بقلم الکاتب والباحث اللبنانی فی الدراسات الاسلامیه “السيد بلال وهبي”
قال الله تعالی فی القرآن الکریم: *وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿سورة الأنعام: 123﴾*
*لا* يخلو مجتمع من أكابر مجرمين، أصحاب نفوذ وسلطة، وهذا ما يقترب في بعض صوره مما يعبّر عنه في المصطلح المعاصر (الدولة العميقة)، يقاومون الحق، ويوظفون إمكاناتهم من المال، والسلطة، والجاه، لاستقطاب الناس، ولا سيما أصحاب التأثير الأكبر في المجتمع، وحماية الفساد، وإبقاء المجتمع خاضعًا لمنظومة من المصالح والامتيازات التي تخدم مصالحهم وتعمل المنظومة على الدفاع عنها، وتحرص على إدامة تأثيرها.
*تلك* هي الحقيقة التي تشير إليها الآية الكريمة، أن الفساد في بعض المجتمعات لا يكون فرديًا، ولا عارضًا، وإنما تقف وراءه منظومة كاملة من (أكابر مجرمين) ترعاه وتوجهه وتحميه وتؤثر في معاييره، وتحدد ما الذي يُسمح بظهوره إلى العلن، وما الذي ينبغي أن يظل في الخفاء، مع الحرص على أن تجعل (المنظومة) مصالحها الخاصة تبدو وكأنها مصلحة لعامة الناس.
*هذه* المنظومة المجرمة تستفيد من خلل قانوني، أو سياسي، أو اقتصادي، أو اجتماعي، وقد يحميها غطاء ديني، وهو من أخطر أنواع الحماية، لأنه يجعل المسَّ بها اعتداءً على الدين نفسه، وبسبب الخلل والحماية يصبح الإصلاح بالنسبة إلى المنظومة المجرمة تهديدًا لمصالحها، لا فرصةً للقضاء على الفساد وبناء مجتمع صالح، ولذلك تجد في الإصلاح والمصلحين خطرًا على موقعها ومكاسبها وامتيازاتها.
*ومن* هنا نفهم لماذا قد لا تخرج تلك المنظومة المجرمة إلى العلن، ولا تواجه المصلحين مواجهة فكرية صريحة، لأنها تخشى أن تنكشف أو تفقد قدرتها على التحكُّم والتأثير، ولهذا تعتمد (المكر والخداع والتضليل) وسيلة فعّالةً تحميها من جهة، وتبقيها خارج المراقبة، وتتمكن بواسطة ذلك من التأثير في الأوساط، والإمساك بزمام الأمور من خلال أشخاص تبدو أيديهم نظيفة.
*وهذا* ما كشفت عنه الآية الكريمة بالقول: *﴿لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾* والمكر يدل على التدبير الخفي، ثم استُعمِل للدلالة على التدبير القائم على الإخفاء والخداع وإيهام الآخرين بالخير.
وتقديم الظلم في صورة النظام، والاستبداد في صورة الاستقرار، والامتيازات الخاصة في صورة ضرورات تقتضيها المصلحة العامة، وتشكيل وعي المجتمع بطريقة تجعله يتقبل ما يضرّه، أو يدافع عن استنزاف حقوقه، أو يعادي من يعمل على إصلاح واقعه، وهذا ما نراه جليًا اليوم في لبنان، وفي العالم.
*ومن* هنا فإن المنظومة المجرمة لا تكتفي بممارسة الظلم، بل تعمل على إقناع المظلوم بأن ما يقع عليه ضرورة لا بد منها، وأن مصلحته تكمن في قبولها، وأنها قدر لا يمكن ردُّه بل يجب التعايش معه، وهي بهذا تصنع الفساد ولا تكتفي بالاستفادة منه أو تبريره.
*ولا* يقتصر الأمر على ما سبق، فإن رعاية المنظومة المجرمة للفساد يحوله إلى تيار اجتماعي ولا يبقيه محصورًا في أيديها، فينتج عن ذلك بيئة تسمح بتكاثر الفساد وتفشِّيه، وتدفع الآخرين إلى التكيِّف معه، أو المشاركة فيه، أو الانتفاع من آثاره.
*هكذا* يصبح المجتمع فاسدًا، بل يصبح الفساد هو الأصل، وهو “المعروف” والصلاح والإصلاح هو “المنكر”. وهنا تتضح دلالة قوله تعالى: *﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ﴾* فالمكر لا يصيب الآخرين المستهدفين، بل يفسد البيئة التي يعيش فيها الماكرون أيضًا، فترتد سهامه عليهم، ويصبح المجتمع كله غير آمن، لا يثق فيه أحد بأحد، ولا يأمن فيه أحد من أحد.
*يبقى* أمر في الآية يجب التوقف عنده، وهو قوله تعالى: *﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا﴾*. فإذا كان الله هو الذي جعل في المجتمعات أكابر من المجرمين، فهل يعني أن الله يريد منهم أن يمارسوا المكر والفساد؟ وأين تقع مسؤوليتهم عن الجريمة؟
*ولقد* أجبنا في مقالة سابقة على هذا التساؤل، وذكرنا أن نسبة الجعل إلى الله تعالى لا تعني أنه أجبر هؤلاء على الإجرام أو أراد منهم ممارسة المكر والفساد، وإنما تعني أن وجودهم وقدراتهم والإمكانات التي يستخدمونها لا تخرج عن سلطان الله وتقديره.
فالإنسان يستمد وجوده وقدرته من الله، لكنه يختار كيفية توظيف ما وهبه الله من إمكانات، فقد يستخدمها في الخير، وقد يستخدمها في الشر والظلم. ومن هنا فإن نسبة الجعل إلى الله لا تسقط مسؤولية الإنسان عما يختار، ولا تعني أن الله يرضى بأفعاله، بل تجري أفعال البشر ضمن النظام الذي خلقه الله، وجعل فيه للإنسان قدرة على الاختيار، ورتَّب على اختياره المسؤولية والجزاء.





