خاص بشبكة الاجتهاد: إنّ مسألة إمكان قيادة النساء للدراجات النارية ومنحهنّ رخص القيادة، وإن بدت في ظاهرها قضية اجتماعية أو مرورية، إلا أنّها أخذت تتحوّل تدريجياً إلى أحد اختبارات الفقه الشيعي في عصرنا الحاضر. اختبارٍ لا يُقاس فيه مجرّد حكمٍ فردي، بل تُختبر فيه قدرة «الفقه الحكومي» على تنظيم العلاقة بين ثوابت الشريعة واحتياجات المجتمع المتغيّرة تنظيماً عقلانياً عادلاً.
إنّ ردود الفعل الاجتماعية المتباينة تنبع من هذه النقطة بالذات؛ ففريقٌ يراها تراجعاً عن القيم، وفريقٌ آخر يعدّها استجابة عقلائية لضغوط الحياة اليومية الواقعية. غير أنّ جوهر المسألة لا يكمن في هذه الازدواجيات، بل في الإجابة عن السؤال الجوهري: هل بلغ نظام الحوكمة في الجمهورية الإسلامية ـ القائم على الفقه الحكومي ـ درجةً من النضج تمكّنه من إدارة هذا التعارض أم لا؟
في المدرسة الفقهية للإمام الخميني (قده)، لم يكن الفقه مجموعة أحكام منفصلة عن الواقع، بل أداةً لـ«تدبير شؤون المجتمع». وقد أكّد الإمام (قده) مراراً أنّ الفقه ـ إذا فُهم على وجهه الصحيح ـ هو في جوهره فقه السياسة وإدارة المجتمع. ومن هذا المنطلق، ينبغي النظر إلى مسألة قيادة النساء للدراجات النارية لا من زاوية «الحكم التكليفي الفردي» فحسب، بل في أفق «المصلحة العامة» و«مقاصد الشريعة».
كما ينبغي فهم الاستفتاء الموجّه إلى المراجع العظام، وما صدر من أجوبة عن سماحتي آية الله السبحاني وآية الله نوري همداني، في هذا الإطار. ورغم أنّ بعض الوسائل الإعلامية تحاول ـ بدوافع سياسية ـ توظيف المسألة، فإنّ غايتنا وغاية عامة الباحثين هي النظر العقلاني الرامي إلى تقديم التدبير الرشيد وتمهيد الطريق أمام متّخذي القرار في القضايا الاجتماعية.
وهذه الفتاوى، وإن بدا أنّ إحداها صيغت بلغة سلبية والأخرى بلغة إيجابية، إلا أنّهما تشتركان في أفقٍ واحد، وهو اشتراط عدم إثارة نظر الأجنبي في جواز قيادة المرأة للدراجة. فهذا المنهج لا يفهم الحكم الشرعي بوصفه مطلقاً جامداً، بل يراه تابعاً لعلّته؛ «الحكم يدور مع علّته وجوداً وعدماً». وهذه هي النقطة الفاصلة بين الفقه الحكومي والفقه الفردي.
في الفقه الفردي، يكون الأصل هو احتياط المكلَّف في أداء تكاليفه؛ أمّا في الفقه الحكومي، فإنّ الحاكم الشرعي مكلَّفٌ بترجيح المصلحة العامّة. وحين تبلغ حركة النساء لأجل العمل، أو الدراسة، أو رعاية الأسرة، أو المشاركة الاقتصادية مستوى «الحاجة العامة»، بل في بعض الموارد «الضرورة الاجتماعية»، فإنّ المنع المطلق لوسيلةٍ من وسائل النقل قد يتحوّل هو نفسه إلى ضررٍ راجح؛ ضررٍ لا يمسّ المعيشة فحسب، بل يطال الكرامة الإنسانية أيضاً، وقد يفضي ـ كما في أحداث سنة 1401 هـ ش (2022م) ـ إلى أزمةٍ مدمّرة في نطاق القيم الاجتماعية.
ومن منظور مقاصد الشريعة، فإنّ حفظ العفّة هدفٌ جادّ وأساسي، غير أنّه لا ينبغي أن يؤدّي إلى تعطيل مسيرة الحياة، بل المطلوب أن تُدار عجلة الحياة مع صيانة القيم وتعديل الأنماط السلوكية. فإذا أمكن لوسيلةٍ ما أن تحقّق هذا الهدف من غير إحداث مفسدة، فإنّ الفقه لا يقف حجر عثرةٍ في طريقها، بل يكون مكلَّفاً بتقديم هذا البديل. وهذا هو المنطق المتجذّر في قواعد من قبيل: «المشقّة موجبة لليسر».
كما أنّ تجربة مجتمعاتٍ إسلاميةٍ أخرى تؤيّد هذا المنحى؛ حيث يسعى الفقه، بالاستناد إلى العرف العقلائي والسياسات الشرعية، إلى الجمع بين القيم الدينية والحاجات الاجتماعية؛ لا بمنهج الاستسلام للقيم الغربية، ولا بإنكار واقع الحياة، بل بعين الواقعية الرشيدة.
وقد شهدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية سابقاً تجربةً ناجحةً في تصميم الأزياء الرياضية للنساء في المحافل الدولية، بما يبرهن على إمكان حفظ المقاصد والقيم عبر تغيير الوسيلة، وابتكار نموذجٍ جديد يُعرَض على العالم. ومنطق المدرسة الفقهية الشيعية، كما قرّره الإمام الخميني (قده)، يسير على هذه القاعدة: «إنّ الدين وُضع لهداية حياة الإنسان وتيسيرها، لا لإغلاقها وتعطيلها».
وعلى هذا الأساس، فإنّ الحلّ الفقهي لمسألة قيادة النساء للدراجات النارية لا يكمن في النفي المطلق ولا في الإباحة غير المقيّدة، بل في «الفقه المعالِج للمشكلات»؛ وخلاصة القول: إنّ منطق الحكم الشرعي يقتضي البحث عن معالجةٍ ترفع علّة التحريم.
فإنّ تصميم وسيلة نقلٍ ثنائية العجلات مخصّصة للنساء ومزوّدة بغطاءٍ ساتر، بحيث تنتفي معها إثارة نظر الأجنبي ويُصان بها مقام الكرامة الإنسانية، يُعدّ مصداقاً واضحاً لـ«رفع العلّة المحرِّمة». وفي مثل هذه الحالة، لا يكون تغيّر الحكم بدعةً ولا تراجعاً، بل هو عين الوفاء لمنطق الاجتهاد الشيعي.
غير أنّ تحقيق مثل هذا الحلّ يتطلّب حوكمةً ذكيّة؛ بدءاً من سنّ ضوابط قانونية واضحة، مروراً بصناعة ثقافة اجتماعية مناسبة، وانتهاءً بتشكيل اجتهادٍ مؤسّسي يجمع بين الفقهاء، والمتخصّصين التقنيين، وخبراء العلوم الإنسانية، بما يهيّئ الأرضية لقرارٍ سليم ومسارٍ تنفيذي رشيد في هذا الشأن.
إنّ النظام الإسلامي قادر ـ في هذه المسألة ـ على تقديم حلٍّ شرعيٍّ محلّيٍّ فعّال، لا يقتصر أثره على معالجة تحدٍّ اجتماعي، بل يقدّم «برهاناً عملياً» على حيوية الفقه الحكومي. وعندئذٍ لن تكون قيادة النساء للدراجات مسألةً هامشية، بل ستغدو رمزاً لقدرة النظام الإسلامي الحضارية على الجمع بين العفّة والحياة، وبين القيمة والحاجة، وبين الشريعة والتدبير؛ وهو ما يمكن تسميته بـ«فرصةٍ لاجتهادٍ معاصرٍ متجدّد».
الكاتب: الدكتور محمد رضا فارسيان، باحث وأستاذ جامعي.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





