بيان مفهوم «الملة» في الآية 120 من سورة البقرة وسبب نزولها

تؤكد الآية 120 من سورة البقرة ضرورة الثبات على المعتقدات الدينية، وتوضح الحدود الفاصلة بين الاستقامة على الدين والتعايش الاجتماعي.

السؤال:

قال الله تعالى لنبيه في القرآن إن اليهود والنصارى لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم. فما سبب نزول هذه الآية؟ ولماذا كان النبي يسعى إلى إرضائهم؟ وما المقصود بـ«الملة» في هذه الآية؟ وهل تختص هذه الآية بالأمور الدينية، أم تشمل أيضًا الأمور اليومية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها؟

الجواب:

يقول الله تعالى في الآية 120 من سورة «البقرة» مخاطبًا نبيه:

«وَ لَنْ تَرْضىٰ عَنْکَ اَلْیَهُودُ وَ لاَ اَلنَّصٰارىٰ حَتّٰى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ …»

سبب نزول الآية

يُطلق «سبب النزول» على السؤال أو الحادثة التي أعقبتها نزول آية من القرآن. وقد أشير في كتب التفسير إلى سببين مختلفين لنزول الآية 120 من سورة «البقرة»:

أ) كان رسول الله صلى الله عليه وآله يسعى إلى إبقاء اليهود والنصارى راضين عنه، لعلهم يقبلون الإسلام؛ فنزلت هذه الآية لتُعلِم النبي أن هؤلاء لن يرضوا عنه ما لم يتبع دين اليهود والنصارى. (1)

ب) طلب اليهود والنصارى هدنة، وأوهموا النبي كذبًا أنهم إذا أمهلهم فسوف يدخلون في الإسلام، فأطلع الله نبيه على كذبهم. (2)

ويبدو أن سبب النزول الأول أكثر انسجامًا مع الآية؛ لأنه أكثر توافقًا مع سياقها، وكذلك مع التاريخ؛ إذ إن النبي لم يكن في حالة حرب مع النصارى حتى يطلبوا منه هدنة.

أما كيف كان النبي يريد إرضاء اليهود والنصارى، فلم يُعثر على نص يوضح ذلك؛ لكن يبدو أن النبي، رغبةً منه في أن يسلك أهل الكتاب طريق الهداية وأن يميلوا تدريجيًا إلى الإسلام، لم يكن يشدد عليهم، بل كان يتعامل معهم بأقصى درجات المراعاة والاحتياط، ويبدي قدرًا من المرونة تجاههم.

لماذا كان النبي يسعى إلى إرضاء اليهود والنصارى؟

كان أمل رسول الله صلى الله عليه وآله وطموحه أن يهتدي جميع الناس ويؤمنوا بالإسلام، فيكونوا من أهل الجنة والسعادة. ولم يدخر أي جهد في سبيل تحقيق هذا الهدف.

وقد بلغ اهتمامه الشديد بهداية الناس حدًّا جعل الله تعالى يذكّره في الآية 119 من سورة «البقرة» بأنه ليس مسؤولًا عن عدم إسلام الآخرين، وبالتالي ليس مؤاخذًا على دخولهم النار، (3) لأنه ليس عليه سوى التبشير والإنذار، ولا تقع عليه مسؤولية أخرى تجاههم:

«إِنّٰا أَرْسَلْنٰاکَ بِالْحَقِّ بَشِیراً وَ نَذِیراً وَ لاٰ تُسْئَلُ عَنْ أَصْحٰابِ اَلْجَحِیمِ»

وقد بلغ حرص النبي على هداية الناس وشفقته عليهم درجة شديدة، حتى كاد يهلك نفسه من شدة الحزن والأسى بسبب عدم اهتدائهم:

«لَعَلَّکَ بٰاخِعٌ نَفْسَکَ أَلاّٰ یَکُونُوا مُؤْمِنِینَ»

أي: «لعلك تريد أن تهلك نفسك من شدة الحزن لأنهم لا يؤمنون». (4)

وجاء في الآية الثامنة من سورة «فاطر»:

«… فَلاٰ تَذْهَبْ نَفْسُکَ عَلَیْهِمْ حَسَرٰاتٍ …»

وكان النبي يتوقع من اليهود والنصارى الذين قرؤوا في كتبهم بشاراته وصفاته، (5) وكانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، (6) موقفًا أفضل؛ ولذلك، أملًا في أن يتخلوا في نهاية المطاف عن عنادهم ويدخلوا الإسلام، كان يتعامل معهم بالمداراة ويسعى إلى إبقائهم راضين عنه.

لكن الآية 120 من سورة «البقرة» نزلت لتضع حدًا لهذا الأمل، وتخبر رسول الله أن هؤلاء لن يرضوا عنه أبدًا ولن يؤمنوا.

دلالة «الملة» في الآية

«المِلّة» مشتقة من الجذر «م ل ل»، وهي في اللغة بمعنى ضيق القلب. (7) وقد أخذ المفسرون «الملة» في هذه الآية بمعنى الدين والشريعة. (8)

وبناءً على ذلك، فإن سبب إطلاق «الملة» على الدين هو أن الدين يدل على نوع من التضييق والتقييد الناشئ عن حياة الإنسان في ظل الأحكام والأنظمة الدينية. (9)

ويرى بعضهم أن «الملة» مشتقة من «إملاء الكتاب»؛ ولذلك سُمّي الدين «ملة» لأن الدين أُملي من جانب الله تعالى. (10)

وعليه، تقول الآية إن اليهود لن يرضوا عن رسول الله إلا في حالة واحدة، وهي أن يتخلى عن دين الإسلام ويصبح يهوديًا. وكذلك فإن النصارى لن يرضوا عنه إلا إذا اتبع دينهم وأصبح نصرانيًا. (11)

نطاق شمول الآية

نزلت الآية خطابًا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله؛ ولكن بما أن سبب النزول لا يخصص الحكم بالمورد الذي نزلت فيه الآية، فإن مضمونها لا يختص بالنبي، بل يشمل جميع المسلمين.

ومن هذه الجهة، فالآية عامة، وتقول لجميع المسلمين: إذا كنتم تظنون أن بإمكانكم، من خلال إبداء المرونة تجاه اليهود والنصارى والسعي إلى إبقائهم راضين عنكم، أن تهيئوا الأرضية لإسلامهم، فذلك مجرد وهم؛ لأنهم لن يرضوا عنكم إلا إذا اتبعتم دينهم.

ومع أن الآية عامة من هذه الجهة، فلا يوجد دليل يبرر تعميم حكمها على المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها؛ وذلك لأن الآية تتحدث عن مسألة تغيير الدين، كما لا يوجد دليل يقتضي تعميمها من حيث الموضوع.

ولا سيما أننا نشهد دائمًا وفي مختلف الظروف تعايش المسلمين والمسيحيين واليهود بصورة سلمية ومرضية إلى جانب بعضهم بعضًا. إضافة إلى ذلك، نرى تعاملات اقتصادية وسياسية واجتماعية متعددة ومتنوعة بين أتباع الأديان المختلفة، سواء على المستوى الفردي أو على مستوى الدول.

نعم، نشهد بعض الخلافات بين الدول الإسلامية والدول المسيحية واليهودية بشأن القضايا السياسية والاقتصادية وغيرها؛ لكن أولًا، توجد خلافات مماثلة بين الدول الإسلامية نفسها أيضًا؛ وثانيًا، فإن عدد الدول المسيحية التي تتعامل وتتعاون مع الدول الإسلامية ليس أقل من عدد الدول التي لا تفعل ذلك، بل ربما يكون أكثر.

النتيجة

1. «الملة» في اللغة تعني الإملاء، ولأن «الدين» أُملي على البشر من جانب الله، فقد أُطلق عليه في العربية اسم «الملة» أيضًا.

2. كان رسول الله صلى الله عليه وآله، بسبب شدة حرصه على هداية الناس، يسعى من خلال إبقاء اليهود والنصارى راضين عنه، وعبر التعامل معهم بحذر ومراعاة واحتياط، إلى تهيئة الأرضية لتغيير دينهم ودخولهم في الإسلام؛ لكن الله تعالى أخبر نبيه أنه مهما فعل لإرضائهم، فإنهم لن يرضوا عنه أبدًا. والشيء الوحيد الذي سيجعلهم راضين عنه هو أن يتخلى عن الإسلام ويتبع دينهم.

3. مع أن الآية تخاطب النبي صلى الله عليه وآله، فإنها لا تختص به، بل تشمل جميع المسلمين، وتقول لهم إن التعامل مع أهل الكتاب بالمراعاة والاحتياط واللين لن يؤدي إلى هدايتهم؛ ولذلك، ينبغي للمسلمين في الأمور الدينية أن يثبتوا ولا يتراجعوا، وألا يتخلوا عن معتقداتهم ودينهم؛ لأن مقدار التنازل الذي يقدمونه لن يكون سببًا لهدايتهم.

4. تختص الآية بالأمور الدينية، ولا علاقة لها بالأمور الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها؛ ولذلك نرى أتباع الأديان الإبراهيمية يعيشون في بلدان مختلفة إلى جانب بعضهم بعضًا بسلام ورضا، كما أن وجود أمثلة كثيرة على تعاون الدول المسيحية مع الدول الإسلامية في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية يدل على أن الآية تتعلق بمسألة تغيير الدين، ولا علاقة لها بسائر المجالات.

 


الهوامش

1. محمد بن حسن الطوسي؛ التبيان في تفسير القرآن؛ بيروت: دار إحياء التراث العربي، [دون تاريخ]، ج 1، ص 439.

2. سليمان بن أحمد الطبراني؛ التفسير الكبير: تفسير القرآن العظيم؛ إربد، الأردن: دار الكتاب الثقافي، 2008م، ج 1، ص 236.

وقد قال بعضهم إنه رغم كون الخطاب في الآية موجهًا إلى النبي، فإن المقصود بها أمته. انظر: نصر السمرقندي؛ تفسير السمرقندي المسمى بحر العلوم؛ تحقيق: عمر عمروي؛ بيروت: دار الفكر، 1416هـ، ج 1، ص 89. إلا أن الظاهر أنه لا يوجد دليل يبرر هذا التأويل.

3. محمد بن حسن الطوسي؛ التبيان في تفسير القرآن؛ ج 1، ص 437.

4. «فَلَعَلَّکَ بٰاخِعٌ نَفْسَکَ عَلىٰ آثٰارِهِمْ إِنْ لَمْ یُؤْمِنُوا بِهٰذَا اَلْحَدِیثِ أَسَفاً»: (الشعراء: 3؛ الكهف: 6).

5. الأعراف: 157.

6. البقرة: 146؛ الأنعام: 20.

7. حسن مصطفوي؛ التحقيق في كلمات القرآن الكريم؛ طهران: وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، 1368هـ.ش، ج 11، ص 174.

8. أبو عبيدة معمر بن المثنى؛ مجاز القرآن؛ القاهرة: مكتبة الخانجي، 1381هـ، ج 1، ص 53.

محمد بن جرير الطبري؛ جامع البيان في تفسير القرآن؛ بيروت: دار المعرفة، 1412هـ، ج 1، ص 410.

محمد بن يوسف أبو حيان؛ البحر المحيط في التفسير؛ بيروت: [دون ناشر]، 1420هـ، ج 1، ص 590.

وقد أخذ بعضهم «الملة» في هذه الآية بمعنى «القبلة». انظر: نصر السمرقندي؛ بحر العلوم؛ ج 1، ص 89.

وبحسب رأي هذه الفئة، كان اليهود والنصارى يأملون أن يصلي النبي باتجاه قبلتهم؛ ولكن عندما جعل الله الكعبة قبلة، أصيبوا باليأس. انظر: سليمان بن أحمد الطبراني؛ التفسير الكبير: تفسير القرآن العظيم؛ ج 1، ص 236.

إلا أن هذا الاستدلال لا يبدو صحيحًا؛ لأنه أولًا، سيأتي الحديث عن مسألة القبلة بعد نحو عشرين آية؛ وثانيًا، كان النبي منذ بداية بعثته وحتى السنة الثانية للهجرة يصلي باتجاه قبلة اليهود، ثم غيّر الله القبلة إلى جهة الكعبة.

9. حسن مصطفوي؛ التحقيق في كلمات القرآن الكريم؛ ج 11، ص 174.

10. علي أكبر قرشي بنابي؛ قاموس القرآن؛ الطبعة السادسة؛ طهران: دار الكتب الإسلامية، 1371هـ.ش، ج 6، ص 289.

11. محمد بن جرير الطبري؛ جامع البيان في تفسير القرآن؛ ج 1، ص 410.

 

* ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

السؤال: كان ابني يُصلِّي من قبل، لكنه ترك الصلاة الآن — ماذا أفعل؟
طلوع العبوديّة | ما هي أعظم نعمة يمدحها ويشكرها الإمام السجّاد (عليه السلام)؟
السؤال: هل تعني الآية «لا إكراه في الدين» أن كل عقيدة مباحة وأن الإنسان مطلق الحرية؟
هل يمكن للإنسان من -خلال تقييد نفسه- أن يزداد حرّيّة؟
ما الآثار التي خلّفها البعد العاطفي لفاجعة كربلاء في مجتمع الشيعة وسائر المسلمين؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل