رغم ما يثيره بعض الباحثين من تشكيكات حول وجود السيدة رقية (سلام الله عليها)، فإن مراجعة المصادر التاريخية التي سبقت الشيخ المفيد وتلك التي جاءت بعده، ولا سيما مؤلفات علماء الأنساب، تكشف عن وجود شواهد متعددة تؤكد الوجود التاريخي لهذه السيدة الجليلة.
أفادت وكالة أنباء الحوزة أنه بمناسبة ذكرى استشهاد السيدة رقية (سلام الله عليها)، يُسلَّط الضوء على إحدى الشبهات المطروحة بشأن شخصية هذه السيدة المظلومة. وفيما يلي عرضٌ وشرحٌ قدّمه حجة الإسلام مصطفى محسني، الباحث والمتخصص في تاريخ الإسلام، تناول فيه هذه القضية مستندًا إلى المصادر التاريخية والرجالية لإثبات وجود السيدة رقية (سلام الله عليها).
بسم الله الرحمن الرحيم
يثير بعضهم تشكيكات حول شخصية السيدة رقية (سلام الله عليها)، ويستندون في ذلك إلى أن الشيخ المفيد (رحمه الله) ذكر في كتاب «الإرشاد»، عند حديثه عن بنات الإمام الحسين (عليه السلام)، السيدة سكينة والسيدة فاطمة بنت الإمام الحسين (عليه السلام) فقط، ولم يذكر ابنةً ثالثة أو رابعة.
غير أنه ينبغي أولًا الالتفات إلى أن الشيخ المفيد، وإن كان من كبار علمائنا ومن أوثق مراجعنا، وأن كتاب «الإرشاد» يُعد من أهم المؤلفات وأكثرها قيمة، فإن ذلك لا يعني أن كل ما لم يرد فيه لم يكن موجودًا أصلًا.
ومن أوضح الأمثلة على ذلك أن الشيخ المفيد، في الكتاب نفسه، لم يذكر اسم السيدة حكيمة خاتون عند حديثه عن بنات الإمام الجواد (عليه السلام)، مع أنها شخصية معروفة وذات مكانة تاريخية، في حين أنه ذكرها في بعض مؤلفاته الأخرى. وهذا يدل على أن سقوط اسمٍ من أحد المؤلفات قد يقع أحيانًا، ولا يعني إنكار وجود تلك الشخصية أو نفي الحقيقة التاريخية المتعلقة بها.
ولإثبات وجود السيدة رقية (سلام الله عليها)، يمكن الرجوع إلى عدد من المصادر المختلفة، ومنها مؤلفات سبقت عصر الشيخ المفيد. فمن ذلك كتاب «تاريخ أهل البيت» لنسج البغدادي، وكتاب «الهداية الكبرى» للحسين بن حمدان الخصيبي، وكتاب «منتخب الأنوار» للإسكافي، وهي جميعًا مؤلفات أُلِّفت قبل الشيخ المفيد بنحو قرن. وقد ذكرت هذه الكتب الثلاثة أن عدد بنات الإمام الحسين (عليه السلام) كان ثلاثًا، مما يدل على وجود ابنة أخرى للإمام (عليه السلام)، إضافة إلى السيدتين اللتين ذكرهما الشيخ المفيد.
كما أن بعض الكتب المؤلفة بعد الشيخ المفيد ذكرت أربعة أسماء لبنات الإمام الحسين (عليه السلام). وإلى جانب ذلك، فإن بعض المصادر السابقة للشيخ المفيد، والمعاصرة له، بل وحتى بعض مؤلفاته الأخرى، استخدمت عند الحديث عن بنات الإمام الحسين (عليه السلام) لفظ «بنات». وقد استعمل أبو مخنف، والشيخ المفيد، والدينوري في كتاب «الأخبار الطوال» هذا التعبير أيضًا، وهو تعبير يدل على وجود أكثر من ابنتين.
وبناءً على مجموع هذه الشواهد، يتبين أن الإمام الحسين (عليه السلام) كان له، على الأقل، ابنة أو ابنتان أخريان، إضافة إلى السيدة سكينة والسيدة فاطمة بنت الحسين (سلام الله عليهما).
ويذكر ابن فندق في كتاب «لباب الأنساب» أن بنات الإمام الحسين (عليه السلام) أربع، وهن: فاطمة، وسكينة، وزينب ـ التي توفيت في حياة الإمام الحسين (عليه السلام) ـ كما يذكر صراحةً اسم السيدة رقية (سلام الله عليها).
وفي كل علم ينبغي الرجوع إلى المتخصصين فيه. فكما كان كثير من مراجع التقليد يعرضون أنسابهم وشجرات نسبهم على آية الله المرعشي النجفي؛ لما كان يتمتع به من مكانة رفيعة وخبرة واسعة في علم الأنساب.
وعليه، فإن تصريح ابن فندق، وهو من كبار علماء الأنساب، باسم السيدة رقية (سلام الله عليها) في كتابه، يُعد شاهدًا مهمًا يمكن الاعتماد عليه. ومن ثم، فإن ضم هذا الدليل إلى سائر المصادر التي ذكرت أن عدد بنات الإمام الحسين (عليه السلام) كان ثلاثًا أو أربعًا، يجعل إثبات وجود السيدة رقية (سلام الله عليها) أمرًا واضحًا ويسيرًا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.