مقدمة
اللامبالاة بآلام الآخرين، وعدم الاكتراث لما يجري في المجتمع وفي جوارنا، هي من أسوأ الخصال، ومن أخطر الرذائل الأخلاقية والسلوكية. فقد عدّ المرحوم النراقي، من علماء الأخلاق الإسلاميين، اللامبالاة وترك نصرة المسلمين وعدم الاهتمام بشؤونهم من جملة الرذائل الأخلاقية، ومن المهلكات، وعلامة على ضعف الإيمان؛ لأن نتيجة هذه اللامبالاة هي انتشار أنواع الانحرافات في المجتمع.
أثر اللامبالاة في المجتمع
ففي ظل هذه اللامبالاة، لا يملك أي فرد في المجتمع عزيمة لمواجهة الاختلالات، بل يفكر كل واحد في نفسه ومنفعته ولذته الشخصية، وهذا هو الأنانية وحب الذات بعينه. فحب الذات وتفضيل رغبات الفرد على الجماعة من أقبح السلوكيات، وهو يمهد الطريق لكثير من المشاكل في البيئة الاجتماعية.
ومن مصاديق هذا الخلق المذموم الذي نراه في الحياة اليومية، انتهاك الالتزامات والقوانين الاجتماعية. الأشخاص الأنانيون هم الذين يشعرون بالثقل والضغط تجاه أي عمل خير، وينظرون إلى الآخرين بعين العداوة. في الحقيقة، هم قطعوا علاقتهم المعنوية مع العالم الذي يعيشون فيه، وانغمسوا في أنفسهم إلى حد أنهم يتجاهلون الآخرين، ويتوهمون أنه لا يحق لأحد في الحياة سواهم.
الأسس الإنسانية والإسلامية
إن التحلي بمثل هذه الروح لا يتوافق مع المبادئ الإنسانية والإسلامية؛ لأن جوهر الإنسانية هو الإحساس بالمسؤولية، وحجر الزاوية في الواجبات العلمية والعملية الفردية والاجتماعية في الأديان الإلهية والمذاهب الإنسانية يقوم على الاهتمام بمصير الذات والآخرين، وبكلمة واحدة، على عدم اللامبالاة.
اللامبالاة سلوك مناهض للمجتمع، يمكن أن يجعل الحياة الاجتماعية عسيرة لا تُطاق؛ لأنه لا يقتصر أي عمل سيء في المجتمع الإنساني على نقطة معينة، بل ينتشر كالنار إلى نقاط أخرى. ذلك أنه لا يوجد في المجتمع ما يسمى “الضرر الفردي”، فكل ضرر فردي يحتمل أن يتحول إلى ضرر اجتماعي. ولهذا يسمح المنطق والعقل لأفراد المجتمع ألا يدخروا جهداً في الحفاظ على بيئة حياتهم طاهرة.
الأدلة الشرعية
لذلك، فإن انتهاك القواعد والأعراف بصورة علنية، وعدم الاكتراث به من قبل المراقبين الملتزمين، أمر محظور في ضوء التعاليم الإسلامية؛ لأن عواقبه تصيب عموم المجتمع. وفي هذا الصدد، يقول النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله):
“إِنَّ الْمَعْصِيَةَ إِذَا عَمِلَ بِهَا الْعَبْدُ سِرَّةً لَمْ تُضِرَّ إِلَّا عَامِلَهَا، وَإِذَا عَمِلَ بِهَا عَلَانِيَةً وَلَمْ يُغَيَّرْ عَلَيْهِ أَضَرَتِ الْعَامَّةَ”.
ويعلل الإمام الصادق (عليه السلام) سبب هذا المنع بقوله:
“وَ ذَلِكَ أَنَّهُ يَذِلُّ بِعَمَلِهِ دِينَ اللَّهِ وَ يَقْتَدِي بِهِ أَهْلُ عَدَاوَةِ اللَّهِ”.
الرقابة الاجتماعية
بناءً على ذلك، فإن عدم الاكتراث بالرقابة الاجتماعية، وترك السيطرة على المنحرفين، يمنح الفرصة للمنحرفين في المجتمع وأعداء الله لإضعاف دين الله ومعتقدات المسلمين وقيمهم العامة بشكل علني، ويجعل المنحرفين يشعرون بالنصر، فتتراجع الثقافة الدينية، وتسود الثقافات الفرعية المنحرفة.
وعلى هذا الأساس، أوجب القرآن الكريم الرقابة والمراقبة الاجتماعية، فقال تعالى:
﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104]
النتيجة
وبذلك لا يبقى شك في أن السلوك اللامبالي تجاه القضايا والمشكلات الموجودة في العلاقات الاجتماعية هو سلوك مناهض للمجتمع، ولا يمكن تبريره بمبدأ الرقابة الاجتماعية الذي هو مبدأ ديني وعقلاني؛ لأن ظهور اللامبالاة في هذا المجال يؤجج الانحرافات الاجتماعية، ويجعل علاجها أكثر صعوبة، بل مستحيلاً في بعض الحالات.
وعليه، فإن أفضل ثمرة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي تهذيب الأخلاق والحفاظ على الثقافة العامة للمجتمع. لأن المراقبة العامة والرقابة الجماعية من قبل أفراد المجتمع تقضي على أسباب ظهور وتطور الأفكار المنحرفة والسلوكيات الشاذة، وتجعل القيم والأعراف باقية في المجتمع، وتتجلى وتتألق أكثر كل يوم، وتزول العادات والتقاليد الخاطئة، وتروح في مفاهيم القيم روح جديدة، وتُستأصل العوامل التي تضعف الأخلاق والثقافة في المجتمع، ويُخلق نوع من “التحصين الاجتماعي”.
المصدر: كتاب “اللامبالاة في المجتمع: آفة نمط الحياة الإسلامية”، تأليف علي ملكوتي نيا.
إعداد وتحرير: معاونية الدعاية والشؤون الثقافية في الحوزات العلمية.
*ترجمة وترتيب مركز الإسلام الأصيل





