إن التعلّل والتخلّف عن أداء الواجبات الدينية، وترك الجهاد في مواجهة الأعداء، كان منهجاً دائماً للمنافقين. وكلما انتشرت هذه الأعذار في المجتمع، تركت أثراً مدمّراً في السيادة الإسلامية.

بحسب تقرير وكالة أهل البيت الدولية للأنباء ـ ابنا ـ يُعدّ كتاب الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) إلى عبد الله بن عباس ـ وكان والياً على البصرة آنذاك ـ الرسالة رقم 35 في نهج البلاغة.

تنقسم هذه الرسالة إلى ثلاثة أقسام رئيسية:

القسم الأول: إعلان خبر استشهاد محمد بن أبي بكر، واستيلاء الأعداء على مصر، مع بيان صفات خاصة تميّز بها هذا الشهيد، وقد أثنى عليها الإمام (عليه السلام) ثناءً عظيماً، ويمكن اعتبار هذه الصفات من أبرز خصال كل “خادم صالح” في النظام الإسلامي.

القسم الثاني: يتناول أسباب هذا الفشل وعوامل هذا الاستشهاد، وهو أهم أقسام الرسالة. فهذه العوامل هي التي تؤدي إلى استشهاد الشخصيات الخادمة، وإلى سقوط أرض إسلامية بيد الأعداء، وإلى الحزن العميق الذي يصيب الإمام وقائد الأمة وأتباعه.

القسم الثالث: يُظهر مدى الحزن والأسى الذي أصاب أمير المؤمنين (عليه السلام) من استشهاد أحبابه وخيانة بعض الأصحاب.

وفي القسم الأوسط من الرسالة، يبيّن الإمام علي (عليه السلام) أسباب هذا الفشل بقوله:

«وَ قَدْ كُنْتُ حَثَثْتُ النَّاسَ عَلَى لَحَاقِهِ، وَ أَمَرْتُهُمْ بِغِيَاثِهِ قَبْلَ الْوَقْعَةِ، وَ دَعَوْتُهُمْ سِرّاً جَهْراً، وَ عَوْداً وَبَدْءاً، فَمِنْهُمُ الآتِي كَارِهاً، وَ مِنْهُمُ الْمُعْتَلُّ كَاذِباً، وَ مِنْهُمُ الْقَاعِدُ خَاذِلا».

«لقد حرّضت الناس على اللحاق به، وأمرتهم بنجدته قبل وقوع المعركة، ودعوتهم سرّاً وجهراً، مرة بعد مرة، من أول الأمر إلى آخره، فمنهم من جاء كارهاً متثاقلاً، ومنهم من اعتلّ بكذب وتعلّل، ومنهم من قعد متخاذلاً».

إذا اعتبرنا معنى الجهاد في الفكر الشيعي بأنه «كل فعل يمنع تسلط الأعداء»، فإن مفهوم الجهاد في العصر الحاضر يتسع ليشمل ما هو أوسع من القتال العسكري في ساحة المعركة؛ فكل جهد يمنع التسلط الثقافي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو حتى في الفضاء الافتراضي يُعدّ جهاداً. وعلى كل فرد ـ بحسب طاقته وقدرته ـ أن يجد مكانه في هذه الأبعاد المختلفة للحركة الجهادية.

وفي الرسالة 35 من نهج البلاغة، يُعرّف أمير المؤمنين (عليه السلام) ثلاث فئات:

الفئة الأولى: الذين عطّلوا الجهاد، واتخذوا ذرائع مثل «تخفيف التوتر» أو «التوازن بين الدبلوماسية والميدان» أو «الخوف من تبعات المقاومة»، فهاجموا العقيدة الجهادية وذمّوا كل حركة جهادية لمواجهة الأعداء. وقد وصفهم الإمام (عليه السلام) بـ«الْقَاعِدُ خَاذِلا» (القاعد المتخاذل).

الفئة الثانية: الذين حين يصدر أمر الجهاد، يدّعون المرض والعجز كذباً، ويعتبرون أن الأمر موجّه إلى «الآخرين» لا إليهم. وقد وصفهم بـ«الْمُعْتَلُّ كَاذِباً» (المتعلّل الكاذب). هؤلاء يحاولون دون اكتراث بعدواة الأعداء واستمرار الصراع بين الكفر والإيمان، أن يبعدوا أنفسهم عن أي توتر أو ضرر محتمل.

الفئة الثالثة: الذين يحضرون إلى ساحة الجهاد كارهين بلا رغبة ولا حماس. ومن الواضح أن هؤلاء الذين يأتون بكراهة لا يملكون إرادة حقيقية للمواجهة الجادة مع الأعداء، فيقتصرون على أدنى الإجراءات، ويبحثون دائماً عن عذر لترك الساحة.

من الجلي أن أي مجتمع يصاب بهذه الفئات الثلاث لن يتمكن من مواجهة أعدائه. وأقل ما يترتب على وجودهم في الأمة هو: وحدة الحكام الصالحين، واستشهاد المجاهدين الأبرار، وفقدان أجزاء من السيادة الإسلامية.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل