الحلقاتُ الوسيطة؛ التوجيهُ المستمرّ للشباب الملتزم نحو الحركة العامّة

الحلقات الوسيطة: هو مفهومٌ طُرح في خطاب سماحة القائد في 22 أيّار 2019م، ويُراد به الجهات المسؤولة عن هداية وقيادة دخول الشباب المتديّنين إلى الحركة العامّة في البلاد، لا حلّ المشكلات الجزئيّة ولا القيام بدور الوساطة البيروقراطيّة.

فهذه الحلقات، من خلال التخطيط والعمل المستمرّ، تتكفّل بتنظيم التيّار الإنساني، وتهيئة فرص المشاركة الفاعلة للشباب في الساحة العامّة.
القسم الأوّل: الصورة الكلّية

إنّ مصطلح الحلقات الوسيطة استُخدم لأوّل مرّة في الخطاب التفسيري لسماحة القائد حول بيان الخطوة الثانية للثورة، في 22 أيّار 2019م. وقد قُدّمت لهذا المفهوم تفسيرات متعدّدة؛

فذهب بعضهم إلى اعتباره مجموعات شعبيّة لحلّ مشكلات البلاد،

وفسّره آخرون على أنّه مؤسّسة وسيطة بين الحاكميّة والأمّة،

ومن أغرب تلك التفسيرات ما اعتبر الحلقات الوسيطة نظريّةً جديدة في الحَوكمة، أو دليلاً على تجاوز سماحة القائد لفكرة بناء الدولة إلى مشروع بناء المجتمع، ونحو ذلك من الأقوال.

وأمّا سبب هذا التعدّد في الفهم والتأويل، فهو أمرٌ يحتاج إلى بحثٍ مستقلّ.

المدخل الصحيح إلى التفسير

للوصول إلى فهمٍ دقيق، لا بدّ أوّلاً من الرجوع إلى بيان الخطوة الثانية نفسه؛ إذ إنّ هذا البيان يشتمل على وصفٍ للواقع وتوصيةٍ بالمستقبل.

وقد لخّص سماحة القائد هذا البيان في أربعة محاور أساسيّة:

  1. عظمة حادثة الثورة الإسلاميّة
  2. عظمة الطريق الذي قُطع وأداء الثورة إلى اليوم
  3. عظمة الأفق المنشود الذي ينبغي الوصول إليه
  4. عظمة دور القوّة الشابّة المؤمنة المتعهّدة

وأمّا جانب التوصية في هذا البيان، فيتمثّل في دعوة الشباب المتديّنين إلى أداء دورٍ فاعل، مؤثّر، ومسؤول في الخطوة الثانية من الثورة الإسلاميّة؛ حيث يطرح سماحته في ختام البيان الاتّجاهات الأساسيّة ضمن ستّة عناوين محوريّة ترسم مسار الحركة المقبلة.

إنّ خطاب سماحة القائد في 22 أيّار 2019م يتمحور في الواقع حول المحور الرابع. فهو يرى أنّ التحرّك نحو الأهداف السامية لا يمكن أن يتحقّق إلّا من خلال حركةٍ عامّة، وهو عين ما أكّده في البيان حين قال:

«الإرادةُ الوطنيّة هي جوهرُ التقدّم الشامل والحقيقي».

والشبابُ المتديّنون المتعهّدون هم في الحقيقة العناصرُ الأساسيّة في هذه الحركة العامّة. وفي هذا الخطاب، وبعد أن يبيّن سماحته الأفق المنشود، والحاجة إلى الحركة العامّة، ودور الشباب المتعهّد، يطرح السؤال التالي:

«حسنًا، يطرح هنا سؤال، وهو: ما هي عمليّة دخول الشباب في هذه الحركة العامّة؟ … هذا هو الأمر الذي دوّنته لأعرضه عليكم».

أي إنّ القضيّة المحوريّة في هذا الخطاب هي الإجابة عن هذا التحدّي بالذات، ومن هنا جاء طرحُ بحث الحلقات الوسيطة في هذا السياق.

ثمّ يبيّن سماحته أنّ تعزيز هذه الحركة على نحوٍ عقلانيّ ومنضبط يتوقّف على أربعة عناصر:

معرفة الساحة، والأمل، وحُسن التوجّه، والآليّات العمليّة.

ثمّ يقول في هذا الشأن:

«أمّا مسألة الآليّات العمليّة، فإنّها تحتاج إلى هداية، وتركيز، ومتابعة، ونشاطٍ متواصل، لحظةً بلحظة، لكي تتمكّن من دفع هذه القافلة الاجتماعيّة العظيمة إلى الأمام، ولا سيّما شباب المجتمع. فمن هي الجهة التي تتولّى هذا العمل؟ هذا التركيز، وصياغة برنامج العمل، واكتشاف الآليّات، وطرحها، والتخطيط لها، كلّ ذلك يقع على عاتق تيّارات الحلقات الوسيطة».

وهنا يُطرح السؤال: ما هو عمل الحلقات الوسيطة بالضبط؟ هل هو العمل المباشر من أجل تنمية البلاد؟

الجواب: كلا.

فالمراد من هذه الآليّات هو الآليّات العمليّة المرتبطة بعمليّة إدخال الشباب في الحركة العامّة للبلاد. أي إنّ الوظيفة الجوهريّة للحلقات الوسيطة هي هداية وتنظيم التيّار الإنساني.

وإلى جانب العبارة التمهيديّة التي استُفتح بها البحث، فإنّ العبارة الختاميّة تؤكّد هذا المعنى بوضوح؛ حيث يقول سماحته:

«وعليه، فإنّ هذا السؤال: كيف يمكن للشابّ أن يدخل ميدان هذه الحركة العامّة؟ برأيي له أجوبة واضحة، وقد ذكرتُ بعضًا منها».

وعليه، فإنّ تيّارات الحلقات الوسيطة هي التي تتولّى الإجابة عن سؤال عمليّة إدخال الشباب في الحركة العامّة للبلاد. وإنّ موضوع العمل والرسالة الأساسيّة لهذه التيّارات يتمثّل في هِداية وقيادة التيّار الإنساني، لا في حلّ المشكلات الجزئيّة، ولا في القيام بدور الوساطة بين مؤسّسات الشعب وبُنى الحاكميّة.

وإلى هذا الحدّ، تتّضح إلى حدٍّ كبير الإطارُ العامّ لفلسفة وجود الحلقات الوسيطة. غير أنّ سماحة القائد يورد في أثناء هذا البحث أمثلةً متعدّدة، ممّا يستدعي توضيحَ موقع هذه الأمثلة ونسبتها إلى المفهوم محلّ البحث.

ففي خطابه حول تبيين الحلقات الوسيطة، يذكر سماحته عدّة نماذج لها، ويطرح «النخب الفكريّة بين الشباب والمسؤولين»، و**«المجموعات ذات الخبرة في المجالات الثقافيّة والفكريّة»، و«التشكّلات الطلّابيّة»** بوصفها ثلاثة أمثلة في هذا السياق.

ثمّ ينتقل سماحته في متابعة الخطاب إلى ذكر أمثلة عينيّة للآليّات العمليّة، فيقول:

«حسنًا، لقد دوّنت هنا بعض النماذج؛ نماذج لأعمال يمكنها أن تُعين الجيل الشابّ على الاضطلاع بدوره ومكانته بوصفه محور الحركة العامّة في المجتمع، وأن تمنحه القابليّات اللازمة لذلك».

وينبغي الالتفات إلى أنّ سماحة القائد يظهر هنا بنفسه في موقع حلقةٍ وسيطة، ويشرع في تقديم الآليّات والسبل العمليّة. فالأمثلة التي يذكرها لاحقًا ـ مثل الورش والمجموعات الثقافيّة، ومجموعات النشاط السياسي، وإقامة كراسيّ الحوار الحرّ، والمجموعات النهضويّة، والمجموعات العلميّة ـ ليست أمثلة على الحلقات الوسيطة بذاتها، بل هي نماذج للآليّات والوسائل التي يمكن لحلقةٍ وسيطة، كالتشكّل الطلّابي مثلًا، أن تعتمدها لإدخال طلّاب الجامعات في الحركة العامّة للبلاد، وفي خدمة مسار التقدّم الوطني.

وبناءً على ذلك، يمكن تلخيص رسالة تيّارات الحلقات الوسيطة في كونها:

«صناعةَ الفرص، والهدايةَ المستمرّة والعينيّة للشباب المتديّنين المتعهّدين».

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل