أكّد آية اللّه العظمى السبحانيّ أنّ العقل والفكر أهمّ ما يمتاز به الإنسان عن سائر الموجودات، مشدّدًا على أنّ شرف العلم إنّما يكون بشرف موضوعه وسعته، وأنّ الإفادة من الأدوات العقليّة والفلسفيّة أمرٌ لا غنى عنه لفهم آيات القرآن الكريم والمعارف الإسلاميّة على نحوٍ دقيقٍ.
في رسالته المصوّرة التي وجّهها يوم الخميس (24 سبتمبر 2026م)، إلى الاجتماع الوطنيّ الثالث لمديري المجمع الأعلى للحكمة الإسلاميّة، الذي عُقد في مدينة تبريز الإيرانيّة، اعتبر آية اللّه العظمى الشيخ جعفر السبحانيّ “العقل والفكر” أهمّ ما يمتاز به الإنسان عن سائر الموجودات، قائلًا: إذا سُلب العقل والفكر من الإنسان، زال الفارق الجوهريّ بينه وبين سائر الكائنات الحيّة.
وأوضح: إنّ تكريم الإنسان في القرآن الكريم إنّما يقوم على هذه الخصائص التي تميّز بها، وفي مقدّمها ما حباه اللّه تعالى به من نعمة العقل والفكر، إذ منحه بهذه الموهبة الربّانيّة منزلةً متميّزةً ومكانةً خاصّةً بين سائر الموجودات.
وأضاف: إنّ المقصود من تعليم الأسماء ليس مجرّد تعليم الألفاظ والأسماء، بل إنّ الإنسان، من خلال هذا التعليم، يبلغ معرفة حقائق الأشياء، ويرتقي بذلك إلى مكانةٍ علميّةٍ ومعرفيّةٍ متميّزةٍ.
وتناول هذا المرجع الدينيّ مكانة الحكمة الإلهيّة، قائلًا: إنّ الفلسفة الإلهيّة لا تبحث في موضوعٍ جزئيٍّ بعينه، وإنّما موضوعها “الوجود”، فتندرج في نطاق بحثها جميع الموجودات، سواءٌ أكانت ممكنة الوجود أم واجبة الوجود؛ ومن هنا، فإنّ شرف كلّ علمٍ إنّما يتحدّد بشرف موضوعه، وكلّما كان موضوع العلم أوسع وأهمّ، كانت منزلة ذلك العلم أرفع وأعلى.
وانتقد آية اللّه العظمى السبحانيّ الرأي القائل بمنع العقل من الخوض في المباحث الفلسفيّة والكلاميّة، موضحًا: إذا أُقصي العقل عن هذه المباحث، فإنّ تفسير كثيرٍ من آيات القرآن الكريم المتعلّقة بالصفات والأفعال الإلهيّة سيواجه إشكالاتٍ وتساؤلاتٍ جادّةً؛ ومن ثمّ لا بدّ من تفسير هذه الآيات بالاستعانة بالأدوات العلميّة والعقليّة والفلسفيّة.
وتابع قائلًا: لقد ورد في بعض آيات القرآن الكريم الحديث عن قرب اللّه تعالى من الإنسان، مع أنّ اللّه تعالى منزّهٌ عن الجسم والمكان؛ ومن ثمّ، لا يمكن أن تُحمل هذه التعابير على معنى الحلول أو الحضور الجسميّ للّه تعالى، وإنّما لا بدّ من الاستعانة بالمباحث العقليّة والكلاميّة لفهم دلالاتها على الوجه الصحيح.
ولفت سماحته إلى أقوال أمير المومنين الإمام عليّ (عليه السلام) التي وردت في كتاب “نهج البلاغة”، قائلًا: إنّ الخطبة الأولى في نهج البلاغة زاخرةٌ بالمباحث الفلسفيّة والكلاميّة المتعلّقة بمعرفة اللّه تعالى وصفاته. وفي هذه المباحث تُثبت للّه تعالى صفاتٌ كالعلم والقدرة ، غير أنّ إثبات هذه الصفات لا يعني التركيب في الذات الإلهيّة، وإنّما يستلزم بيان حقيقتها وتفسيرها تفسيرًا فلسفيًّا وكلاميًّا دقيقًا.
وأضاف مؤكّدًا: إنّ من مفاخر الشيعة وعلمائها، على امتداد التاريخ وإلى يومنا هذا، عنايتهم بالمباحث العقليّة والفلسفيّة والكلاميّة، ولا ينبغي حصر هذه المباحث في إطار مدرسةٍ فلسفيّةٍ بعينها، بل ينبغي تناولها بالاستفادة من طاقات العقل والمعارف الإسلاميّة.





