شهر رمضان المبارك فرصة للتعرّف إلى كنزٍ فريد من الحكمة والبصيرة العلوية. وفي الملفّ الخاص «الضيافة العلوية» سنكون ضيوف موائد إفطاركم، مع مقاطع من خطب نهج البلاغة، ببيان حجة الإسلام والمسلمين محمود لطيفي، المختص في نهج البلاغة.

إن الفارق الجوهري بين «السياسة العلوية» (وهي السياسة الإلهية) و«السياسة الشيطانية» يكمن في الهدف من الحكم وبلوغ السلطة. ففي جانبٍ تكون الخدمة الخالصة للناس، وفي الجانب الآخر استعراض القوة للهيمنة وطلب المنفعة.

وأثناء العودة من حرب صفّين، وفي أحد المنازل، وصلت أخبار عن تحركات معاوية، فأثارت اضطرابًا وقلقًا في صفوف جنود الإمام علي (ع). ولما رأى ابن عباس هذا الاضطراب، أحسّ بالخطر، فسارع إلى الإمام وقال: «يا أمير المؤمنين، انهض وخاطب الناس، وطمئنهم، وحدد لهم الموقف، وبيّن لهم الحقيقة».

وفي هذا السياق تشير الخطبة الثالثة والثلاثون من نهج البلاغة إلى هذه الحادثة، حيث جاء فيها:

قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: دخلت على أمير المؤمنين (عليه السلام) بذي قار وهو يخصف نعله، فقال لي: ما قيمة هذا النعل؟ فقلت: لا قيمة لها. فقال (عليه السلام): والله لهي أحبّ إليّ من إمرتكم إلا أن أقيم حقًّا أو أدفع باطلًا. ثم خرج فخطب الناس فقال:
إن الله سبحانه بعث محمدًا (صلى الله عليه وآله) وليس أحد من العرب يقرأ كتابًا ولا يدّعي نبوّة، فساق الناس حتى بوّأهم محلّتهم وبلّغهم منجاتهم، فاستقامت قناتهم واطمأنّت صفاتهم.

يأتي ابن عباس إلى الإمام ويطلب منه أن يخاطب الناس. وحين يصل، يراه إلى جانب خيمته منشغلًا بترقيع نعله. يتأمل المشهد بدهشة، فيلتفت إليه الإمام ويسأله: «كم تساوي هذه النعل برأيك؟»

نعلٌ تمزّقت حتى احتاجت إلى رقعٍ وإصلاح.

يجيب ابن عباس: «لا تساوي شيئًا، لا قيمة لها، وينبغي طرحها.»

فيقول الإمام (ع): «والله إن هذه النعل البالية أحبّ إليّ من ولايتكم، إلا أن أقيم حقًّا أو أدفع باطلًا.»

أي إن قيمة المسؤولية والرياسة لا تكمن في ذاتها، بل في غايتها. فهل يعني ذلك أن الإمام لا يرى للحكم على المؤمنين، أو لرئاسة المجتمع الإسلامي، قيمةً في نفسه؟

كلا؛ إنما هذه نظرة ابن عباس ونظرة المجتمع الذي ربّاه، حيث اعتاد الناس أن يطلبوا الرئاسة لذاتها: ليكون لهم جاه، أو لئلا تُرقّع نعالهم، أو ليظهروا القوة. أما علي (ع) فيقول: «لأحقّ به حقًّا أو أُبطل به باطلًا».

ومن هنا ينبغي بحث مسألةٍ أساسية: متى يتجه المسلم الواعي الملتزم الحريص على مصلحة المجتمع الإسلامي إلى العمل السياسي؟ وفي أي ظرف يسعى غير المسلم إليه؟

إن غير المسلمين يؤسسون الأحزاب ليبلغوا عبرها السلطة السياسية ويتبوؤوا المناصب. فالأحزاب إنما تُنشأ لهذا الغرض، سواء كانت أحزابًا رسمية معاصرة أو طبقات وقوى اجتماعية سبقت نشوء الأحزاب بصورتها الحديثة.

هذه القوى كانت قوى طبقية وقومية، حيث كان أشخاص تدريجيًا يصلون إلى منصب رئيس القبيلة أو شيخها. وكان المسلمون يخطئون ويظنون أن الخلاف بين الإمام علي (ع) ومعاوية من نفس النوع: أي خلاف بين شيخ هذه القبيلة وشيخ تلك القبيلة.

يقول الشهيد صدر في كتابه «تنوع الأطوار ووحدة الهدف» بطريقة رائعة: الخلاف الذي كان بين هؤلاء، سواء بين النبي ﷺ وأبو سفيان، أو بين أمير المؤمنين ومعاوية، أو أمثالهم، كان ناشئًا عن اعتقادهم بأن الحكم يعني رئاسة القبيلة.

فإذا ذهب شيخ قبيلة وجاء شيخ قبيلة أخرى، ما الفرق؟ إلى الآن كان شيخ بني هاشم، رسول الله ﷺ، يحكم، والآن تأتي قبيلة أخرى تحكم لفترة، فما الفرق؟

والآن أيضًا في النظام الحزبي الأمر نفسه، حيث تتقاسم الأحزاب السلطة. فترةً يكون هذا رئيس الحزب ورئيس المجتمع سياسيًا، وفترة أخرى تأتي مجموعة أخرى وتتولى القيادة السياسية.

أما الهدف في الإسلام فهو مختلف: الهدف في الإسلام هو إقامة المعروف في المجتمع، وصدّ المنكر والظلم، أي أن الهدف الأساسي من السياسة هو خدمة المجتمع وتحقيق الحق.

قال الإمام الحسين (ع): «لم أخرج أشهد على الحكم أو أقاتل من أجل السلطة، بل خرجت لأمر بالمعروف ونهي عن المنكر».

وقال الإمام علي (ع) أيضًا في هذا السياق: «هذه النعل البالية أحب إليّ من رئاستكم، إلا أن أقيم حقًا أو أدفع باطلًا»، أي إما إقامة الحق وأمر بالمعروف، أو منع الباطل ونهي عن المنكر.

الهدف الأساسي للمجتمع، وللمسلم المؤمن بالله والدين، وللسياسة الإسلامية هو الخدمة: إقامة الحق والمعروف، تطبيق العدالة، حماية الناس من الظلم، وصول الناس إلى حقوقهم، خدمة المجتمع وصدّ المنكرات؛ هذا هو الهدف من السياسة عند المسلم المؤمن.

على النقيض، هناك نوع آخر من السياسة حيث تصبح السياسة مجرد مهنة أو وظيفة. يسعى الناس لإدارة حياتهم وكسب رزقهم، فبعضهم يعمل في السوق في الخبازة أو النجارة أو البقالة، بينما يتصدر آخرون السياسة ليحصلوا على السلطة ويستعرضوا قوتهم، فيستولون على أموال الناس ويديرون حياتهم ويكسبون الثروة من خلال السلطة.

وهذه واحدة من الفروق الجوهرية بين السياسة العلوية والسياسة الأموية، أو بين السياسة الإسلامية والدينية مقابل السياسة غير الدينية: إما التوجه نحو السياسة لخدمة المجتمع وتحقيق الإصلاح، أو التوجه نحو السياسة من أجل السلطة واستعراض القوة.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل