الحوزة / إنّ السيدة خديجة (سلام الله عليها)، إضافةً إلى كونها ـ بنصّ القرآن الكريم ـ الأمّ الروحية لجميع المؤمنين، كانت أمًّا صالحةً مؤمنةً ربّت في حجرها أبناءً صالحين وأبرارًا لرسول الله صلى الله عليه وآله. فقد أنجبت للنبي ستة أبناء، وربّتهم في كنفها المليء بالمحبة والحنان، وكان من بينهم السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) التي حظيت بمنزلةٍ خاصةٍ ومقامٍ فريد.

وبحسب تقرير وكالة أنباء الحوزة، وُلدت السيدة خديجة زوجة رسول الله الأكرم صلى الله عليه وآله في مدينة مكة المكرمة. وكان والدها خُوَيلِد بن أسد، ووالدتها فاطمة بنت زائدة بن الأصم.

وتزوّجت من النبي محمد صلى الله عليه وآله حين كان قد بلغ من عمره الشريف خمسًا وعشرين سنة. وعلى القول المشهور، فقد كان ثمرة هذا الزواج ستة أبناء هم: القاسم، وعبد الله، ورقية، وزينب، وأمّ كلثوم، وفاطمة (عليهم السلام). وقبل الإسلام، لُقّبت خديجة بـ«الطاهرة» لما كانت تتحلّى به من الصفات الحميدة، والفضائل الأخلاقية، والعفّة والطهارة. وكان مالها بين أهل مكة لا نظير له، وكان أهل مكة يتّجرون بأموالها على وجه المضاربة. ولمّا تزوّجت من النبي صلى الله عليه وآله وضعت كلّ ثروتها تحت تصرّف رسول الله، فكان لذلك أثر بالغ في تقوية الإسلام من الناحية الاقتصادية، وبذلت أقصى جهدها في سبيل نشره وتوسيعه.

وقد بلغ مقامها عند رسول الله صلى الله عليه وآله حدًّا جعله، طوال خمسٍ وعشرين سنة من حياته المشتركة معها، لا يتزوّج بامرأةٍ غيرها تكريمًا لها، وخصّها بأجمل وأفضل سنوات شبابه. وبعد رحيل السيدة خديجة، ظلّ رسول الله صلى الله عليه وآله يذكر محبّتها وتضحياتها على الدوام. وبحسب بعض الأقوال، فقد كانت خديجة قبل زواجها بالنبي صلى الله عليه وآله قد تزوّجت من رجلين هما: «أبو هالة بن زرارة التميمي» و«عتيق بن عائذ المخزومي». وهذه النصيرة الوفية للرسالة، وبعد خمسٍ وعشرين سنة من العيش إلى جوار خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله، انتقلت إلى جوار ربّها في السنة العاشرة من البعثة، عن عمر خمسٍ وستين سنة، وفي اليوم العاشر من شهر رمضان، فحزنت لوفاتها قلوب رسول الله صلى الله عليه وآله والمسلمين جميعًا.

وقد تولّى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله بنفسه دفن جثمانها الطاهر في مقبرة الحَجون، ومن شدّة حزنه وألمه سمّى العام الذي تُوفّيت فيه ـ وقد تزامن قريبًا من وفاة أبي طالب (عليه السلام) ـ «عام الحزن». ونظم أمير المؤمنين علي (عليه السلام) قصائد مؤثّرة وفاءً لخدمات هذين العظيمين للإسلام، عبّر في بعضها عن حزنه العميق ومصابه الجلل، ومن ذلك قوله:

**أعيني جودا بارك الله فيكما
على هالكين لا ترى لهما مثلا

على سيد البطحاء وابن رئيسها
وسيدة النسوان أول من صلى

مهذبة قد طيب الله خيمها
مباركة والله ساق لها الفضلا

فبت أقاسي منهما الهم والثكلا
مصابهما أدجى إلى الجو والهواء** (1)

أي:
يا عينيّ! جودا بالبكاء ـ بارك الله فيكما ـ على هذين العظيمين اللذين لا نظير لهما: سيّد البطحاء وابن سيّدها، وسيّدة النساء، أوّل من صلّى. تلك المرأة الطاهرة التي طهّر الله خِصالها، والمباركة التي ساق الله إليها الفضل. لقد جعلني مصابهما أقاسي الهمّ والثكل، وأظلّ أقضي الليالي في حزنٍ عميق، وقد أظلم بفقدهما الفضاء كلّه.

وفي هذا البحث نسعى إلى إلقاء الضوء على دور هذه السيدة المباركة في نشر تعاليم المدرسة التربوية الإسلامية، وتقديم نماذج لافتة من حياتها للقرّاء الكرام، على أمل أن نتعلّم من هذه الشخصية العظيمة، ونتّخذها قدوةً وأسوةً تربوية في عالم الإسلام.

1 ـ الفضائل الأخلاقية والعلمية

إنّ دراسة سيرة السيدة خديجة (عليها السلام) التاريخية تُظهر أنّها كانت، سواء في عصر الجاهلية أو بعد بعثة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله، متحلّية بالفضائل الأخلاقية والكمالات المعنوية. وقد كانت في مجتمعها نموذجًا للمرأة الفاضلة، وكان لها أثر كبير في نشر القيم الإنسانية الرفيعة. ومن أبرز فضائلها: السخاء والكرم، والإيثار والتضحية، والعفّة والطهارة، وحسن التدبير والبصيرة، والاهتمام بالمحرومين، والرحمة والعطف، والصبر والثبات؛ وهي صفات سجّلها التاريخ في صفحات حياة هذه المرأة النموذجية.

ومن هنا استحقت هذه السيدة الفريدة أن تكون كفؤًا حقيقيًا لرسول الله صلى الله عليه وآله بين زوجاته، وكان عدم زواج النبي بغيرها في حياتها دليلًا واضحًا على سموّها الروحي وكثرة فضائلها الأخلاقية، التي كان لها أثر بالغ في حياة النبي صلى الله عليه وآله. ولهذا عدّها رسول الله صلى الله عليه وآله من أفضل نساء الجنّة، إذ قال:
«أفضل نساء أهل الجنّة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون» (2).

وقد لفت وفاؤها في نصرة رسالة زوجها أنظار المؤرخين والباحثين؛ إذ كانت من أوائل المؤمنين بدعوة النبي صلى الله عليه وآله منذ اللحظات الأولى للبعثة، وظلّت ثابتةً على إيمانها حتى آخر لحظة من حياتها دون أدنى شكّ أو تردّد.

وإلى جانب فضائلها الأخلاقية، كانت تتمتّع بكمالات علمية أيضًا؛ فقد شهد التاريخ بسعة اطّلاعها على معارف عصرها، ومعرفتها بالكتب السماوية، وامتلاكها عقلًا راجحًا وحكمةً وفطنةً فاقت بها كثيرًا من نساء عصرها، بل عددًا من الرجال كذلك. وبذلك جمعت خديجة كلّ الكمالات التي يمكن أن تتحلّى بها امرأة.

وفي ضوء هذه المعطيات، أدّت خديجة، بوصفها أوّل امرأة مسلمة، دورًا محوريًا في ترسيخ الثقافة الإسلامية وتقديم النموذج الأكمل للمرأة المسلمة، وتعلّمت نساء كثيرات من سيرتها العملية دروسًا عظيمة. وتزداد قيمة هذه الفضائل حين نقارنها بوضع المرأة في عصر الجاهلية قبل بعثة النبي صلى الله عليه وآله، حيث كانت المرأة محرومةً من أبسط حقوقها، بل تُعدّ مصدر عار، وتُدفن حيّة. وفي مثل هذا العصر، أثبتت خديجة أنّ المرأة لا تملك حقّ الحياة فحسب، بل تستطيع بعملها الصالح وسعيها أن تبلغ مقامًا يُسلّم الله تعالى عليها، كما روى الإمام الباقر (عليه السلام) عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال:
«لمّا كنت ليلة المعراج، قلت لجبريل: هل لك من حاجة؟ قال: حاجتي أن تُبلّغ خديجة سلام الله وسلامي» (3).

2 ـ تربية الأبناء الصالحين

لا شكّ أنّ الأمّ تُعدّ العامل الأبرز في تربية الطفل وبناء شخصيته. وقد أدّت السيدة خديجة (عليها السلام) هذا الدور على أكمل وجه، فهي ـ إلى جانب كونها الأمّ الروحية للمؤمنين ـ ربّت أبناءً صالحين في حجرها لرسول الله صلى الله عليه وآله. وقد أنجبت له ستة أبناء، كان أبرزهم السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، التي انحدرت منها قيادة الإسلام بعد النبي وعلي (عليهما السلام).

وكانت علاقة فاطمة بأمّها علاقةً وثيقةً للغاية؛ فعند وفاة خديجة، وكانت فاطمة في نحو الخامسة من عمرها، اشتدّ بكاؤها وهي تدور حول أبيها وتقول: «يا أبتِ، أين أمّي؟». فنزل جبرئيل وقال: «يا رسول الله، إنّ الله يقرئ فاطمة السلام ويخبرها أنّ أمّها في الجنّة مع آسية ومريم» (4).

كما واسَت فاطمة أمّها في لحظات الوداع قائلةً:
«يا أمّاه، لا تحزني ولا تخافي، فإنّ الله مع أبي» (5).

وكان الأئمّة (عليهم السلام) يفتخرون بهذه الأمّ العظيمة، كما صرّح الإمام الحسن (عليه السلام) في مناظرته مع معاوية، مشيرًا إلى أثر الأمّ في سعادة الإنسان أو شقائه (6).

وكذلك استشهد الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء بمقام أمّه وجدّته خديجة للتعريف بنفسه وإيقاظ الضمائر (7).

كما ربّت خديجة أبناءً صالحين قبل زواجها بالنبي، ومنهم هند بن أبي هالة، الذي كان له دور مهم في نصرة النبي أثناء الهجرة، وكان رجلًا فصيحًا شريفًا، واستُشهد لاحقًا في حرب الجمل إلى جانب أمير المؤمنين علي (عليه السلام) (8 ـ 11).

3 ـ الاهتمام بالحاجات العاطفية للأبناء

يُعدّ إشباع الحاجات العاطفية للأبناء أصلًا تربويًا مهمًا في الإسلام، وقد كانت خديجة مثالًا للأمّ الواعية في هذا المجال. ومن الشواهد المؤثّرة في ذلك قصّتها مع أسماء بنت عميس، حين أبدت قلقها على فاطمة في ليلة زفافها، فتعهدت أسماء بأن تقوم مقام الأمّ لها (12). وقد أوفى رسول الله صلى الله عليه وآله بعهد خديجة، ودعا لأسماء دعاءً خاصًا (13).

كما أوصت خديجة النبي صلى الله عليه وآله بالرفق بفاطمة بعد وفاتها، وحذّرته من إيذائها أو التعدّي عليها (14).

4 ـ آداب المعاشرة الزوجية

من أهم البرامج التربوية في الإسلام تعليم المرأة آداب المعاشرة الزوجية، وقد جسّدت خديجة هذا الجانب عمليًا؛ فكانت مصدر سكينةٍ وطمأنينةٍ لرسول الله صلى الله عليه وآله، تعبّر له عن حبّها، وتواسيه في الشدائد، وتدعمه بمالها ومواقفها.

ومن ذلك قولها في شعرها تعبيرًا عن محبّتها:

**فلو أنّني أُعطيتُ ملك الأكاسرة
ودامت لي الدنيا وجاءت بنعمها

لما ساوى عندي جناح بعوضة
إذا لم تكن عيني لعينك ناظرة** (15)

كما كانت تُحسن عرض مطالبها بأسلوب غير مباشر، في قمّة الأدب والاحترام، حتى في لحظات احتضارها، حين أوصت بأن تُكفَّن بثوب النبي الذي نزل عليه الوحي فيه، فاستجاب الله لها وكفّنها بكفنٍ من الجنّة (16).

وقد وصف النبي صلى الله عليه وآله وفاءها بقوله:
«آمنت بي حين كفر الناس، وصدّقتني حين كذّبني الناس، وواستني بمالها حين حرمني الناس» (17).

5 ـ أسمى معايير اختيار الزوج

إنّ الزواج في الإسلام عبادة مقدّسة، واختيار الزوج الصالح هو أساس السعادة الزوجية. وقد جسّدت خديجة هذا المبدأ حين اختارت النبي صلى الله عليه وآله زوجًا لها، لا لماله ولا لمكانته الاجتماعية، بل لقربه، وصدقه، وأمانته، وكرم أخلاقه، فقالت له عند عرض الزواج:
«إنّي رغبت فيك لقرابتك منّي، وشرفك في قومك، وأمانتك، وحسن خُلُقك، وصدق حديثك» (18).

وتتجلّى عظمة هذا الاختيار حين نعلم أنّ خديجة كانت آنذاك من أشرف نساء قريش وأغناهن، وكان بإمكانها الزواج بأيٍّ من وجهائهم.


الهوامش والمصادر:
(1) بحار الأنوار، ج 35، ص 143؛ ديوان الإمام علي (عليه السلام)، ص 359؛ مستدرك سفينة البحار، ج 4، ص 73.
(2) مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام)، ج 2، ص 186.
(3) بحار الأنوار، ج 18، ص 385.
(4) أمالي الشيخ الطوسي، ص 175.
(5) ثقافة كلمات السيدة فاطمة (عليها السلام)، ص 164.
(6) الاحتجاج، للطبرسي، ج 1، ص 282.
(7) أمالي الشيخ الطوسي، ص 463.
(8) المصدر نفسه.
(9) إكمال الكمال، ج 1، ص 119.
(10) مكارم الأخلاق، ص 11.
(11) يرى بعض الباحثين أنّ خديجة لم تتزوّج قبل النبي، وأنّ هؤلاء الأبناء كانوا من أقاربها ربّتهم في كنفها.
(12) أعيان الشيعة، ج 1، ص 380.
(13) شجرة طوبى، ج 2، ص 334.
(14) المصدر نفسه.
(15) مستدرك سفينة البحار، ج 5، ص 44.
(16) خديجة، لعلي محمد علي دخيل، ص 31.
(17) بحار الأنوار، ج 43، ص 131.
(18) كشف الغمّة، ج 2، ص 132.

المصدر: الموقع التخصّصي للسيدة خديجة (سلام الله عليها).

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل