بقلم الكاتب والباحث اللبناني في الدراسات الاسلامية “السيد بلال وهبي”
قال الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴿سورة الأنعام: 44﴾
لماذا نرى الدول الطاغية الظالمة آمنة مستقرة تمتلك ثروات عظيمة، وقدرات عالية، ورخاء اقتصادي، ونفوذًا واسعًا، وتنعم باستقرارٍ سياسيٍ يمتد لسنوات بل لعقود من دون أن تظهر عليهم عواقب ظلمهم وطغيانهم.
هذا السؤال يراود أذهان الغالبية العظمى من المستضعفين المظلومين، ويزداد إلحاحًا حين يزداد الظلم ويتعاظم الطغيان، وينتشي القتلة المجرمون بجرائمهم، ويفاخرون بعدد من يقتلون من الناس.
الآية الكريمة، التي نتفيأ ظلالها اليوم، تجيب على هذا السؤال، وتدعونا بداية إلى ضرورة أن نصحح فهمنا للعلاقة بين النعم والعقوبة الإلهية، فنحن نرغب في أن يعقب الظلمَ عقاب فوري، وأن نرى الظالمين قد هلكوا سريعًا. لكن الآية الكريمة تكشف عن سُنَّة الله في معاقبة الظالمين، أن يمدّهم في طغيانهم يعمهون، ويتخبطون، ويفتح عليهم أبواب الدنيا، لتكون النِّعَم حجّة عليهم من جهة، وليطمئنوا إلى حالهم ويفرحون بما أوتوا من جهة أخرى، فيغفلون عن أخطائهم ونقائصهم، ويحسبون أن لا شيء يهددهم، فتبدأ عوامل زوالهم من داخلهم وهي عوامل عادة ما يغفلون عنها، أو يهملون أمرها.
تقول الآية الكريمة: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾. إن امتلاك قوة كبيرة مع استغراق أصحابها في الشعور بالتفوق، وتوهّمهم أن قدرتهم على التحكم في الواقع تعني قدرتهم على التحكم في النتائج والعواقب، تدفعهم إلى الغفلة عن أخطائهم من جهة وإلى الغرور من جهة أخرى، فيؤول أمرهم إلى عواقب وخيمة لم يحسبوا لها حسابًا.
ولطالما رأينا كيف قد يدفع التفوق الاقتصادي أو العسكري أو التكنولوجي أصحابه إلى الاعتقاد بأنهم قادرون على تجاوز كل عقبة، وتدمير كل مخالف، وإسكات كل معارض، وأن مصالحهم ستظل محمية مهما فعلوا، ومع ترسُّخ هذا الوهم تتراجع قدراتهم على إدراك حدود القوة، ويستخفُّون بقدرات الآخرين، ويحسبون أنهم لقمة سائغة سهلة المنال.
وهكذا قد تتحوّل القوة والنجاحات المتراكمة إلى عوامل في إنتاج الأخطاء، فالقوة إذا لم تفهم على حقيقتها قد تخلق الغرور في النفس، وتدفع أصحابها إلى الاستخفاف بالآخرين، والغفلة عن مواطن الضعف، واتخاذ قرارات لا تراعي حدود القدرة ولا تعقيدات الواقع ولا ردود أفعال الآخرين.
وبهذا تتكامل عوامل سقوطهم وهم في عِزِّ قوتهم واقتدارهم، وهذا أمر عجيب حقًا، إذ يفترض أن تعاظم قوتهم يجعلهم واثقين من البقاء والهيمنة والسيطرة، لكن اغترارهم بها وغفلتهم عن مكامن الضعف لديهم يهيّئ لسقوطهم المباغت، من هنا تأتي خاتمة المشهد: ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾. إن الذين يستغرقون في النعم والقوة والمكانة تفاجئهم عاقبتهم لأنهم لا يتوقعونها، فما نجحوا به في الماضي لا يعني أن ينجحوا به في الحاضر والمستقبل، وتفوقهم لا يضمن لهم السيطرة على الواقع كله، والإمهال لهم من قبل رب العالمين لا يعني أنهم باقون على قوتهم.
في هذا السياق تنبهنا الآية الكريمة إلى مغبّة الانبهار بقوة الطغاة، فإن الانبهار بقوتهم، وتوَهُّم أنها باقية خالدة، يزرع اليأس في نفوس المظلومين وأهل الحق، وقد يتصورون أن الفارق الكبير بينهم في الإمكانات يعني أن النتيجة محسومة، وأن المستضعفين المظلومين عاجزون عن تغيير الواقع.
ولذلك ينبغي أن نقرأ الآية في الاتجاهين معًا: فهي تحذِّر الظالمين من الاغترار بما أوتوا، وتحذّر المظلومين من تعظيم ما أوتي الظالمون والشعور بالعجز المطلق أمامهم، مما قد يجعلهم منقادين لهم لا إراديًا، ومعجبين بتقدمهم العلمي أو العسكري أو الاقتصادي، وهذا قد يدفعهم إلى تبني قيمهم ونمط حياتهم.
يبقى أن أشير إلى نقطة شديدة الأهمية، وهي أن انتظار سقوط الظالمين بسبب اغترارهم بقوتهم لا يعني أن يكتفي أهل الحق بالانتظار، من دون أن يبادروا إلى مواجهتهم بما يستطيعون، فالإيمان بأن الظلم يقود أهله إلى الهلاك لا يعفي المظلومين من مقاومة الظالمين.





