هل المال والمكانة دليل على النجاح؟ معايير السعادة في المنظور الديني

من المنظور الديني، يكمن النجاح الحقيقي في السموّ المعنوي وعبودية الله تعالى، لا في المؤشرات المادية والظاهرية التي، خلافًا للتصور الشائع، لا تصلح وحدها معيارًا كافيًا لقياس السعادة.

السؤال:

لماذا تحوّل المال والعمل والمكانة الاجتماعية إلى معايير للنجاح؟

الجواب:

في مختلف الثقافات والمجتمعات، يُنظر أحيانًا إلى الأشخاص الذين يمتلكون ثروة أكبر، أو مكانة اجتماعية أعلى، أو وظيفة أفضل، بمزيد من الاحترام، وينظر إليهم الآخرون بعين الحسد أو التمني، ويُنظر إليهم بوصفهم أشخاصًا ناجحين وسعداء. وهنا يبرز السؤال: هل من يملك مالًا أكثر، أو وظيفة أفضل، أو مكانة اجتماعية أعلى، هو بالضرورة أكثر نجاحًا؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، فلماذا، وما الأسباب التي تجعل المجتمع يعدّ هؤلاء أشخاصًا ناجحين؟

فيما يلي نتناول الإجابة عن هذه الأسئلة.

نقاط حول معايير النجاح

النقطة الأولى: التمييز بين النجاح النسبي والنجاح الكلي

يمكن تقسيم النجاح إلى نوعين:

أ. النجاح الكلي والشامل

يتحقق هذا النوع من النجاح في مجموع حياة الإنسان. والمقصود بالنجاح الكلي والشامل هو الوصول إلى السعادة والهناء والهدف النهائي من الحياة؛ فإذا بلغ الإنسان ذلك الهدف، أمكن القول إنه نجح وسعد.

وفي الثقافة الدينية، يتمثل هدف خلق الإنسان في الوصول إلى معرفة الله تعالى ومحبته وعبادته والتقرب إليه. فالله سبحانه وتعالى هو ذروة جميع الخيرات والكمالات ومعدنها، والوصول إليه يعني الوصول إلى جميع الخيرات والجمال والسكينة المطلقة.

ومن ثم، فإن الإنسان الذي حقق معرفة الله وعبادته والتقرب إليه، من المنظور الديني، هو الإنسان الذي قد حقق النجاح في حياته، والذي يمكن وصفه بالناجح بصورة كلية ومطلقة.

ب. النجاح النسبي والجزئي

يتحقق النجاح النسبي والجزئي خلال مراحل الحياة، والمقصود به النجاح في مختلف شؤون الحياة وجوانبها المتعددة والمتنوعة.

النقطة الثانية: دراسة درجات وجوانب النجاح النسبي المختلفة

للنجاح النسبي جوانب وميادين متعددة. فهناك مثلًا النجاح في الدراسة، أو النجاح في العمل والدخل، أو النجاح في الزواج وإدارة الأسرة، أو النجاح في تربية الأبناء، أو النجاح في بناء العلاقات مع الآخرين، أو النجاح في تقديم خدمات اجتماعية نافعة، وغير ذلك.

وهذه النجاحات متعددة ومتنوعة جدًا. وقد يكون الإنسان ناجحًا في بعض هذه الجوانب وغير ناجح في جوانب أخرى؛ فقد يكون مثلًا ناجحًا مهنيًا، ويحصل على عمل جيد ونافع ودخل مرتفع، لكنه لا ينجح في بناء حياته الأسرية وإدارة أسرته، ولا يعيش حياة هادئة وممتعة ومريحة.

النقطة الثالثة: تقييم النجاح المهني والمادي والاجتماعي

قد يكون النجاح في مجال العمل النافع، والدخل الحلال، والمكانة الاجتماعية السليمة، نجاحًا حقيقيًا، ويستحق صاحبه الاحترام؛ لأن هذا النجاح غالبًا ما يدل على موهبة الشخص وجهده وتعبه، ولا سيما إذا تحقق رغم وجود قيود كثيرة وإمكانات محدودة، أو في ظل منافسة شديدة مع الآخرين.

لكن النجاح في هذه المجالات لا يعني النجاح في جميع المجالات والجوانب الأخرى من الحياة، فقد يكون الإنسان غير ناجح في جوانب أخرى منها.

وفي المقابل، هناك أشخاص لا يملكون وظيفة ذات دخل مرتفع، ولا يحظون بمكانة اجتماعية خاصة، لكنهم ناجحون في جوانب أخرى من حياتهم؛ فقد يكونون علماء وأصحاب معرفة، أو يمتلكون علاقات اجتماعية ناجحة وأصدقاء صالحين، أو يعيشون حياة أسرية سعيدة، وغير ذلك.

النقطة الرابعة: دراسة النجاح النهائي

حتى لو كان الإنسان ناجحًا في جميع أشكال النجاح الجزئي والنسبي، فإنه إذا لم يصل إلى هدف الخلق والسعادة الأبدية، المتمثلين في الوصول إلى الله تعالى واكتساب السكينة والفرح المطلقين، فإنه يبقى غير ناجح، ولا يحصل في التقييم الكلي والنهائي على درجة النجاح والفوز.

فمهما كان الإنسان ناجحًا في حياته المادية وفي مختلف جوانبها، إذا كان غير ناجح من الناحية الروحية والمعنوية وفي حياته الأخروية الأبدية، فإنه يبقى إنسانًا خاسرًا. وقد يستفيد لسنوات من نجاحات نسبية ومحدودة في حياته، لكنه يحرم من الروح المطمئنة، والنفس المرتوية، والسعادة الأبدية في جوار الله تعالى، وما يصاحبها من لذة والانتفاع بنعمه التي لا تنتهي.

النقطة الخامسة: الخطأ في اعتبار النجاح النسبي نجاحًا كليًا

في كثير من المجتمعات، يُنظر إلى الأشخاص الذين ينجحون في بعض الجوانب، كامتلاك وظيفة ودخل جيدين أو مكانة اجتماعية واحترام مرتفعين، بوصفهم أشخاصًا حققوا النجاح المطلق والكلي في الحياة، وكأنهم وصلوا إلى كل ما كان بإمكانهم الوصول إليه.

في حين أن الأمر ليس كذلك بالتأكيد؛ فقد سبق أن بيّنا أن الإنسان قد يكون غير ناجح في جوانب أخرى من حياته، أو قد يكون فاشلًا في مجموع حياته.

وليس قليلًا أن نجد أشخاصًا مشهورين ذوي دخول مرتفعة، تنتهي بهم الأمور في بعض مراحل حياتهم أو في نهايتها إلى استخدام الأدوية المضادة للاكتئاب، من دون أن يصلوا إلى السكينة الشاملة، أو الشعور بالسعادة الحقيقية والدائمة.

وفي المقابل، هناك أشخاص بسطاء وعاديون في المجتمع لا يملكون شهرة أو دخلًا أو مكانة عالية، لكنهم، بفضل عبادة الله تعالى ومعرفته ومحبته، وصلوا إلى سكينة داخلية عميقة ومستقرة، وامتلأت نفوسهم وارتوت أرواحهم، وتحرروا من القيود.

النقطة السادسة: أسباب الخلط بين النجاح النسبي والنجاح الكلي

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا يحدث هذا التصور والحكم الخاطئ، ولماذا يُنظر إلى الأشخاص الناجحين في بعض الجوانب على أنهم أشخاص سعداء وسعداء في مجموع حياتهم؟

1. الجهل وعدم المعرفة

قد يكون الجهل وعدم المعرفة أحيانًا سببًا لهذا الحكم غير الصائب. فعندما لا يمتلك الإنسان معرفة صحيحة ومتكاملة بالكون وبذاته، فإنه يقع بصورة غير واعية في مثل هذه التصورات الخاطئة.

وعندما لا يعرف حقيقة السعادة ومراتبها وجوانبها المختلفة بصورة صحيحة، ولا يدرك العلاقة بين السعادة والهناء وبين الوصول إلى هدف خلق الإنسان، فإنه يخطئ في تقييم نجاح الآخرين.

وعندما يصاب بالنظرة السطحية، ويفتقر إلى رؤية عميقة وشاملة ومتكاملة لمختلف جوانب حياة الإنسان، فإنه يمنح الأشخاص الذين نجحوا في بعض الجوانب فقط درجة النجاح.

2. المادية

عندما يختزل الإنسان الحياة كلها في هذه الحياة المادية، وتكون جميع آماله وطموحاته مادية وحيوانية وشهوانية، فإنه ينظر إلى كل من حقق نجاحًا في هذه المجالات على أنه سعيد ومنتصر.

أما إذا أدرك أن الإنسان، إلى جانب حياته المادية، يمتلك حياة روحية ومعنوية أيضًا، وأنه إلى جانب النجاحات والكمالات الظاهرية توجد فضائل وامتيازات معنوية، وأن الإنسان عندما يبلغها تتسع ذاته وينمو ويكبر، ويصل إلى سكينة ورضا داخليين عميقين ومستقرين، فإن طريقة تقييمه للناس ستتغير، ولن يمنح كل شخص درجة النجاح النهائي.

3. التأثر بالموجة العامة والغفلة

ومن الأسباب الأخرى لهذا الحكم الخاطئ، التأثر بالجو العام والغفلة. فعندما تعرض وسائل الإعلام والإعلانات الكثيفة والمتكررة الجوانب المثيرة للإعجاب من الحياة الظاهرية للمشاهير أو الأثرياء أو أصحاب النفوذ، يقع المجتمع في خطأ في الحساب والتقدير، ويتصور أن هؤلاء هم الذين حققوا النجاح في جميع الجوانب.

نعم، تستطيع الدعاية ووسائل الإعلام أن تغيّر تدريجيًا ذوق المجتمع وثقافته العامة، وأن تخلق فيه مناخًا ماديًا في نظرته إلى الحياة، كما أن الأشخاص السطحيين والمتأثرين بالجو العام يقعون تبعًا لذلك في أخطاء في الحكم والتقييم.

4. الفقر والعقد الداخلية

عندما يفتقر الإنسان إلى شيء ما، ويتأذى طويلًا من عدم امتلاكه، ويعيش الحسرة عليه، يصبح ذلك الشيء بالغ الأهمية بالنسبة إليه، بل قد يمنحه قيمة تفوق قيمته الحقيقية.

وعندما يرى ذلك الشيء الذي يفتقده لدى شخص آخر، فإنه ينظر بصورة غير واعية إلى ذلك الشخص على أنه أكثر نجاحًا وسعادة وعظمة مما هو عليه في الواقع.

وكل ذلك قد يكون نتيجة ضغط الفقر والعقد الداخلية التي يحملها الإنسان.

5. سهولة ملاحظة النجاحات المادية

فالمال، والبيت، والسيارة، والعمل، والملابس، والمكانة الاجتماعية، أمور يمكن عادةً رؤيتها وقياسها؛ أما أمور مثل السكينة، والتقوى، والمعرفة، والرضا عن الحياة، وجودة العلاقة مع الزوج أو الزوجة والأبناء، أو النمو الروحي، فلا تظهر للعيان.

والناس عادةً يحكمون بناءً على الأمور المرئية، وهذا ما يجعل النجاح الظاهري يختلط بالنجاح الحقيقي.

ففي الثروة والدخل يمكن وضع أرقام وترتيب؛ فمثلًا قد يكون دخل شخص ضعف دخل شخص آخر. أما السكينة، والمعرفة، والمحبة، والإخلاص، أو جودة علاقة الإنسان بالله، فلا توجد لها طريقة بسيطة مماثلة للقياس.

ولذلك يميل ذهن الإنسان إلى المعايير التي يسهل قياسها.

النتيجة

في المحصلة، يمكن أن يكون المال والعمل والمكانة الاجتماعية مؤشرات على نجاح نسبي للإنسان في بعض أبعاد الحياة، لكنها ليست بأي حال معيارًا كافيًا لقياس النجاح الكلي والسعادة.

ومع ذلك، فإن الجهل بحقيقة السعادة، والمادية، والتأثر بالجو العام والغفلة، والحرمان والعقد الداخلية، إضافة إلى سهولة رؤية النجاحات المادية وقياسها، قد جعلت هذه الأمور تتحول إلى معايير للنجاح في نظر المجتمع.

في حين أن كثيرًا من أهم أبعاد النجاح، مثل السكينة، والمعرفة، والتقوى، والعلاقات الأسرية، والنمو الروحي، ليست أمورًا ظاهرية يسهل قياسها.

ومن المنظور الديني، يتمثل النجاح النهائي للإنسان في الوصول إلى معرفة الله تعالى ومحبته وعبادته، وبلوغ السعادة والسكينة المستقرة في الدنيا والآخرة.

* ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

السؤال: كيف يريد الله لأرواحنا أن تكون، وهل الأرواح كلها نقية لأنها نفحة من عند الله ؟
من العبادة إلى بناء الإنسان الإلهي.. ما الغاية التربوية للإسلام؟
حين يتحوّل السؤال إلى دموع
الإيمان بين الدليل والتقليد.. لماذا يجب البحث في أصول الدين؟
هل توجد أدلة عقلية على الشفاعة ؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل