كأنّ جميع تلك التعلّقات والمعبودات لم تكن سوى سراب. فلا يبقى خبرٌ عن المال، ولا عن الأهل والعيال، ولا عن القوّة، ولا عن العلم، ولا عن الشهرة، وبوجهٍ عام عن أيّ تعلّق غير إلهي كان قد شغل الإنسان بذاته وأبعده عن طريق العبوديّة لله الواحد الأحد؛ وكأنّها لم تكن موجودة أصلًا.
يقول الله تعالى في القرآن الكريم:
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۚ أُولَٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾. (سورة الأعراف، الآية 37)
الشرح:
إنّ الإنسان في هذه الدنيا يواجه تعلّقات متعدّدة ومتنوّعة؛ تعلّقات قد تتحوّل أحيانًا إلى معبوداتٍ للإنسان، فتستولي على روحه وكيانه بالكامل، وتضع له خارطة طريق لحياته.
ولكي يدرك الإنسان السعادة الدنيويّة والأخرويّة، ويكون على الصراط المستقيم، لا بدّ له أن يحرّر نفسه من ألوان هذه التعلّقات الدنيويّة؛ وإلّا فلن تُتاح له أبدًا أجنحة الطيران نحو المعبود الواحد المتفرّد، لأنّ ثِقَل هذه التعلّقات يمنعه من الحركة. فمن أراد الطيران، وجب أن يكون خفيف الحمل.
والنقطة المهمّة هنا أنّه إن لم نتحرّر اليوم من هذه التعلّقات غير الإلهيّة بإرادتنا، فإنّها ستتركنا يومًا لا محالة؛ يوم تنكشف لنا فيه حقائق الأمور على ما هي عليه.
إنّ لحظة الاحتضار هي تلك اللحظة التي يُبصِر فيها الإنسان، بكلّ وجوده، حقائق يعجز الآخرون عن إدراكها.
وفي تلك اللحظة، حين تأتي الملائكة لقبض روح الإنسان، يسألونه عن معبوداته؛ أي عن تلك التعلّقات نفسها التي لم يكن مستعدًّا لتركها في الدنيا.
فيكون جواب الإنسان على سؤال الملائكة هو ذاته الذي حُذّرنا منه مرارًا في الدنيا: «ضَلُّوا عَنَّا»
«لقد ضاعوا كلّهم وتلاشوا عنّا».
وكأنّ جميع تلك التعلّقات والمعبودات لم تكن سوى سراب. فلا يبقى شيء من المال، ولا من الأهل والعيال، ولا من القوّة، ولا من العلم، ولا من الشهرة، ولا من أيّ تعلّق غير إلهي كان قد شغل الإنسان وأبعده عن طريق عبوديّة الله الواحد الأحد؛ وكأنّها لم تكن موجودة قطّ.
ومن هنا يستيقظ الضمير الذي كان غارقًا طوال العمر في نوم الغفلة، فينهض بوصفه أوّل قاضٍ في محكمة العدل الإلهي، ليقدّم التقرير والشهادة ضدّ صاحبه!
ولذلك، ينبغي الاستيقاظ قبل الموت، وإزالة غبار الغفلة عن صفحة الضمير.
وفي تحذيرٍ بليغ، يقول أمير المؤمنين عليّ عليه السلام: «أَهْلُ الدُّنْيَا كَرَكْبٍ يُسَارُ بِهِمْ وَهُمْ نِيَامٌ.». (نهج البلاغة، الحكمة 64)
وفي حديثٍ آخر يقول عليه السلام: «النَّاسُ نِيَامٌ فَإِذَا مَاتُوا اِنْتَبَهُوا.» (عيون الحكم، ج 1، ص 66)
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





