«لن يتخلى المسلمون عن القدس يوماً ما»، واحد من فيضٍ من المصطلحات التي حذفتها السعودية من مناهجها التربوية المدرسية. منذ مطلع الشهر الحالي، تداول ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي التوجّه السعودي بتخفيف لهجة العداء تجاه «إسرائيل»، بالتوازي مع إلغاء عبارة «فلسطين» عن غالبية الخرائط ومن الأمثلة التطبيقية في موادٍ تعليمية عدّة. وبعد حملة مضادة واسعة من قبل ناشطي الممكلة، الذين نفوا هذه «الادعاءات» التي تحاول النيل من مكانة البلاد، خرجت منظمة «إمباكت – سي» الإسرائيلية غير الحكومية التي تعمل في مجال متابعة المناهج الدراسية في الشرق الأوسط، لتوثّق السياسة السعودية التربوية الجديدة.
منذ انطلاق المسار «الإبراهيمي» في عام 2020، تتجّه الأنظار إلى السعودية. وبينما يُهيّأ أنّ إمكانيّة انضمامها للمعاهدة تعقّدت بعد الفظائع الإسرائيلية الأخيرة، لا سيّما في قطاع غزة، تُبيّن التغييرات في المناهج التعليمية أنّها ليست وليدة اللحظة. بدأت الرياض في التعديلات الأكاديمية منذ 2024، وعملت على تطويرها تباعاً لإخفاء أثر فلسطين في الوجدان الجماعي للأجيال المقبلة.
«لا دخان بلا نار»
منذ بدء التداول في التعديلات التربوية، اجتمعت الغالبية الساحقة من الناشطين السعوديين على دحض «الشائعات». رغم عقود من الحملات الإعلامية ومحاولة تغيير بوصلة هويّة العدو في العقل الجماعي السعودي، كان لافتاً الإجماع الشعبي على استحالة قيام قيادتهم بهذه الخطوات.
وبدأت الشرارة الأولى من قبل صحيفة «معاريف» العبرية، التي أبلغت عن التغييرات في الكتب المدرسية في وسائل الإعلام الإسرائيلية، واصفةً إيّاها بالدليل على استمرار «تليين» المواقف السعودية تجاه «إسرائيل». تلتها موجة من المنشورات والمعلومات من منصات رقميّة عدّة. إلّا أنّ تقرير منظمة «إمباكت سي» في الأيام الأخيرة، دخل في تفاصيل التعديلات في كلّ صفٍّ على حدة، كاشفاً حجم التبدّلات المنهجية الجوهرية. علماً أنّ المعهد الإسرائيلي يعمل في مجال «رصد السلام والتسامح الثقافي في التعليم المدرسي في الشرق الأوسط»، في الوقت الذي تدعو المناهج التربوية الإسرائيلية صراحةً إلى العنصرية والإبادة العرقية.
تشريع الاحتلال
شملت مراجعة المعهد الإسرائيلي التعديلات السعودية على الكتب المدرسية بين 2024 و2026. ووفقاً للمنظّمة، حُذفت العبارات التي تربط المسلمين بفلسطين، وأبرزها تعديل في كتاب اللغة العربية للصف الحادي عشر في طبعة العام الدراسي 2024- 2025، تضمّن إلغاء جملة: «لن يتخلى المسلمون عن القدس يوماً ما». وبالفعل اختفت الجملة من الطبعات الصادرة من العام الدراسي التالي وصاعداً.
من الشواهد الأخرى التي أظهرها تقرير المنظّمة الإسرائيلية، كتاب التاريخ للصف ذاته في ذلك العام الدراسي، يشير إلى «إسرائيل» بـ «العدو الصهيوني»، داخل مقطع يتطرّق إلى المساعدات السعودية لمصر وسوريا في حرب عام 1973. وبحلول العام الدراسي الماضي، تبدّلت عبارة «العدو الصهيوني» لتحلّ مكانها «الاحتلال الإسرائيلي». وبينما يُبقي المصطلح الجديد على الحكم السياسي بعدم الاعتراف بالاحتلال، إلّا أنّ «إمباكت – سي» وصفت التغيير بأنّه «تخفيف من مستوى العداء تجاه الدولة».
في مقابل تراجع حدّة لهجة العداء تجاه «إسرائيل»، طرأت تغييرات أكثر أهميّة من الناحية السياسية على المنهج التعليمي السعودي. ووفقاً للمراجعة، حُذفت كلمة «فلسطين» عن الأراضي المُحتلة في الكتب المدرسية. وفي بعض الخرائط الأخرى، تُركت هذه الأراضي من دون تسمية.
من جهة أخرى، أشاد المعهد الإسرائيلي بحذف السعودية لبعض المقاطع من القرآن والأحاديث النبوية، واصفاً إيّاه بالتطوّر الإيجابي.
أدلجة التطبيع بين أجيال المستقبل
عملت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، منذ ولايته الأولى، على إتمام «صفقة القرن». ومنذ 2020، روّجت أربع دول عربية للمسار الترامبي، بدءاً من المتحمّسَتين الأوليين، الإمارات والبحرين، تلاهما انضمام الملك المغربي محمد السادس في أواخر ذلك العام. وبدا أنّ السعودية في طريقها للحاق بركب المطبّعين، غير أنّ الطوفان جرف اللحظة السياسية المؤاتية.
من جهتها، ادّعت الرياض أنّها لن تمضي في «السلام» مع «إسرائيل» قبل إقامة دولة فلسطينية مستقلّة. غير أنّ التقارير الجديدة تكشف مضي السعودية في تهيئة «الأرضية الثقافية» داخل عقول الأجيال الصاعدة لتقبّل الاحتلال كدولة، ونسيان فلسطين بوصفها بوصلة المسلمين الأخلاقية والدينية.
في هذا الإطار، يصف رئيس جنوب أفريقيا الراحل والثائر، نيلسون مانديلا، التعليم بأنّه الأداة الأساسية لتغيير ما يقبله المجتمع على أنّه أمر طبيعي، ويعتبر أنّ التغيير المنهجي يبدأ بما نعتبره أمراً طبيعياً، فالرسوم التوضيحية في كتب اليوم تصبح سلوكيات حياتيّة في المستقبل.





