بالنسبة لي، وقد تشرفت بحضور كرسي درس سماحة آية الله السيد مجتبى الخامنئي لفترة من الزمن، وتشرّبت شيئاً من فيض معارفه، فإن التلمذة في درس الخارج لم تكن مجرد اكتساب لقواعد الفقه والأصول، بل كانت تجربة تتجاوز حدود التعلّم التقليدي إلى فضاء أوسع، يُعاد فيه تشكيل علاقة الطالب بالعلم ذاته.

ففي ذلك المحفل العلمي، كان الحاضر الأبرز هو “المنهج” قبل أن يكون “المحتوى”؛ منهج تمتزج فيه عمق المعرفة بروح تواضع راسخ، لا تكلّف فيه ولا تصنّع. هناك، لم يكن العلم مجرد معطى يُلقى، بل حالة تُعاش، تتجلى في سعة صدر علمية نادرة، وفي احترام بالغ لمقام التلميذ، بل وللفكر ذاته بوصفه قيمة مستقلة.

كان أسلوب الأستاذ في التدريس مغايراً للأساليب التقليدية القائمة على الإلقاء الأحادي؛ إذ كان يرى الدرس فضاءً حيّاً لتفاعل الآراء وتلاقح الأفهام، لا منبراً للخطابة. فكثيراً ما كان، بعد عرض المسألة بدقة ووضوح، يتوقف لحظة كأنه يستحث العقول على الحركة، ثم يوجّه خطابه إلى الطلبة بلغة مشحونة بالتحفيز قائلاً: “أبدوا أنتم ملاحظاتكم… أوردوا أنتم الإشكالات”. ولم تكن هذه العبارة مجاملة تعليمية عابرة، بل كانت جزءاً من بنية الدرس نفسه، تهدف إلى استنبات ملكة الاجتهاد في أعماق الطالب. وكأن غياب النقاش أو الاعتراض كان يُعدّ نقصاً في روح الدرس لا في شكله.

ومن السمات البارزة في منهجه أيضاً “أدب النقد”. فقد كان يمارس النقد العلمي بأعلى درجات الصرامة التحليلية، دون أن يسمح لذلك أن يمسّ مكانة العلماء أو يقلل من احترامهم. حتى في أشد مواضع النقد لآراء كبار الفقهاء، كان يختار ألفاظاً تليق بمقامهم، فيجمع بين قوة البرهان ووقار العبارة، وكأنه يعلّم طلابه أن الصلابة في الاستدلال لا تتنافى مع التوقير العلمي للتراث.

أما ذروة هذا الأفق العلمي، فتتجلى في أنه لم يكن يتقبل النقد فحسب، بل كان يمنحه شرعية واعتباراً. فكثيراً ما كان طالب شاب يعترض على وجه استدلاله باعتراض دقيق وجريء، فيستقبله الأستاذ بسعة صدر لافتة، ثم يرفع من شأنه قائلاً بمعنى كلامه: إن هذا الإشكال بعينه قد طُرح في كلمات كبار المحققين، ومنهم المحقق النائيني أيضاً. بهذا التعامل، لم يكن يكتفي بعدم رفض الطالب، بل كان يرفعه إلى أفق المشاركة في طبقة النقاش العلمي الرفيع، فيشعر الطالب أن صوته جزء من تاريخ علمي ممتد، لا مجرد رأي مبتدئ.

لقد تعلّمنا في تلك المدرسة أن الاجتهاد ليس رتبة تُنال فحسب، بل هو أسلوب تفكير وحياة، يقوم على الحرية العلمية، والشجاعة في الفهم، والبحث الصادق عن الحقيقة. وهكذا كان كرسي درسه فضاءً تتجاوز فيه الأسئلة كونها جرأة عابرة، لتصبح ضرورة معرفية، بل شرطاً لحياة العلم ذاته.

بقلم: محمد حسين بوراميني

*ترجمة وتهذيب مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل