استشهاد كبار رجال الدين؛ نهاية العطاء أم بداية مرحلة جديدة من التأثير؟

في مدرسة المقاومة، لا تعني الشهادة نهاية الدور والتأثير، بل تمثل بداية مرحلة جديدة من التأثير العميق. فدماء المجاهدين في سبيل الحق، تتجاوز حضورهم الجسدي، وتزيد من قوة الأفكار والمبادئ التي يؤمنون بها ونفوذها في التاريخ.

في ذكرى استشهاد حامل راية المقاومة، الشهيد السيد حسن نصر الله، يشغل سؤال أساسي أذهان كثير من المهتمين بالشأن العام: كيف يمكن الجمع بين ضرورة «حضور» القادة الكبار و«خدمتهم» من جهة، وأهمية مقام «الشهادة» بالنسبة إليهم من جهة أخرى؟ وهل غيابهم الجسدي لا يُحدث خللاً في مسيرة المبادئ والأهداف؟

وقد تناول حجة الإسلام والمسلمين رضا محمدي الشاهرودي هذا الموضوع من زاوية تحليلية، موضحاً أبعاده الاستراتيجية.

السؤال:

لماذا كانت «الشهادة» بهذه الأهمية بالنسبة إلى شخصيات مؤثرة ومهمة مثل السيد حسن نصر الله، في حين أن بقاءهم على قيد الحياة وحضورهم كان يمكن أن يكون أكثر فائدة للمجتمع؟

جواب حجة الإسلام رضا محمدي:

ينبغي للأصدقاء أن يلتفتوا إلى عدة نقاط:

النقطة الأولى هي أن نظرة هؤلاء الكبار إلى الشهادة لا تقوم على فكرة «اختيار الموت بدلاً من الخدمة». فهم لا يقولون: إذا كان علينا أن نختار بين أداء الواجب والخدمة من جهة، والشهادة من جهة أخرى، فإننا نختار الشهادة؛ بل يقولون: «نحن في خدمة الناس طوال الوقت، ولكن إذا جاءت الشهادة إلينا في هذا الطريق، فإننا نستقبلها برحابة صدر». وهاتان النظرتان مختلفتان كثيراً.

إن قول شخص «أريد أن أستشهد» يعني أنه جعل الشهادة هدفه، وهذه النظرة ليست صحيحة. فالهدف هو «أداء الواجب»، و«التكليف الإلهي»، و«خدمة الناس»، و«الدفاع عن الدين والحق». وتأتي الشهادة في سياق هذه الخدمة؛ أي إن الإنسان يستشهد وهو يؤدي واجبه، وهذا أمر بالغ القيمة.

لذلك، لا ينبغي أن نجعل «الشهادة» الهدف الأساسي؛ فالهدف هو التكليف الذي يتحمل الإنسان مسؤوليته. وفي سبيل تحقيق هذا الهدف، قد يحقق الإنسان انتصاراً ظاهراً، وهذا أمر حسن جداً، وقد ينال مقام الشهادة أيضاً (إحدَی الْحُسْنَیَیْنِ). فإذا انتصر الإنسان، فإن واجبه هو مواصلة طريق الخدمة.

فعلى سبيل المثال، لو أن الإمام الحسين (ع) حقق في يوم عاشوراء انتصاراً عسكرياً وسياسياً، لما قال أبداً إنه لا يريد النصر وإنه لا بد أن يُقتل! بل كان يسعى إلى أداء واجبه. فلو أن عدداً قليلاً من خواص وقادة الجيش الذي كان يقف في مواجهة الإمام، مثل عمر بن سعد وشمر وشبث بن ربعي وعمرو بن الحجاج ومحمد بن الأشعث، عرفوا الحق والتحقوا بمعسكر الإمام، لتغيرت المعادلة ولانتصر الإمام الحسين (ع) في الميدان.

لم يكن الإمام الحسين (ع) يقول أبداً إنه لا يريد النصر وإنه يريد أن يُقتل حتماً؛ وكذلك السيد حسن نصر الله لم يكن يقول إنه يصر على أن يُقتل حتماً. لقد كان يسعى إلى أداء واجبه ورسالته.

النقطة المهمة هنا أنه لم يكن يخشى الخطر، ولم يسعَ قط إلى طلب العافية. ومع أنه كان يعلم جيداً أن العدو كالكلب المسعور، ولا يتورع عن ارتكاب أي جريمة، فإنه بقي في الميدان وأدى واجبه. وعندما كان الخطر يهدده، كان بإمكانه أن يطلب السلامة، وأن يغادر لبنان مثلاً ويلجأ إلى مكان آمن؛ لكنه لم يفعل ذلك قط. لقد بقي متمسكاً بواجبه حتى نال الشهادة.

استشهاد كبار رجال الدين؛ نهاية العطاء أم بداية مرحلة جديدة من التأثير؟

 

فهل تعني هذه الشهادة نهاية تأثيره؟ أبداً! ثقوا بأن الأفق الوجودي ومقدار تأثير «الشهيد السيد حسن نصر الله» أكبر بكثير وأعمق وأكثر رسوخاً من «السيد حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله اللبناني».

وكما ترون، فإن تأثير «الشهيد قاسم سليماني» في المجتمع أكبر بكثير وأعمق من تأثيره خلال فترة وجوده بوصفه «اللواء سليماني». والحقيقة أننا لم ندرك بعد عمق تأثير الشهادة.

لننظر إلى الأمر من خلال سؤال تاريخي: لو لم يستشهد الإمام الحسين (ع) في كربلاء، وافترضنا أنه عاش عشر سنوات أخرى ثم توفي على فراشه، فهل كان تأثيره الوجودي في التاريخ سيكون أكبر من تأثير دمه الطاهر في عاشوراء؟

يشهد التاريخ أن الجواب هو: لا! فالموجة التي أحدثها استشهاد الإمام الحسين (ع) في العالم لا مثيل لها.

فعندما كان غاندي، الزعيم الكبير غير المسلم، يتحدث عن تحرير شبه القارة الهندية من الاستعمار البريطاني، قال: «لم أفعل شيئاً جديداً؛ لقد تعلمت درس مدرسة الحسين بن علي وطبقته في الهند.»

وهذا يعني أن حقيقةً ما زالت تؤثر، بعد أكثر من ألف عام، في وجدان قائد غير مسلم. واليوم أيضاً، فإن الفكرة نفسها، والمحرك نفسه، والروح نفسها التي تنبض في جبهات الحق في مواجهة الباطل، ليست سوى «شهادة سيد الشهداء (ع)».

لذلك، لا ينبغي لنا أبداً أن نقول: «لو لم يستشهد، لكان تأثيره أكبر». فواجب المجاهد هو الصمود وأداء التكليف حتى النفس الأخير؛ ولكن عندما يستشهد على يد العدو، فإن تأثيره لا يتراجع، بل يزداد بالتأكيد واليقين. لأن «الشهيد» حيّ، وله حياة «عند ربهم»، يتجاوز تأثيرها الأبعاد المادية لوجوده.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

* ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

السؤال: أليس الله عادلاً؟ وإذا كان لا يهب الإنسان ما لا مصلحة له فيه، فلماذا خَلَق بعض عباده ناقصي الخِلقة؟ هل ليتعذّبوا؟ أريد أن أفهم فلسفة ذلك.
السؤال: في بعض الروايات أنّ الإمام الحجّة عليه السلام عند ظهوره «يقوم بدين جديد». فكيف يُتصوَّر أن يأتي بدين غير دين النبيّ صلّى الله عليه وآله؟
السؤال: كيف نُدخل السرور على قلب إمام الزمان (عج)؟
كيف يمكن للأب إدارة انفعالات ابنه والتعامل مع اضطراباته الاجتماعية؟
حلول القرآن لتربية الأبناء شجعاناً صابرين في الأزمات الاجتماعية

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل