن السامع الذي يشاركه ويؤكد فعله عملياً بالضحك وإظهار السرور يكون شريكاً في المسؤولية والإثم والسلوك السيئ.

فقد قال الإمام الرضا عليه السلام:

«مَن أعانَ ظالِماً فهُو ظالِمٌ، ومَن خَذَلَ ظالِماً فهُو عادِل» (5).

كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله:

«شَرُّ الناسِ فاسِقٌ قَرَأ کتابَ اللّهِ وتَفَقَّهَ فی دِینِ اللّهِ، ثُمّ بَذَلَ نَفسَهُ لِفاجِرٍ إذا نَشِطَ تَفَکهَ بِقِراءَتِهِ ومُحادَثَتِهِ، فَیطبَعُ اللّهُ علی قلبِ القائلِ والمُستَمِعِ» (6).

النتيجة

يختلف الحكم على المزاح بشأن المقدسات باختلاف مضمونه وآثاره. فالمزاح الذي يتضمن إهانة أو استهزاء أو إثارة شبهة أو اعتراضاً أو إنكاراً يخرج يقيناً عن دائرة الأخلاق، وقد تترتب عليه أيضاً أحكام شرعية شديدة.

كما أن المزاح الذي يبدو سليماً في ظاهره قد يؤدي إلى إضعاف هيبة المقدسات وحرمتها، ويمهد تدريجياً لإضعاف مكانتها وقداستها في النفوس؛ ولذلك من المناسب تجنبه.

أما الأشكال النادرة من المزاح التي تخلو من أي محذور، وتتضمن في الوقت نفسه فكرة معرفية أو فضيلة دينية، فقد تكون مفيدة وذات قيمة.

وفي حال وقوع مزاح غير مناسب، فإن السامع الذي يشارك فيه ويؤيده بالضحك لا يكون بمنأى عن المسؤولية، بل قد يشارك المتكلم في الإثم والتبعات المترتبة على ذلك.

 


الهوامش

  1. «وَ ما یَأْتِیهِمْ مِنْ نَبِیٍّ إِلاّ کانُوا بِهِ یَسْتَهْزِؤُنَ» (الزخرف: 7).
  2. «مَن تَبَسّمَ فی وجهِ مُبتَدِعٍ فقد أعانَ على‏ هَدمِ دِینِهِ» (محمد بن علي ابن شهرآشوب المازندراني؛ مناقب آل أبي طالب عليهم السلام؛ قم: علامة، 1379هـ، ج 4، ص 251).
  3. «آفةُ الهَیبَةِ المِزاحُ» (علي بن محمد الليثي الواسطي؛ عيون الحكم والمواعظ؛ تحقيق: حسين حسني البيرجندي؛ قم: دار الحديث، 1376هـ ش، ص 182).
  4. «لاتُمازِحْ فیُجتَرَأَ علَیکَ» (محمد بن يعقوب الكليني؛ الكافي؛ تحقيق: علي أكبر الغفاري ومحمد آخوندي؛ ط 5، طهران: الإسلامية، 1363هـ ش، ج 2، ص 665).
  5. «مَن أعانَ ظالِماً فهُو ظالِمٌ، ومَن خَذَلَ ظالِماً فهُو عادِل» (محمد بن حسن الحر العاملي؛ وسائل الشيعة؛ قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام، 1409هـ، ج 16، ص 185).
  6. «شَرُّ الناسِ فاسِقٌ قَرَأ کتابَ اللّهِ وتَفَقَّهَ فی دِینِ اللّهِ، ثُمّ بَذَلَ نَفسَهُ لِفاجِرٍ إذا نَشِطَ تَفَکهَ بِقِراءَتِهِ ومُحادَثَتِهِ، فَیطبَعُ اللّهُ علی قلبِ القائلِ والمُستَمِعِ» (محمد محمدي الريشهري؛ ميزان الحكمة؛ قم: مؤسسة دار الحديث العلمية والثقافية، 1386هـ ش، ج 5، ص 495).

للمشاركة:

روابط ذات صلة

أحكام شرعية | دفع تكلفة الخدمات مع عدم الاستفادة منها
الأحكام الشرعيّة | المقدار المتعارف في نفقة الزوجة
الأحكام الشرعية | طريقة تطهير باطن الحذاء
هل المهر ثمن للمرأة؟.. ماذا يقول الإسلام عن حقيقة المهر وعلاقته بالزواج؟
ما الدور الذي يلعبه الأمل في المستقبل في التربية الصحيحة لأبنائنا؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل