لماذا تغيّرت فلسفة التاريخ بعد وفاة رسول الله(ص)

بقلم “أ.د. فرح موسى”؛ رئيس المركز الإسلامي للبحوث والدراسات القرآنية في لبنان

لا شك في أن السؤال إشكالي بامتياز، وهو يتضمن مجموعة من الفرضيات، التي يساعد طرحها على تصويب الموقف وفق رؤية شاملة لما جاء به الإسلام، لإخراج الناس من الظلمات إلى النور.

لقد أوضح الإسلام، قرآنًا وسنةً، في ما جاء به من تأسيسات لتغيير الواقع، أن الغاية من بعثة الرسول الأعظم(ص) والرسالة، هي إعادة تجوهر الإنسان وفق رؤية شاملة تعيد صياغة الموقف التاريخي والأممي بعدما تعرّفت الإنسانية على صياغات متعددة في أجواء الشرائع التي سبقت الإسلام.

فالخاتمية الإسلامية ليست مجرد رسالة وشريعة تهدف إلى بلورة موقف جديد، بل هي في أصل وجودها ناظرة إلى صناعة تاريخ جديد للأمم والشعوب.

ولهذا قال الرسول الأعظم(ص):” إن الزمان عاد كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض”. وهنا تكمن إشكالية الموقف، أن الأمة الإسلامية التي أُخرجت بالقرآن، لتكون خير أمة، عادت بعد وفاة الرسول(ص) لتصل نفسها بالماضي السحيق لتاريخ البشر، فلم تستوعب أطروحة الكمال الديني، فأحدثت لنفسها انقلابًا تغيّرت معه فلسفة التاريخ؛ فبدل أن تستمر الأمة في التعبير عن حقيقة الخيرية في أطروحتها، نراها تعيد صياغة الموقف الجاهلي  وفق رؤية إسلامية من خارج القرآن والسنة! وهذا هو مفاد قوله تعالى:” أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم…”.

لذا، فإن الإجابة على إشكالية تغيّر فلسفة التاريخ، لا يمكن أن تكون من الواقع التاريخي للأمة، وإنما من تاريخ الإسلام، ومن خلال تأسيسات القرآن الكريم، طالما أن السنة النبوية قد أصيبت بالأكاذيب، وتحوّلت عن كونها وحيًا، لتكون مجرد تاريخ! هناك من الباحثين من يحاول الإجابة على هذه الإشكالية من تاريخ المسلمين، في حين أن المطلوب، هو تجاوز تاريخ الأمة، لكونه تاريخًا إشكاليًا بذاته!

فكيف نتخذ من تاريخ ملتبس دينيًا، تأسيسًا لمعالجة إشكالية، أو لطرح فرضية؟ وهكذا، فإن الإشكالية لا تكمن في كون الأمة اختلفت في الإمامة والسياسة، وتباينت في تأصيلاتها العقدية والفقهية، بل هي تجاوزت ذلك إلى الاختلاف في القرآن الكريم، وهذا ما يجعل من تصحيح المسار الديني والتاريخي أمرًا مستحيلًا، ويكفينا للتدليل على ذلك مراجعة ما أسّس له أهل بيت الرسول(ع) في ما عبروا عنه من مواقف تدعو إلى الإصلاح الديني، كما قال الإمام الحسين(ع):”إني خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي”.

فهذه الظرفية “في”، تدلّل بوضوح على  عمق الفساد في دين الأمة قبل دنياها! فإعادة تشكيل الوعي الديني ليست بالمهمة السهلة،حتى يقال: إن الضمانة لأي تحوّل إيجابي تبقى مرهونةً بوحدة الأمة! فإذا كان الخلل المنهجي قد أصاب جوهر ما جاء به الإسلام، فإنه لا يمكن لأي وحدة إسلامية، أن تبعث الخيرية في الأمة، طالما أن القرآن الكريم، هو أساس هذه الخيرية بكل تعبيراتها وأثارها الدينية والسياسية.

إن الإجابة على إشكالية تغيّر فلسفة التاريخ، وأسباب ذلك، يمكن أن يجاب عليها في ضوء التأسيس القرآني لحقيقة تكوين الأمة، وهذا ما نرى أنه يحتاج إلى منهجية جديدة في التأويل والتفسير، بعيدًا عن الخرافات والمرويات، لأن هذه كانت وستبقى سببًا للتحريف والتشويه القرآني، وذلك إنما نذهب إليه من منطلق أن السنة النبوية لا تخالف القرآن بل تفسّره وتؤكد عليه، فإذا ما تم استبعاد مرويات التاريخ والسياسة، فإنه يمكن حينئذ إعادة صياغة موقف ديني تجتمع عليه الأمة.

أما أن تكون الرواية، كما هو منهج كثير من الفقهاء والمفسرين، هي المعبرة عن الموقف القرآني، فذلك شطط في القول، وإمعان في التفرق الديني! فالقرآن الكريم، هو المصّحح للموقف الديني، وليس الرواية، لقول رسول الله:” ما جاءكم عني أعرضوه على القرآن، فما وافقه خذوا به، وإلا فهو زخرف”.

فالتصويب  الديني والتاريخي يبقى شأنًا قرآنياً بعدما تشوّه تاريخ الأمة بالخرافة الحديثية، المخالفة في أكثرها للقرآن الكريم، وهذا ما يدعونا جميعًا إلى تجاوز صراعات المذاهب والأحزاب، ليكون القرآن هو الوجهة في التصويب ومنع الخلل في المنهج الإسلامي.فالفرق والمذاهب، هي إنما وجدت في أصل تكوّنها، لأجل أن يكون القرآن الكريم بعيدًا عن صياغة الموقف الديني!، فكيف يمكن لنا تصحيح الخلل، أو تصويبه بما كان سببًا فيه؟  والسلام

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل