في أعقاب العدوان العسكري الذي شنّته الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني على الحرم المقدس وسلامة الأراضي للجمهورية الإسلامية الإيرانية، أصبح التحديد الدقيق للمسؤولية الدولية للفاعلين المباشرين وشركائهم الإقليميين الذين ساهموا في هذا الفعل غير المشروع، سواء بالمشاركة المباشرة أو عبر وضع أراضيهم أو مجالهم الجوي تحت تصرف المعتدي، ضرورة قانونية واستراتيجية لا يمكن تجاهلها. وقد أكّد آية الله السيد مجتبى الخامنئي، القائد الأعلى للثورة الإسلامية، في أول رسالة قوية له بعد توليه المنصب، على ضرورة التعويض الكامل عن الخسائر، وقال بصراحة استراتيجية: «بقدر ما يسمح به الوضع الحالي، يجب تعريف وتنفيذ إجراءات كافية لجبر الخسائر المالية التي لحقت بالأماكن والممتلكات الشخصية… على أي حال، سنأخذ تعويضات من العدو، وإذا امتنع فسنأخذ من أمواله بالقدر الذي نراه مناسباً، وإذا لم يكن ذلك ممكناً فسنقوم بتدمير ما يعادل ذلك من أمواله». هذا الموقف الحازم منبثق تماماً من الشريعة ومتوافق مع القواعد القانونية. وتتناول هذه الورقة، مع الإشارة إلى الأسس الفقهية، هذا الحق وتقدّم حلولاً عملية لتحقيقه:

١. الأسس الفقهية لمطالبة التعويض من المعتدين

في الخطوة الأولى تقوم على مبدأ وجوب تدارك ما فات وجبر الضرر. ووفقاً لقواعد مثل «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام»، و«الضمان»، و«التسبب»، فإن جبر جميع الأضرار المادية والمعنوية يقع على عاتق المعتدي ومساعديه. ولكن في المرحلة التالية، وفي حال امتناع المعتدي عن أداء الحق، ينتقل الحكم الفقهي من «المطالبة» إلى «الاستيفاء القهري»، وهو ما تجلّى في كلام القائد الأعلى للثورة حول «الأخذ من أموال العدو». وتستند أدلة هذا الإجراء إلى «قاعدة التقاص». وهذه القاعدة المستندة إلى الأدلة الشرعية تدل على أنه إذا لم يتمكن صاحب الحق من استيفاء حقه بالطرق العادية من المنكر أو الممتنع، فإنه يجوز له شرعاً أن يأخذ من أموال المدين الممتنع بقدر الخسارة. وتمثل هذه القاعدة العمود الفقري الشرعي للإجراءات المقابلة القوية للجمهورية الإسلامية الإيرانية.

٢. في تطبيق هذه الأسس على القواعد الدولية

فقد تم انتهاك مبدأ حظر استخدام القوة باعتباره قاعدة آمرة. ووفقاً لمشروع مسؤولية الدول (٢٠٠١)، فإن نطاق هذه القاعدة يشمل الدول التي وضعت أراضيها أو مجالها الجوي تحت تصرف المعتدي مع العلم بذلك. واستناداً إلى قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة (وخاصة القرار ٣٣١٤)، فإن الدول التي تسمح باستخدام إمكاناتها وبنيتها التحتية الإقليمية لشن عدوان على دولة ثالثة تُعدّ نفسها مشاركة في فعل العدوان، وشركاء متضامنين في جبر الخسائر. لذلك فإن صمت هذه الدول أو تبريرها تحت عنوان «التزامات أمنية مع المعتدي» لا يرفع مسؤوليتها الدولية، وأي إجراءات تمهيدية أدت إلى تسهيل وقوع الجريمة تجعل ملاحقتها القانونية إلى جانب الفاعلين الرئيسيين واجبة، لأن المساعدة في انتهاك القواعد الآمرة تُنشئ مسؤولية مستقلة وتضامنية. وبالتالي فإن المساعدين والمسهّلين لهذا الحدث يُعدّون مسؤولين قانونياً إلى جانب الفاعلين الرئيسيين.

٣. في النظام القانوني الدولي

يقتضي أن تُعاد حالة المتضرر إلى ما كانت عليه وكأن الفعل غير المشروع لم يحدث. ويشمل هذا التعويض نطاقاً واسعاً من الأضرار المادية والمعنوية، بما في ذلك تدمير البنى التحتية الحيوية، والأضرار بالممتلكات العامة والخاصة، وانتهاك السيادة، وغيرها. ووفقاً للسوابق المستقرة في نظام المسؤولية الدولية، فإن أي ضرر مباشر أو غير مباشر ناتج عن الفعل غير المشروع قابل للتقويم والمطالبة، ولذلك تمتلك الجمهورية الإسلامية الإيرانية الحق الذاتي في المطالبة بتعويض شامل وتكاليف إعادة الإعمار وتعويضات تدمير المعدات، وستتابع استيفاء هذا الحق باعتباره حقاً سيادياً غير قابل للتنازل.

٤. إدراج شروط قانونية واضحة في أي اتفاق محتمل

بشأن «تحديد إجراءات كافية لجبر الخسائر» أمر إلزامي. وفي هذا الإطار، فإن إنشاء لجنة مشتركة لتقويم الخسائر بدقة يوفر إطاراً ملزماً. ويجب على الجهاز الدبلوماسي متابعة استيفاء هذا التعويض باعتباره التزاماً مالياً جديداً ومستقلاً. ونظراً لهيمنة «نظام الهيمنة» على العديد من مؤسسات التحكيم الدولية، وخشية إساءة استخدام الإجراءات القانونية ضد الدول المستقلة، يجب أن يتم تثبيت هذا التعويض في الوثائق النهائية بحيث يكتسب «حجية الأمر المقضي به» ويُقرن بشرط «الإغلاق النهائي وسلب الحق في أي دعوى مستقبلية أو إجراءات انتقامية». وهذا الإجراء يمنع العدو من استخدام دعاوى واهية مستقبلاً للإضرار بالأمن القانوني للدولة.

٥. في حال امتناع المعتدين عن تنفيذ التزاماتهم

فإن القواعد المتعلقة بـ«الإجراءات المضادة» التي تمثل التجسيد المعاصر لقاعدة التقاص تصبح الأساس للاستيفاء القهري. وفي هذا الإطار، تلتزم المحاكم الداخلية بشكل عاجل، وبالاستعانة بالخبراء، بتقدير حجم الأضرار وتحديدها في أحكام قطعية وواجبة التنفيذ. وبناءً على ذلك، يحق للجمهورية الإسلامية الإيرانية تعليق التزاماتها الدولية تجاه الدول المعادية وشركائها، ووقف تطبيق بروتوكولات «المرور غير الضار» لسفنهم العسكرية والتجارية في مضيق هرمز والمياه الخاضعة لسيادتها. ويشمل هذا الحق السيادي مصادرة الشحنات النفطية قانونياً، وفرض رسوم إلزامية مقابل خدمات المرور والأمن، أو فرض قيود على الحركة في الممرات الاستراتيجية. وتُعد هذه الإجراءات مشروعة تماماً ومتناسبة ومتوافقة مع القانون الدولي بهدف الضغط على المتخلف وإجباره على إنهاء فعله غير المشروع والوفاء بالتزاماته المالية.

٦. وأخيراً، إنشاء قاعدة بيانات شاملة وتوثيق دقيق

لدور الدول المستضيفة للقواعد العسكرية والمسهّلة لهذا العدوان ليس خياراً بل ضرورة استراتيجية. ويجب أن يشمل ذلك جمع أدلة ملموسة مثل البيانات الرادارية، والصور الفضائية لتحركات القواعد، ورصد المجال الجوي المستخدم من قبل المعتدي، لاستخدامها كأدلة إثبات في جميع مستويات العمل الدبلوماسي والإجراءات المضادة. ومن منظور قانوني، يمنح هذا التوثيق بعداً قانونياً لنهج «الأخذ من أموال العدو» ويمنع اعتبار الإجراءات الإيرانية غير مشروعة، بل يعيد تعريفها كإجراءات لفرض كلفة رادعة على المعتدي. ومن منظور فقهي، فإن تحديد حجم الضرر بدقة وتحديد المسبب يضمن تنفيذ «التقاص المشروع» ضمن إطار العدالة الإسلامية، ويشكّل سنداً قضائياً لحماية حقوق الشعب الإيراني وبيت المال الإسلامي دولياً.

الخلاصة:

إن التأكيد الحازم من قائد الثورة على «مطالبة التعويضات والخسائر» يمثل استجابة متعددة المستويات وذكية للاعتداءات الأخيرة، ويتوجب على الأجهزة المختصة تنفيذه بكامل الطاقة. ويجب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، من خلال الجمع بين الدبلوماسية القانونية والإجراءات المقابلة القوية على الممرات الاستراتيجية، ليس فقط تعويض الخسائر السابقة، بل أيضاً فرض تكاليف باهظة على المعتدين والدول الداعمة، بما يشكل حاجز ردع قوي أمام أي مغامرة مستقبلية. ويجب أن يوجه هذا النهج رسالة واضحة لجميع الأطراف بأن أي اعتداء على الجمهورية الإسلامية سيقابل برد يتجاوز البعد العسكري ليأخذ شكل «عقاب مالي وقانوني مستمر»، بما يجعل كلفة الاعتداء غير محتملة ويضمن الأمن الإقليمي طويل الأمد.

بقلم: محمد حسين بوراميني

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل