*فتح ساحل البحر الأحمر*

افتتاحية صحيفة “صوت_إيران” الإلكترونية، العدد ٤٤٧، الصادرة من موقع؛ KHAMENEI.IR

🔍 الأهمية الاستراتيجية للانتصارات الأخيرة لأنصار الله في اليمن والسيطرة على باب المندب..

📝 إن التطورات التي شهدتها اليمن خلال الأيام الأخيرة لم تعد مجرد تطور عادي في حرب هذا البلد. فقد وصل أنصار الله، في تقدم سريع وذي دلالة، من “المخا” إلى “ذباب”، ثم إلى “جزر حنيش”، وأخيراً إلى “جزيرة ميون”، ليصلوا بذلك إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في الجغرافيا السياسية للعالم.
إن ما حدث على الساحل الغربي لليمن يحمل رسالة واضحة؛ *فأنصار الله لم يعودوا مجرد طرف من أطراف الحرب اليمنية، بل تحولوا إلى لاعب قادر على التأثير في أمن السعودية، وحسابات الولايات المتحدة، والتجارة البحرية، وحتى معادلات الطاقة العالمية*.

وقد حدث هذا التحول في وقت حاولت فيه، خلال الأشهر الماضية، بعض وسائل الإعلام والأوساط السياسية الإسرائيلية والغربية تقديم صورة مختلفة تماماً عن المنطقة. وكانت روايتهم تقول إن الضربات التي وُجّهت إلى بعض أضلاع محور المقاومة أضعفت هذا المحور، بل أوصلته إلى مرحلة الانهيار. وبناءً على هذه الرواية، كان يُعتقد أن المقاومة، بعد تطورات السنوات الأخيرة، لم تعد قادرة على إعادة بناء قدراتها أو استعادة زمام المبادرة والعودة إلى الساحة. لكن اليمن اليوم يقدم صورة مخالفة تماماً لذلك.

فأنصار الله لم يتجاوزوا الضغوط فحسب، بل تمكنوا في ساحة كان يُعتقد أنه ينبغي لهم أن يكونوا فيها في موقف دفاعي، من أخذ زمام المبادرة.
فقد سيطرت قوات الحركة أولاً على “المخا”؛ وهي ميناء استراتيجي على ساحل البحر الأحمر، لا يبعد كثيراً عن باب المندب. ثم استمر التقدم باتجاه “ذباب”، وهي منطقة تطل مباشرة على مضيق باب المندب. وبعد ذلك دخلت “جزر حنيش”، وأخيراً “ميون”، في هذه المعادلة. *وهذا يعني أن أنصار الله انتقلوا من قوة متمركزة في عمق اليمن إلى قوة لها حضور مؤثر في واحدة من أكثر المناطق البحرية حساسية في العالم*.

وتتضح أهمية هذا التقدم عندما ندرك أن باب المندب ليس مجرد مضيق على خريطة اليمن. فهذا الممر الحيوي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويُعد أحد الطرق الرئيسية للتجارة بين آسيا وأوروبا، وكذلك طريقاً للوصول إلى قناة السويس. ويمكن لأي تطور عسكري في محيط هذا المضيق أن يغير حسابات الملاحة والتجارة والطاقة. *ولهذا أضاف أنصار الله، من خلال هذه الانتصارات، ورقة جيوسياسية مهمة إلى مجموعة قدراتهم*.

ولعل رد فعل السعودية على هذا التطور هو أوضح مؤشر على أهميته. ووفقاً لتقارير إعلامية غربية، أجرى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان اتصالين بدونالد ترامب، وطلب من الولايات المتحدة التدخل بشكل مباشر ضد أنصار الله. إلا أن ترامب رفض الدخول العسكري المباشر. ولا ينبغي النظر إلى هذا الأمر باعتباره مجرد قرار عادي من جانب واشنطن؛ فالولايات المتحدة تدرك جيداً أن الدخول المباشر في جبهة جديدة قد يؤدي إلى توسيع نطاق الأزمة إلى ما هو أبعد بكثير من اليمن، ولا سيما أن الولايات المتحدة واجهت إخفاقات عديدة وتورطت في الحرب مع إيران.

ومع ذلك، فإن واشنطن لم تنسحب من المشهد. إذ تشير التقارير إلى وجود أكثر من 100 عسكري أمريكي في السعودية لتقديم المعلومات والمساعدة في تحديد الأهداف، بل إن مسؤولاً أمريكياً ذكر أن العدد قد يصل إلى نحو 200 عسكري. ومعنى هذا الإجراء واضح؛ فالولايات المتحدة تعتبر خطر أنصار الله جدياً إلى درجة أنها لا تريد ترك السعودية وحدها، لكنها في الوقت نفسه تتجنب الدخول المباشر في حرب قد تكون تكلفتها أكبر بكثير من التقديرات الأولية.

وهنا تتضح حقيقة قوة أنصار الله. فالحركة التي كانت قبل سنوات محاصرة، وكان يُفترض أن يتم القضاء عليها من خلال الضغط العسكري والاقتصادي، أصبحت اليوم تدفع الرياض إلى طلب المساعدة من واشنطن. وهذا التحول في المكانة يمثل بحد ذاته تطوراً استراتيجياً.
*فلم يعد أنصار الله لاعباً يقرر الآخرون مستقبله؛ بل أصبحوا أحد اللاعبين الذين يضطر الآخرون إلى ضبط قراراتهم وفقاً لسلوكهم وتحركاتهم*.

وهذه الحقيقة نفسها تضع ادعاء الخصوم بشأن انهيار محور المقاومة أمام تحدٍ جدي. فلا ينبغي النظر إلى محور المقاومة باعتباره جيشاً كلاسيكياً إذا تلقى ضربة في جبهة واحدة انهار هيكله بالكامل. فقوة هذا المحور تكمن تحديداً في انتشاره الجغرافي، وتنوع قدراته، واستقلالية أطرافه. وقد تواجه إحدى الجبهات قيوداً في مرحلة معينة، أو قد تعجز إحدى الجماعات عن تحقيق جميع أهدافها، أو حتى تفقد جزءاً من مواقعها، لكن ذلك لا يعني زوال شبكة القوة برمتها.

و”ميّون” اليوم مثال واضح على هذه الحقيقة. ففي الوقت الذي اعتقد فيه البعض أن الضغوط العسكرية يمكن أن تُخرج محور المقاومة من المشهد، نرى أنصار الله في جغرافيا مختلفة تماماً وهم يعملون على تنمية قوتهم. وهذا يعني أن لدى المقاومة قدرة على إعادة إنتاج قوتها، بل ويمكنها أن تتخذ أشكالاً جديدة.

واليوم، عندما نتحدث عن “هرمز” و “باب المندب”، فإننا نتحدث عن ممرين استراتيجيين في طرفي شبه الجزيرة العربية، وكلاهما يؤدي دوراً حاسماً في حسابات القوة الإقليمية. وتمتلك إيران في هرمز ورقة استراتيجية بالغة الأهمية، بينما وصل أنصار الله في باب المندب إلى موقع يجعل السيطرة الفعالة على جزء من الساحل اليمني لهذا المضيق أمراً ممكناً بالنسبة إليهم.

*وهاتان النقطتان وحدهما تظهران أن جغرافيا القوة في المنطقة لم تعد تُحدد فقط في العواصم العربية أو واشنطن أو تل أبيب*.
إن رسالة التطورات في اليمن إلى خصوم محور المقاومة واضحة:
*المقاومة لم تعد قضية مؤقتة يمكن التخلص منها عبر بضع هجمات أو عقوبات.*
لقد أصبح هذا المحور جزءاً من بنية القوة الإقليمية؛ وهي بنية يستطيع كل ضلع من أضلاعها أن يخلق معادلات مختلفة في جغرافيته الخاصة.

وقد أظهر أنصار الله اليوم أنهم قادرون، حتى في واحدة من أصعب ساحات المنطقة، على تجاوز الضغوط، واستلام زمام المبادرة، وتحويل أنفسهم إلى قوة مؤثرة في المعادلات البحرية.

*واليوم، من “المخا” إلى “ميون”، يفرض أنصار الله واقعاً جديداً على المنطقة؛ واقعاً لا تكون فيه المقاومة لاعباً هامشياً، بل أحد الأضلاع الرئيسية للقوة الإقليمية، ويضطر خصومها إلى أخذ هذه الحقيقة في الحسبان عند صياغة جميع حساباتهم المستقبلية*.

🗞️#روزنامه_صداى_ايران
💻 Farsi.Khamenei.ir

ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل