أكّد المتولّي الشرعيّ للعتبة العبّاسية المقدّسة سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي، أنّ مصحف النجف الأشرف ثمرة جهودٍ علميّة دقيقة وعملٍ جماعيّ متواصل استمرّ لسنوات.
وجاء ذلك في أثناء كلمته ضمن فعّاليات حفل إزاحة الستار عن المصحف الشريف، الذي أُقِيم في قاعة المجمّع العلويّ في النجف الأشرف، تيمّنًا بذكرى ولادة الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام).
ونالت الطبعةُ الأولى من مصحف النجف الأشرف مباركة سماحة المرجع الدينيّ الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني(دام ظلّه)، وقد أُجرِيت طباعتُهُ في دار الكفيل للطباعة والنشر التابعة للعتبة العبّاسية المقدّسة.
وجاء في كلمة سماحة السيد الصافي:
“بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه أبي القاسم محمد وعلى آله الطيّبين الطاهرين، الأعيان المحترمون الفضلاء الأجلّاء المفكّرون والحضور الكريم أجمع، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
منذ مئات من السنين مرّت على الدرس الحوزويّ في النجف الأشرف بجميع فنونه وعلومه، من الفقه والأصول واللغة والتفسير والنحو والشعر وغيرها، حيث أبدى أبطالُ العلم والفقاهة والتفسير قدرةً فائقة في الحفاظ على العلم، واكتشاف النظريّات العلمية والحفاظ على لبنة الإسلام، ومن جملة الاهتمام كان الاهتمام بالثقل الأكبر، وهو وديعة النبيّ المصطفى(صلّى الله عليه وآله) في هذه الأمّة.
كما لا يخفى على الذي يسبر التاريخ، إذ خلّف فينا ثقلين، القرآن الكريم والعترة الطاهرة (عليهم السلام) وكان الاهتمام بهذا الذكر الأكبر حفظًا وتدريسًا وعلى وفق علوم مختلفة الشيء الكثير من الآثار العلميّة، حتّى أحصى بعض أجلّة العصر من المختصّين في ذلك، أكثر من 3 آلاف مخطوطةٍ تُعنى بشؤون القرآن الكريم.
وقد ورد الحثّ على أنّ القراءة في المصحف أفضل من القراءة عن ظهر قلب، ما شجّع ذلك على كتابة المصحف الشريف على كرور الأزمنة وصروف السنين، وقد حوت الخزائن المعروفة والمخطوطة على مئاتٍ من النسخ الخاصّة والفريدة للقرآن الكريم، حتّى أنّ بعض الخزائن تفتخر أنّها تحتوي على أقدم مخطوطةٍ لكتاب الله العزيز، وقد ظهرت خلال ذلك مجموعةٌ من الأسماء اللامعة في خطّ المصحف الشريف، ونحن لسنا بصدد تعداد ذلك، ولكن نقول هذا الفنّ قد أخذ جانبًا مهمًّا من حياة المسلمين.
وقد تميّزت بعض النسخ القرآنية بقيمتها المعنويّة كلّما كانت ضاربةً في عمق التاريخ، لذلك نرى الكثير ممّن تصدّى لكتابة المصحف الشريف، وهم يتنافسون على ذلك لما فيه من فوائد جمّة.
قبل أكثر من 17 عامًا طُرِحت فكرةٌ لكتابة مصحفٍ شريفٍ أيضًا على أيدي أحد الإخوة من الخطّاطين المَهَرة، وقد نال الطلب بعد أن عُرِض على مقام المرجعية الدينيّة العُليا، أنّ هذا العمل عملٌ مبارك، ثمّ بعد ذلك فإنّ الأمور مرهونة بأوقاتها، وقد حدثت بعض الأمور التي أعاقت هذه الخطوة، إلى أن سهّل الله تبارك وتعالى قبل خمس سنين، فتصدّى أحدُ الإخوة الأفاضل لكتابة المصحف، وهو الأخ الخطّاط الأستاذ عبد الحسين الركابي (سلّمه الله تعالى)، وقد قضى وقتًا مع هذه النسخة الخطّية قرابة الخمس سنين، ثم بعد ذلك شُكّلت لجان مختصّة سواء كانت في مراجعة الخطّ، ومتابعة رسم القرآن، ومتابعة الزخارف، حيث إنّ هذه اللجان نقلت مكتبها إلى مطبعة دار الكفيل للطباعة والنشر، ومع المتابعة ورقة بورقة، وبالمشاورة مع الإخوة في الدار تمّ الأمر.
حتّى انبرت عندنا فكرة، وإن شاء الله في هذا اليوم يوم ولادة الإمام الرضا(سلام الله عليه) نعلن عنها، وهي أن نؤسّس مطبعةً خاصّة فقط في قضية المصحف المبارك، مصحف النجف الأشرف، وستقوم هذه المطبعة على طباعة جميع أحجام المصحف الشريف، وكذلك تنويع ما يُمكن أن يُستفاد منه في طرح هذه النسخ في متناول يد الإخوة المؤمنين.
أقدّم شكري الخاصّ بدءًا من مقام المرجعيّة الدينية العُليا المتمثّلة بسماحة سيّدنا علي الحسيني السيستاني(أدام الله ظلّه الوارف)، ونجله الأغرّ سماحة سيدنا محمد الرضا (دامت بركاته)، لما بُذِل من جهدٍ ومتابعةٍ للمشروع، وحثّ على الإسراع بإنجاز هذا العمل، كذلك الإخوة الأعزّاء أخصّ منهم بالذكر فضيلة الحجّة الشيخ عبد الرضا الهندي، وفضيلة السيد البكّاء، وفضيلة السيد جواد الغريفي (سلّمهم الله) وكلّ الفريق الفنّي العامل.
فالعمل قطعًا لا ينهض به شخصٌ واحد، إنّما فريق، وكان الفريق منسجمًا يسعى دائمًا إلى بذل المزيد، حتّى أنّ بعض الأوراق كانت تراجع أكثر من سبع إلى عشر مرّات، وكلّ هؤلاء الذين يراجعونها، هم من أهل الفنّ والاختصاص، رعايةً لضبط هذا الكتاب العزيز، مصحف النجف الأشرف.
طبعًا هنالك مصاحف كثيرة نُسِبت إلى المدينة، مصحف واحد عند المسلمين، هو هذا المصحف الذي بين أيدينا، والذي يقرأه جميعُ المسلمين في كلّ أنحاء العالم، لكنّ الإضافة تبعًا للمدينة للمناسبة، فهناك مصحف المدينة المنورة، تبرّكًا بوجود النبيّ(صلّى الله عليه وآله) وهذا أيضًا مصحفٌ موجود ومشهور، ومصحف أعتقد أنّه في تونس ومصحف في القاهرة، والآن أضيف هذا المصحف المبارك، مصحف النجف الأشرف.
لما ذكرنا في البدء من ميزة النجف الأشرف وأهمّيتها كعاصمةٍ فكرية، حيث إنّنا بعد سنة إن شاء الله تعالى نحتفل بمرور ألف عام على عمر حوزة هذه المدينة العلميّة، والحاضرة المرموقة على مدار التاريخ، سائلين الله تبارك وتعالى أن يحظى هذا العمل بالقبول من إمام زماننا، الثقل الآخر، وهو الإمام المهديّ(صلوات الله وسلامه عليه)، ومن الذوات المحترمة ممّن يهمّنا أن نسمع آراءَهم سائلين الله تعالى التوفيق للجميع.
وأشكر الإخوة جميعًا الحضور المميّز والكبير في هذا اليوم الذي جعلناه تيمّنًا بالمناسبة.
طبعًا كانت فكرة الإعلان أن يكون في ليلة السابع عشر من شهر رمضان المنصرم، لكن الظروف التي حلّت بالمنطقة جعلتنا نؤجّل الأمر، والحمد لله على توفيقه، فلم نوفّق لإطلاق المُنجَز في مناسبة معركة بدر، ولا ليالي القدر، لكن اليوم وُفّقنا في ولادة الإمام الرضا(سلام الله عليه)، سائلين الله تعالى أن يرفع هذه الغمّة عن هذه الأمّة، وأن يطيل في أعمار علمائنا الأفاضل الأكارم، ويوفّق المشتغلين دائمًا للعلم والعمل وأن يحفظ بلادنا من كلّ سوء.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّدٍ وآله الطيّبين الطاهرين.





