هندسة «الردع الأقصى

افتتاحية صحيفة “صوت_إيران” الإلكترونية، العدد ٥٠٣، الصادرة من موقع؛ KHAMENEI.IR

📩 رؤية صحيفة «صوت إيران» بشأن التدابير العسكرية الجديدة للقائد الأعلى للقوات المسلحة، في افتتاحية العدد الجديد..

📝 إن الأمر الأخير الذي أصدره القائد الأعلى للقوات المسلحة إلى كبار قادة القوات المسلحة، يمثل وثيقة عملياتية لإعادة ضبط منطق الردع الإيراني، في ظل مرحلة تشهد فيها العقيدة العسكرية للبلاد انتقالًا من «الدفاع التفاعلي» إلى «الردع الهجومي متعدد المستويات».

وفيما يلي، نستعرض أبرز المحاور الأساسية لهذا الأمر من المنظورين العقائدي والاستراتيجي.

1. *ماذا يعني «تعميق الدفاع الوطني في العقيدة والتكتيك»؟*

▪️ تشير هذه العبارة تحديدًا إلى المسار الذي بدأت به الجمهورية الإسلامية منذ عقد الثمانينيات، وتسعى اليوم إلى الارتقاء به إلى مستوى جديد؛ وهو توطين القدرات، ليس في مجال إنتاج الأسلحة فحسب، بل في «منطق خوض الحرب» أيضًا.

▪️ على المستوى العقائدي، يعني ذلك الابتعاد عن النماذج الغربية التقليدية، والاعتماد على «هندسة دفاعية» مستمدة من تجربة الحروب المفروضة الثلاث، والجغرافيا الإيرانية، ومتطلبات مواجهة التهديدات الحديثة.

ويتمثل جوهر هذه العقيدة في الحرب غير المتكافئة؛ فبدلًا من الدخول في منافسة مع التفوق الجوي والبحري للعدو، ينصب التركيز على «تحميله التكاليف».

وكما أكد المتحدث باسم القوات المسلحة، فإن النهج غير المتكافئ لإيران يقوم على «مواجهة أسلحة العدو الباهظة والثقيلة باستخدام تجهيزات دفاعية أقل كلفة، لكنها أكثر فاعلية».

▪️ وقد جرى تفعيل هذه العقيدة في إطار مفهوم «الدفاع الفسيفسائي»، الذي يقوم على توزيع منظومة القيادة والسيطرة، وتفويض صلاحيات اتخاذ القرارات التكتيكية إلى المستويات الأدنى، وتحويل كل وحدة إلى جزء مستقل من فسيفساء متكاملة، بحيث لا يؤدي تدمير جزء منها إلى انهيار المنظومة بأكملها.

▪️ أما على المستوى التكتيكي، فإن التوطين يعني أن التكتيكات القتالية لا تستمد من الكتب العسكرية الأجنبية، بل تنبثق من «ثقافة الثورة الإسلامية» ومفاهيم مثل التضحية والإيمان والمعنوية.

وهذا الارتباط بين العقيدة والتكتيك والقيم الدينية ليس أمرًا عارضًا؛ ففي السياسة الدفاعية الإيرانية، يرتبط الدفاع عن الحدود ارتباطًا وثيقًا بـ«صون البنية السياسية والهوية الثورية»، فيما تستمد شرعية الدفاع من مزيج من القيم الدينية والتاريخية.

▪️ وعليه، فإن «تعميق الدفاع الوطني» يعني أن منطق خوض الحرب لدى إيران يجب أن يكون نابعًا من الداخل، ومستقلًا بذاته، وقادرًا على الصمود أمام الضربات القاسية، لا قائمًا على تقليد العدو.

2. *«الرد الفوري والمؤثر ومن دون قيود جغرافية»: نهاية معادلة «حصر المواجهة»*

▪️ يمثل هذا الجانب أحد أهم أبعاد الأمر. فاجتماع القيود الثلاثة: «الفورية» و«التأثير» و«انعدام القيود الجغرافية»، يرسم عقيدة للرد تعيد تعريف منطق الردع التقليدي.

▪️ إن عبارة «من دون قيود جغرافية» تعني أن إيران لم تعد تحصر ردها ضمن الحدود الجغرافية للمكان الذي وقع فيه العدوان.

وهذا هو تحديدًا منطق «وحدة الساحات»؛ فالاعتداء على أي ساحة من ساحات المقاومة يستدعي ردًا من الساحات الأخرى، بما يمنع العدو من إدارة كلفة المواجهة عبر تجزئة جغرافيتها.

▪️ وتحل هذه الاستراتيجية عمليًا ما يمكن تسميته بـ«التوسع الأفقي» للمواجهة محل الرد المتكافئ؛ إذ يتعرض العدو للضغط في كل نقطة من نقاط ضعفه، وليس في النقطة التي شن منها هجومه فحسب.

▪️ أما قيد «الفورية»، فينقل مفهوم الردع من «التهديد بالرد في المستقبل» إلى «التهديد بالرد في اللحظة الراهنة».

▪️ والنتيجة هي ردع لا يقوم على «الخوف من العواقب اللاحقة»، بل على «حتمية تحمّل الكلفة الفورية».

3. *«تحديث بنك الأهداف»: استهداف الممتلكات المادية وغير المادية*

▪️ إن التوجيه بتحديث بنك الأهداف، بحيث تصبح «مختلف الممتلكات المادية وغير المادية للعدو الأمريكي الصهيوني» ضمن دائرة الاستهداف، يحمل رسالتين استراتيجيتين.

▪️ أولًا: توسيع نطاق الأهداف، بحيث لا يقتصر على الأهداف العسكرية وحدها، بل يشمل البنى التحتية الاقتصادية والمالية والسيبرانية والإعلامية وغيرها.

وهذا يعني أن الحدود الفاصلة بين «الهدف العسكري» و«الممتلكات غير العسكرية للعدو» أصبحت أقل وضوحًا في منطق الردع الإيراني.

وكان هذا المستوى من الرد مدرجًا بالفعل ضمن أجندة القوات المسلحة خلال «حرب رمضان»، لكنه، من دون شك، سيكتسب أبعادًا جديدة في ضوء الأمر الأخير الصادر عن قائد الثورة الإسلامية.

▪️ ثانيًا: يحوّل هذا التوجيه الردع إلى معادلة متبادلة وشاملة؛ إذ لن يكون العدو قادرًا على الاطمئنان إلى أن ممتلكاته العسكرية وحدها هي المعرضة للتهديد.

فكل ممتلكات تُستخدم بوصفها «أداة لممارسة القوة» ضد إيران، يمكن أن تُعدّ، من الناحية النظرية، هدفًا مشروعًا.

وهذا هو منطق «فرض الكلفة» الذي يدفع العدو، في الأدبيات الاستراتيجية، إلى تحمّل تكاليف تفوق بكثير المكاسب التي يمكن أن يحققها من وراء أي تحرك.

4. *«وحدة الساحات» والنظام الجديد لغرب آسيا: أبعد من مجرد تكتيك عسكري*

▪️ وصف القائد العام للقوات المسلحة «وحدة الساحات» بأنها ليست مجرد تنسيق تكتيكي، بل «متغير حاسم ذو تأثير استراتيجي في تشكيل نظام سياسي وأمني جديد في غرب آسيا».

وهذه عبارة محورية؛ إذ تنظر إيران إلى «وحدة الساحات» باعتبارها هندسةً للنظام الإقليمي، لا مجرد أداة للحرب.

وفي هذا الإطار، فإن «وحدة الساحات» ليست حلفًا عسكريًا شبيهًا بحلف شمال الأطلسي (الناتو)، بل هي «تضافر طوعي بين جبهات المقاومة في مواجهة التهديدات المشتركة».

ومن وجهة النظر الإيرانية، فإن هذا التضافر يتحدى النظام السياسي والأمني القائم، الذي تأسس على التفوق الأحادي للولايات المتحدة وإسرائيل، ويمهّد الطريق أمام «اتحاد الشعوب والحكومات الإسلامية».

وعلى المستوى الخطابي والفكري، تتشكل المقاومة في «العقول والأفكار» قبل أن تتجسد على أرض الميدان، ويُعاد إنتاجها من خلال اللغة والروايات المشتركة.

وبناءً على ذلك، فإن الأمر الأخير لا يمثل مجرد توجيه عسكري، بل تأكيدًا لمشروع يهدف إلى بناء نظام إقليمي جديد، تعرّف فيه إيران المقاومة باعتبارها ركيزةً لـ«نظام جديد» في مواجهة النظام الأمريكي الصهيوني.

وفي هذا الأمر، تؤدي «الجاهزية القتالية الذكية»، بوصفها متطلبًا لـ«الردع الأقصى»، إلى تفعيل مجموعة من العناصر المترابطة:

▪️ العقيدة والتكتيك الوطنيان؛

▪️ البنية المعلوماتية العسكرية والتقنيات الحديثة؛

▪️ بنك أهداف واسع النطاق (مادية وغير مادية)؛

▪️ الرد من دون قيود جغرافية؛

▪️ وحدة الساحات.

والنتيجة هي منظومة ردع تقوم، بدلًا من «التهديد بالانتقام»، على «حتمية تحمّل الكلفة في كل مستوى وفي كل نقطة».

إن الأمر الأخير يرتقي بهذه المنظومة من مستوى «القدرة» إلى مستوى «العقيدة المعلنة»؛ إذ ينبغي للعدو أن يدرك الآن أن أي تهديد سيُواجَه برد فوري ومؤثر ومن دون قيود جغرافية، وأن إيران هي التي ستحدد «زمان انتهاء المواجهة وشروطها»، لا الطرف الذي بدأ العدوان.

🗞️#روزنامه_صداى_ايران
💻 Farsi.Khamenei.ir
—
ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل