*العودة من بكين بحقيبة فارغة*

افتتاحية صحيفة “صوت_إيران” الإلكترونية، العدد ٣٢٩، الصادرة من موقع؛ KHAMENEI.IR

🔍 نظرة على نتائج رحلة ترامب إلى الصين في ظل الحرب مع إيران، في العدد الجديد من صحيفة #صوت_إيران..

✍️ ارتكب دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، أكبر خطأ استراتيجي في مسيرته بدخوله الحرب التي استمرت أربعين يومًا وشنّه العدوان على إيران، وهو خطأ لم يتمكن حتى الآن من إيجاد مخرج له. وفي هذا السياق، سافر ترامب إلى الصين، وكان من المفترض أن تشكل هذه الزيارة نقطة انطلاق لخروج تدريجي للولايات المتحدة من الأزمة التي أوقع نفسه فيها.

🔹 كان ترامب يأمل، وهو يحمل ما سماه «ملف الانتصار على إيران»، أن ينتزع تنازلات كبيرة من بكين، لكن صمود طهران وقدرتها العالية على التحمل حرماه من هذه الفرصة.
ولهذا عاد الرئيس الأمريكي عمليًا إلى واشنطن من دون أن يحقق أي إنجاز ملموس بشأن إيران. وخلف صور الابتسامات، والتجول في حدائق بكين التاريخية، والمجاملات الدبلوماسية، كانت هناك حقيقة أكثر قسوة: الصين لم تكن مستعدة للوقوف إلى جانب ترامب في أكثر الملفات حساسية بالنسبة للولايات المتحدة حاليًا، أي ملف إيران.

🔹 توجه ترامب إلى الصين وهو يحمل عدة أهداف واضحة.
– أولًا، أراد إقناع بكين بالضغط على طهران من أجل فتح مضيق هرمز وتقليل الضغط الذي تتعرض له أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
– ثانيًا، كان البيت الأبيض يأمل أن تتمكن الصين من دفع إيران إلى التراجع عن شروطها في المفاوضات، خصوصًا فيما يتعلق بالملف النووي وأمن المنطقة.
– ثالثًا، سعت واشنطن إلى الحد من أشكال الدعم الصيني المباشر أو غير المباشر للقدرات الصناعية والصاروخية والاقتصادية الإيرانية.
لكن نتائج الزيارة أظهرت أن الصين ليست فقط غير مستعدة للمساومة على إيران، بل ترى أساسًا أن انخراط الولايات المتحدة في حرب استنزاف يصب في إطار استنزاف قوة منافسها الاستراتيجي.

🔹 الحقيقة أن الحرب التي استمرت أربعين يومًا، وعلى خلاف حسابات ترامب الأولية، لم تتحول إلى انتصار للولايات المتحدة. فقد كانت إدارة ترامب تعتقد أن الهجوم العسكري والعقوبات والتهديدات غير المسبوقة ستجبر طهران سريعًا على التراجع. لكن واشنطن تجد نفسها الآن في وضع لم تحقق فيه أهدافها الرئيسية، ولم تعثر كذلك على مخرج منخفض الكلفة من الأزمة. إن استمرار القيود في مضيق هرمز، وارتفاع أسعار الطاقة، وتصاعد الضغوط التضخمية داخل أمريكا، وتراجع شعبية ترامب، كلها مؤشرات أثارت قلق البيت الأبيض بشدة.

🔹 في ظل هذه الظروف، ظن ترامب أن الصين ربما تكون مستعدة للتعاون مع الولايات المتحدة بشأن إيران حفاظًا على استقرار الاقتصاد العالمي. لكن بكين تنظر إلى الأمر بصورة مختلفة. فبالنسبة للصين، لا تُعد إيران مجرد شريك في مجال الطاقة، بل حليفًا استراتيجيًا وجزءًا من توازن أكبر في مواجهة الولايات المتحدة. ويدرك القادة الصينيون جيدًا أن كلما ازداد استنزاف أمريكا في غرب آسيا، تراجع تركيزها وقدرتها على احتواء الصين في شرق آسيا. لذلك لا تمتلك بكين أي دافع لتقديم انتصار جيوسياسي مجاني لترامب في هذه المرحلة.

🔹 وقد كشف سلوك الصين خلال الزيارة هذه الحقيقة بوضوح. فبعد لقائه مع شي جين بينغ، لم يتمكن ترامب إلا من الإشارة إلى عبارات عامة، مثل رغبة الصين في بقاء مضيق هرمز مفتوحًا أو رفضها لامتلاك إيران سلاحًا نوويًا، وهي مواقف سبق لبكين أن أعلنتها مرارًا. لكن لم تظهر أي مؤشرات على التزام عملي من جانب الصين بالضغط على طهران. وحتى في البيانات الرسمية الصينية، طُرح ملف إيران بلغة شديدة الحذر، فيما تجنبت بكين عمليًا الانخراط المباشر في مطالب واشنطن.

🔹 ويُعد ذلك فشلًا سياسيًا بالنسبة لترامب، لأنه بحاجة ماسة إلى إنجاز داخليًا في الولايات المتحدة. فارتفاع أسعار الوقود، وقلق الأسواق، وضغوط الجمهوريين المرتبطة بانتخابات منتصف الولاية، دفعت البيت الأبيض للبحث عن أي مكسب خارجي لإظهار أنه ما زال يسيطر على الأوضاع. لكن عودة ترامب من الصين من دون اتفاق واضح بشأن إيران أظهرت أن أكبر قوة اقتصادية في آسيا ليست مستعدة لتحمل كلفة إنقاذ الإدارة الأمريكية من أزمتها الحالية.

🔹 في الواقع، ركزت الصين خلال هذه الزيارة بشكل أكبر على مصالحها بعيدة المدى. فقد سعت بكين إلى خفض التوترات التجارية، ومنع تصاعد حرب الرسوم الجمركية، والحصول على مكاسب في ملف تايوان. وتشير بعض التقارير إلى أن الصين حاولت استغلال حاجة ترامب إلى التعاون من أجل انتزاع تنازلات تتعلق بتايوان والحد من مبيعات الأسلحة الأمريكية للجزيرة. وهذا يعني أن إيران، من منظور بكين، ليست مجرد ملف إقليمي، بل جزء من معادلة أكبر في إطار المنافسة الاستراتيجية بين الصين والولايات المتحدة.

من جهة أخرى، أصبحت إيران أيضًا في هذه المعادلة تتمتع بموقع مختلف عمّا كان عليه في السابق. فقد أظهرت طهران أنها غير مستعدة للتخلي عن شروطها تحت ضغط الحرب والتهديد. وهذا ما جعل الولايات المتحدة غير قادرة، كما في كثير من الأزمات السابقة، على الوصول إلى النتيجة التي تريدها بمجرد استخدام الأدوات العسكرية أو الضغوط الاقتصادية.

تواجه واشنطن اليوم وضعًا تصبح فيه كل الخيارات مكلفة؛ فاستمرار الحرب يفرض مزيدًا من الضغوط الاقتصادية على أمريكا، أما التراجع فيعني القبول بالهزيمة.

ولهذا السبب، كانت زيارة ترامب إلى الصين، أكثر من كونها استعراضًا للقوة، مؤشرًا على المأزق الاستراتيجي الأمريكي في الملف الإيراني. وكان الرئيس الأمريكي يأمل أن تجد بكين مخرجًا لفك عقدة الأزمة، لكن الصين فضّلت البقاء في موقع المراقب والاستفادة من استنزاف منافسها.

وفي ختام الزيارة، لم يُفتح مضيق هرمز، ولم تُحرز المفاوضات أي تقدم، كما أن إيران لم تتراجع عن مواقفها.

وقد عاد ترامب الآن إلى واشنطن، بينما لا تزال الأزمات نفسها قائمة؛ لكن مع اتضاح حقيقة أكثر من أي وقت مضى، وهي أن الولايات المتحدة تحتاج حتى لحل أزمة كانت هي نفسها قد بدأتْها إلى دعم قوى تُعد من أبرز منافسيها.

🗞️#روزنامه_صداى_ايران
💻 Farsi.Khamenei.ir

ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل