في الحكمة الأربعين من نهج البلاغة: «لِسَانُ الْعَاقِلِ وَرَاءَ قَلْبِهِ، وَقَلْبُ الْأَحْمَقِ وَرَاءَ لِسَانِهِ»

لقد وهبنا الله تعالى نعمةً عظيمة اسمها اللسان، وسيلة للتحدث، وللتعبير عن المقاصد، ولتحقيق التفاهم بين الناس. وهذا اللسان يمكن أن يجلب لنا الثواب والنجاح والسعادة، وأحيانًا يكون سببًا في الأذى: فقد يجعلنا عرضة لسوء النظر، أو يؤذي سمعة الآخرين بكلام خاطئ أو بلا أساس، فتترتب على أقوالنا مفاسد.

المقصود بقول الإمام «لسان العاقل وراء قلبه» ليس القلب العضوي الذي يضخ الدم في الجسد، بل القلب بمعنى القوة الإدراكية، والفهم، والشعور، والمعرفة لدى الإنسان، كما ورد في القرآن والحديث.

المعنى: أن الإنسان العاقل قبل أن يتكلم يُفكر، يتأمل في قلبه (قوة العقل والإدراك)، ويقدر عواقب كلامه، ثم ينطق بما يناسب.

أما الجاهل فليس كذلك؛ قلبه وراء لسانه بمعنى أنه ينطق أولًا بما يخطر على باله، ثم يبدأ بالتفكير بعد ذلك: هل ما قلت صحيح أم خطأ؟ مفيد أم مضِر؟ هل أزعج أحدًا؟ هل أثّر سلبيًا في المجتمع؟ أو تسبب في مشكلة؟
وهكذا كثيرًا ما يصل إلى الندم بعد الكلام: «لماذا قلت هذا؟»

وفي الأمثال والشعر الفارسي أيضًا: “فكر أولًا، ثم تكلم.”

وفي شعر آخر: “لا تتحدث بلا تفكير، فتكلم بحكمة، ولو تأخرت قليلًا فلا بأس.”

كثيرون ممن يتحدثون أو يجرون مقابلات أو يلقيون خطبًا، يدركون بعد ذلك مدى الضرر الذي أحدثه كلامهم: هل أضعف نظامًا؟ أضر بسمعة أحد؟ أو كان حديثهم بلا دليل، مبنيًا على الكذب أو الإشاعة؟ حينها يشعرون بالندم.

إذن، العاقل هو من يطبق مبدأ: “أولًا فكر، ثم تكلم”.

في مسار الكمال الروحي والسلوك العرفاني، يوصي العارفون دائمًا بأن مرحلة مهمة من مراحل السلوك وتحسين النفس هي التحكم باللسان: ترويض الكلام، وممارسة الصمت، والحد من الكلام. يجب أن نقيّم مدى سيطرتنا على هذا العضو الذي يدور في فمنا، لأن له آثارًا حسنة أو ضارة، موحدة أو مفرقة، مفيدة أو مضرة.

لذلك، قبل أن ننطق بأي كلمة، علينا التفكير في صلاحها وفسادها، في نفعها وضَرّها، في حقيقتها وصدقيتها، ثم نبدأ بالكلام.

من لم يتحكم في لسانه، حتى وإن ادعى الزهد أو الاصلاح الذاتي، فليعلم أن الخطوة الأولى الحقيقية نحو الكمال والتحرّر الداخلي هي السيطرة على اللسان.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل