هل اختلاف خلق المرأة والرجل «ظلم تكويني»؟

إن الاختلافات التكوينية بين المرأة والرجل تمثل مظهرًا من مظاهر حكمة وعدالة الخلق، بما يتيح لهما أدوارًا متوازنة، مع اشتراكهما في الكمال الإنساني، ولا ينبغي الخلط بين هذه الاختلافات وبين التمييز والظلم الاجتماعي.

السؤال:

«إن خلق المرأة والرجل ليس عادلًا فحسب، بل هو مصداق واضح لـ«الظلم التكويني»! فما رأيكم؟»

الجواب:

ينشأ ادعاء «الظلم التكويني» في خلق المرأة والرجل عادةً من تصور مفاده أنه بما أن المرأة والرجل لا يتساويان في بعض الخصائص الجسدية أو النفسية أو الوظيفية، فإن أحدهما قد مُنح وضعًا خلقيًا أقل ملاءمة من الآخر. ولكن للحكم على هذا الادعاء، ينبغي أولًا أن نوضح معنى العدالة في نظام الخلق، وهل العدل يقتضي أن تكون جميع الموجودات متساوية، أم لا؟ ثم ينبغي أن نبحث في الخصائص التي تتعلق بها الاختلافات بين المرأة والرجل، وما الدور الذي تؤديه في نظام الخلق، وهل تعني انخفاض قيمة أحدهما الإنسانية؟ وأخيرًا، لا بد من التمييز بين الاختلافات الطبيعية والظلم الاجتماعي؛ لأن هاتين المسألتين، وإن كان من الممكن أن ترتبط إحداهما بالأخرى في الحديث عن أوضاع المرأة، فإنهما تختلفان من حيث الطبيعة ومعيار الحكم.

النقطة الأولى: العدالة في الخلق لا تعني تساوي جميع الموجودات

إذا عرّفنا العدالة بأنها تساوي جميع الموجودات وتمتعها بخصائص متطابقة تمامًا، فسيتعين علينا اعتبار أصل التنوع والاختلاف في عالم الخلق أيضًا أمرًا غير عادل؛ في حين أن هذا التصور لا ينسجم مع البنية الواقعية للعالم. فالموجودات تختلف من حيث الحجم والقدرات والخصائص البدنية والاحتياجات والوظائف، وهذا التنوع والاختلاف يشكل جزءًا من بنية نظام الوجود.

ومعيار العدالة التكوينية ليس أن يمنح الله جميع الموجودات وجودًا وكمالًا من النوع والمقدار نفسيهما تمامًا، وإنما أن ينال كل موجود من الفيض والكمال ما يتناسب مع قابليته واستعداده الوجودي. ويمكن أن يكون الاختلاف في النظام مصداقًا لعدم العدالة إذا حُرم موجود من كمال يتناسب مع قابليته الوجودية من دون سبب؛ أما مجرد اختلاف الموجودات فلا يعني الظلم.

وانطلاقًا من هذه الرؤية، يقوم نظام الخلق على أساس التناسب والعلل والمعلولات ومجموعة من الأسباب والظروف. وفي هذا العالم لا يتحقق أي موجود مستقلًا عن علله وظروفه الخاصة؛ فوجود الإنسان وبقاؤه، مثلًا، يعتمدان على مجموعة من العوامل والظروف الطبيعية. كما أن الاختلافات والارتباطات الموجودة في العالم تشكل جزءًا من هذا النظام العليّ الحكيم، ولا يمكن اعتبار أصل وجودها ظلمًا.

وقد رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام:

«أَبَى اللَّهُ أَنْ یُجْرِیَ الْأَشْیَاءَ إِلَّا بِأَسْبَابٍ، فَجَعَلَ لِکُلِّ شَیْءٍ سَبَبًا، وَجَعَلَ لِکُلِّ سَبَبٍ شَرْحاً …» (1).

وعليه، فإن الخلق الحكيم لا يعني بالضرورة خلق الموجودات من دون اختلاف أو ارتباط، بل إن العالم يُدار وفق نظام من العلل والظروف والاختلافات والتناسبات. ولو كانت جميع الموجودات متساوية من جميع الجهات، لاندثر جزء كبير من تنوع العالم وتعدده، ولما تحققت البنية القائمة على اختلاف القابليات والوظائف. ومن ثم، لا يمكن اعتبار مجرد الاختلاف في الخلق علامة على عدم العدالة، بل ينبغي النظر في موقع هذا الاختلاف في نظام الوجود.

النقطة الثانية: الاختلاف بين المرأة والرجل في الخصائص البدنية والنفسية لا يعني الاختلاف في الحقيقة والقيمة الإنسانية

تشترك المرأة والرجل في أصل الإنسانية، ولا يُحرم أي منهما بسبب جنسه من الحقيقة الإنسانية أو إمكانية الوصول إلى الكمالات الإنسانية. فالاختلافات المتعلقة بالجنس ترتبط في الدرجة الأولى بالخصائص المادية والبدنية، وفي بعض الحالات بالخصائص النفسية والعاطفية. ولذلك لا ينبغي مساواة هذه الاختلافات بالحقيقة الإنسانية المشتركة بين المرأة والرجل.

وكما يختلف البشر فيما بينهم من حيث الخصائص البدنية والقدرات الفردية، فإن الاختلافات الجسدية والنفسية بين المرأة والرجل لا تعني بالضرورة اختلافًا في القيمة الإنسانية. فقد يختلف شخصان في القوة البدنية أو سرعة التعلم أو بعض القدرات الأخرى، لكن هذه الاختلافات لا تدل على أن أحدهما أقل كرامة إنسانية من الآخر. وكذلك ينبغي في شأن المرأة والرجل التمييز بين الاختلاف في بعض الخصائص الطبيعية وبين الاختلاف في القيمة والكرامة الإنسانية.

ويضع القرآن الكريم النساء والرجال جنبًا إلى جنب عند بيان معايير الإيمان والأخلاق والكمال، فيقول:

«إِنَّ الْمُسْلِمِینَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِینَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِینَ وَالْقَانِتَاتِ … أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَهً وَ أَجْرًا عَظِیماً» (2).

وهذا البيان يدل على أن الجنس ليس معيارًا للقرب من الله أو القيمة المعنوية. فالمرأة والرجل كلاهما قادر على بلوغ الكمال الإنساني من خلال الإيمان والعمل الصالح والفضائل الأخلاقية؛ ومن ثم، حتى إذا وُجدت بين المرأة والرجل اختلافات في بعض القدرات والخصائص الطبيعية، فلا يمكن الاستنتاج من هذه الاختلافات أن المرأة أدنى منزلة من الرجل من الناحية الإنسانية أو المعنوية. فالاختلاف في بعض الخصائص الطبيعية مسألة، والاختلاف في القيمة والكرامة الإنسانية مسألة أخرى منفصلة (3).

النقطة الثالثة: للاختلاف الجنسي بين المرأة والرجل وظيفة وحكمة في نظام الخلق

لو لم يكن بين المرأة والرجل أي اختلاف من حيث الخصائص الجنسية والجسدية، لما أمكن لكثير من البنى الأساسية للحياة الإنسانية، ومنها التكاثر واستمرار النسل، أن تتحقق بصورتها الحالية. ومن ثم، لا يمكن النظر إلى أصل الاختلاف الجنسي على أنه اختلاف بلا هدف أو علامة على نقص في الخلق؛ لأن لهذا الاختلاف وظيفة محددة في البنية البيولوجية للإنسان.

ويقول الله تعالى في وصف العلاقة بين المرأة والرجل:

«وَمِنْ آیَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَکُمْ مِنْ أَنْفُسِکُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْکُنُوا إِلَیْهَا وَجَعَلَ بَیْنَکُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً» (4).

وتبيّن هذه الآية أن العلاقة بين المرأة والرجل ليست بيولوجية فحسب، بل إن لها في بنية الخلق مكانة لتحقيق السكينة والمحبة والرحمة أيضًا. وتُعد الأسرة والعلاقات الإنسانية التي تتشكل في إطارها من أهم المجالات التي تتحقق فيها هذه الوظائف.

ويمكن أيضًا دراسة الاختلافات الجسدية بين المرأة والرجل في هذا الإطار. فالمرأة والرجل يشتركان في كثير من الخصائص، لكنهما يختلفان كذلك في بعض الخصائص البدنية والوظيفية التي يمكن أن تهيئ مجالًا للتكامل بينهما في بعض أبعاد الحياة. ولذلك لا تقتضي العدالة بالضرورة أن تُخلق المرأة والرجل متطابقين تمامًا من جميع الجهات، بل إن الاختلافات المتناسبة مع بعض الوظائف يمكن أن تكون، في إطار نظام حكيم، جزءًا من بنية الخلق.

وبناءً على ذلك، عندما ندرس الاختلاف الجنسي بين المرأة والرجل في ارتباطه بالبنية العامة للحياة الإنسانية، والتكاثر، وتكوين الأسرة، واستمرار النسل، يتضح أن أصل هذا الاختلاف لا يمكن اعتباره ظلمًا؛ لأنه جزء من نظام يتيح تحقق الحياة الإنسانية واستمرارها (5).

النقطة الرابعة: عدم معرفة جميع حِكم الاختلاف لا يعني وجود ظلم

قد يقال: «حتى لو كانت لاختلافات المرأة والرجل وظائف معينة، فإننا لا نعرف حكمة جميع هذه الاختلافات؛ فمن أين نعلم أن بعضها عادل؟»

والجواب أن هناك مسافة كبيرة بين «عدم معرفة حكمة ظاهرة معينة» و«كونها بلا حكمة». فالإنسان، رغم امتلاكه العقل والمعرفة، لا يحيط بجميع العلاقات العلية والغايات الموجودة في العالم؛ ومن ثم فإن عجزنا عن تقديم تفسير كامل ومستقل لكل خاصية طبيعية لدى المرأة والرجل لا يشكل، بمفرده، دليلًا منطقيًا على انعدام الحكمة أو وجود الظلم في الخلق.

وبالطبع، لا يعني ذلك إقصاء العقل أو القبول غير المشروط بأي ادعاء. فالإنسان يستطيع، بالاستفادة من العقل والعلم، أن يكتشف كثيرًا من الحِكم العامة والمفهومة للظواهر الطبيعية، وأن يبحث ويدقق فيها؛ إلا أن العجز عن اكتشاف جميع التفاصيل لا ينبغي مساواته بإثبات عدم عدالة أصل الخلق. ففي كثير من الظواهر الطبيعية أيضًا يعرف الإنسان جزءًا من عللها ووظائفها، بينما لا يزال يجهل الجزء الآخر بصورة كاملة (6).

وعليه، إذا ثبت أصل وجود الله الحكيم والعالم، وكذلك حكمة نظام الخلق بالأدلة الخاصة بهما، فإن عدم معرفة حكمة خاصية جزئية لا يمكن، بمفرده، أن يكون دليلًا على وجود الظلم فيها. ولإثبات الظلم، لا يكفي مجرد الجهل بجميع أبعاد الظاهرة، بل ينبغي إثبات أن تلك الظاهرة تتعارض مع معايير العدالة والحكمة.

النقطة الخامسة: أصل وجود بعض المعاناة والقيود الطبيعية ليس ظلمًا

ينبغي التمييز بين «وجود الصعوبات والمشكلات في حياة بعض النساء» وبين «الظلم في خلقهن». فالعالم المادي عالم مصحوب بالقيود والتغير والمرض والمعاناة والابتلاء، كما أن البشر لا يولدون جميعًا في ظروف متطابقة تمامًا. والعدالة الإلهية لا تعني أن يكون جميع البشر بمنأى عن كل قيد طبيعي أو صعوبة في الحياة.

ويقول الله تعالى:

«لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِی کَبَدٍ» (7).

وتؤكد هذه الآية أن الحياة الدنيوية للإنسان مقترنة بالصعوبات والقيود؛ وهي صعوبات لا تختص بالنساء، بل يواجهها الرجال أيضًا بصور مختلفة.

ومن المنظور القرآني، فإن الحياة الدنيا ميدان لابتلاء الإنسان، سواء أكان ذلك في ظروف مريحة مقرونة بالنعم، أم في ظروف صعبة ومواجهة للمشكلات (8). ويمكن لكلتا الحالتين أن تكونا مجالًا لظهور اختيارات الإنسان وسلوكه وقدراته الأخلاقية. ووفقًا لهذه الرؤية، ينبغي للإنسان ألا يكون سلبيًا أمام الصعوبات، بل عليه أن يسعى من خلال العمل والصبر والتصرف المسؤول إلى تحسين وضعه ووضع الآخرين (9).

ومن ثم، لا ينبغي اعتبار وجود المعاناة والقيود في العالم، بصورة فورية، ظلمًا في أصل الخلق؛ ومع ذلك، لا ينبغي أيضًا إرجاع جميع مشكلات النساء في المجتمعات إلى الاختلافات الطبيعية. بل ينبغي العمل على إزالة المظالم الاجتماعية وإصلاح الظروف غير العادلة.

فالاختلاف التكويني حقيقة تتعلق بالبنية الطبيعية للإنسان، أما الظلم الاجتماعي فيحدث عندما يُسلب حق من دون مبرر، أو يُهان إنسان بسبب أمر غير مبرر، أو يُمنح شخص امتيازًا من دون معيار عادل.

وعليه، إذا طُرح ادعاء بوجود تمييز في قانون أو عرف أو سلوك اجتماعي، فينبغي دراسة ذلك المورد بصورة مستقلة. فمجرد الاستناد إلى الاختلافات الطبيعية بين المرأة والرجل لا يكفي لإثبات عدالة قانون أو سلوك ما. والدفاع عن حكمة الاختلافات التكوينية لا يعني الدفاع عن أي شكل من أشكال التمييز الاجتماعي ضد النساء.

النتيجة

إن العدالة في نظام الخلق لا تعني بالضرورة تساوي جميع الموجودات، بل ينبغي فهمها في ضوء التناسب والقابليات وموقع كل موجود في نظام الوجود. فالمرأة والرجل، رغم اختلافهما في بعض الخصائص الجسدية والنفسية، يشتركان في أصل الإنسانية وإمكانية الوصول إلى الكمالات الإنسانية، وليس الجنس معيارًا لتقييم قيمتهما.

كما أن الاختلاف الجنسي له دور في البنية البيولوجية للإنسان، والتكاثر، وتكوين الأسرة، واستمرار النسل، ويبدو ذا حكمة. وإضافة إلى ذلك، قد تكون هناك حِكم أخرى لا نعلمها. وعدم معرفتنا بجميع حِكم خاصية معينة لا يعني أنها بلا حكمة؛ ومع ذلك، لا ينبغي أن يؤدي هذا الاستدلال إلى تبرير التمييز الاجتماعي.

فالمعاناة الطبيعية والاختلافات التكوينية مسألة، وسلب الحقوق بصورة غير عادلة أو إهانة النساء أو حرمانهن مسألة أخرى. ومن ثم، فإن مجرد الاختلاف في خلق المرأة والرجل لا يكفي لإثبات وجود ظلم تكويني؛ كما أنه عند الحكم على أي صورة من صور الظلم الاجتماعي، ينبغي دراسة مصداقها وأدلتها بصورة مستقلة، ومواجهتها إذا ثبت كونها ظلمًا.

 

 


الهوامش

1. «أَبَى اللَّهُ أَنْ یُجْرِیَ الْأَشْیَاءَ إِلَّا بِأَسْبَابٍ، فَجَعَلَ لِکُلِّ شَیْءٍ سَبَبًا، وَجَعَلَ لِکُلِّ سَبَبٍ شَرْحاً …» (محمد بن يعقوب الكليني؛ الكافي؛ تصحيح وتحقيق: علي أكبر الغفاري ومحمد آخوندي؛ الطبعة الرابعة، طهران: دار الكتب الإسلامية، 1407هـ، ج 1، ص 183).

2. (الأحزاب: 35).

3. عبد الله جوادي آملي؛ المرأة في مرآة الجلال والجمال؛ قم: نشر إسراء، 1386هـ ش، ص 244 ـ 245 و250.

4. (الروم: 21).

5. السيد محمد حسين الطباطبائي؛ الميزان في تفسير القرآن؛ قم: دفتر انتشارات إسلامي جامعة المدرسين، [دون تاريخ]، ج 16، ص 249. ناصر مكارم الشيرازي وآخرون؛ تفسير نمونه؛ طهران: دار الكتب الإسلامية، 1371هـ ش، ج 22، ص 377.

6. محمد تقي مصباح اليزدي؛ آموزش عقاید؛ الطبعة 17، طهران: منظمة الإعلام الإسلامي، 1384هـ ش، ص 179 ـ 180.

7. (البلد: 4).

8. «وَنَبْلُوکُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَیْرِ فِتْنَةً وَإِلَیْنَا تُرْجَعُونَ» (الأنبياء: 35).

9. «إِنَّمَا یُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَیْرِ حِسَابٍ» (الزمر: 10).

 

* ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

أحكام شرعية | مقدار الربح المجاز في بيع السلع
استشهاد كبار رجال الدين؛ نهاية العطاء أم بداية مرحلة جديدة من التأثير؟
كيف يمكننا تربية أبناء مستقلين؟
سورة الحشر، آية 18، صفحة 584 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ . لماذا تكررت واتقوا الله في نفس الآية؟
كيف يمكننا حماية أطفالنا من الأضرار النفسية للحرب؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل