هل يعني التوكل التخلي عن السعي وترك كل شيء لله تعالى؟ هذا اعتقاد شائع، للأسف، لدى بعض الناس؛ لكن في منطق الإسلام، لا يتعارض التوكل مع السعي والتخطيط فحسب، بل هو عامل يدفع إلى الحركة والشجاعة وتحمل المسؤولية، وليس المقصود منه تجاهل الأسباب، وإنما نقل اعتماد القلب من الأسباب إلى مسبب الأسباب.
في التعاليم القرآنية، يُقدَّم التوكل مفهومًا باعثًا على الحياة والحماسة، وعاملًا للحركة واليقظة والشجاعة. ووفقًا لما نُقل عن المصادر المعتبرة، فإن «التوكل متعلق بمقام المصير، لا بمقام الطاعة»؛ أي إن العبد يؤدي وظيفته ويتوكل على الله فيما يتعلق بمستقبله ومصيره [أي التوكل لا يعني ترك الوظيفة والطاعة؛ بل على الإنسان أن يؤدي تكليفه ويعمل بما أُمر به، ثم يتوكل على الله في النتيجة والعاقبة]. وهذا الفهم يوضح الحد الفاصل بين أداء الواجب وتحديد النتيجة، ويمنع في الوقت نفسه من الكسل والغرور واليأس.
السؤال:
ما العلاقة بين التوكل والسعي؟ وهل يتعارضان مع بعضهما؟
الجواب:
التوكل من المفاهيم المهمة في الأخلاق والمعارف الإسلامية، لكنه يُفهم أحيانًا بصورة غير صحيحة. فبعض الناس يتصورون أن التوكل يعني التخلي عن السعي وترك جميع الأمور لله تعالى، في حين أن التوكل في منطق الإسلام لا يتعارض مع السعي والتخطيط، بل يدعو الإنسان إلى أداء واجبه.
المعنى الصحيح للتوكل
التوكل في حقيقته هو الثقة القلبية بالله تعالى. فالإنسان المتوكل يرى الله تعالى المؤثر الحقيقي في العالم، ويستفيد من الأسباب من دون أن يعتمد عليها؛ ولذلك فإن التوكل لا يعني ترك المسؤولية والتخلي عن السعي. ينبغي للإنسان أن يستفيد من الإمكانات التي وضعها الله تحت تصرفه، وأن يسعى لتحقيق الأهداف الصحيحة، لكنه لا ينبغي أن يرى الأسباب مستقلة عن الله تعالى. ومن ثم، فالتوكل ليس بديلًا عن السعي ولا في مقابل السعي، بل يصحح نظرة الإنسان إلى الأسباب.
مكانة السعي والاستفادة من الأسباب
في نظام الخلق، تتحقق النتائج من خلال الأسباب والعلل. والانتباه إلى هذه الأسباب لا يتعارض مع التوحيد والتوكل؛ لأن الله تعالى هو الذي جعل هذا النظام في العالم. ولذلك فإن استخدام الأسباب ليس علامة على عدم الثقة بالله، بل هو في كثير من الحالات جزء من أداء الإنسان لواجبه.
وقد قال الإمام الصادق عليه السلام:
«أبَی اللّه ُ أن یُجرِیَ الأشیاءَ إلاّ بِأسبابٍ، فَجَعَلَ لِکُلِّ شَیءٍ سَبَبا و جَعَلَ لِکُلِّ سَبَبٍ شَرْحا و جَعَلَ لِکُلِّ شَرْحٍ عِلما و جَعَلَ لِکُلِّ عِلمٍ بابا ناطِقا… » (1)
وحتى سعي الإنسان نفسه هو أحد الأسباب التي جعلها الله في نظام الخلق. فعلى الإنسان أن يعرف الأسباب التي يملكها ويستخدمها، وأن يؤدي وظيفته؛ ولذلك لا يوجد تعارض بين التوكل والسعي. وإنما يظهر التعارض عندما يتخلى الإنسان عن الأسباب كليًا، أو عندما يعتقد أنها مستقلة عن الله تعالى.
استخدام الأسباب أم الاعتماد عليها؟
يمكن للإنسان أن يستخدم وسيلة، وفي الوقت نفسه لا يعتقد أن تأثيرها مستقل عن الله تعالى. ففي النظرة التوحيدية، الأسباب حقيقية ولها آثارها الخاصة، لكن وجودها وتأثيرها يعتمدان في النهاية على إرادة الله وقدرته. والأمر نفسه ينطبق على سعي الإنسان. فالسعي مؤثر في الوصول إلى الهدف، لكنه ليس العلة المستقلة والنهائية لجميع النتائج. ولذلك فإن التوكل لا يلغي مكانة الأسباب، بل يحدد مكانتها الحقيقية، وينقل اعتماد قلب الإنسان من الأسباب إلى الله تعالى.
التوكل ومسؤولية الإنسان
وظيفة الإنسان هي أن يتخذ أفضل قرار في حدود قدرته واختياره، وأن يسعى لتنفيذه. أما ما هو خارج عن اختياره، فيفوّضه إلى الله تعالى. ولذلك فإن التوكل يقترن بتحمل المسؤولية وأداء الواجب. فعلى الإنسان أن يفعل ما يستطيع، وأن يدرك أن النتيجة النهائية ليست دائمًا تحت اختياره.
التوكل ونتيجة السعي
في نظر الإنسان المتوكل، تتمثل وظيفة الإنسان في السعي وأداء التكليف، أما النتيجة النهائية فهي بيد الله تعالى. ولذلك فإن النجاح لا يؤدي إلى التكبّر، كما أن الفشل لا يعني نهاية الطريق. فإذا اعتبر الإنسان أن النجاح نتيجة حتمية لسعيه، فقد يصاب باليأس عند الفشل. وينبغي للإنسان أن يسعى للوصول إلى النتيجة المطلوبة، لكنه لا ينبغي أن يقيس قيمة سعيه وواجبه بالنتيجة الظاهرية وحدها.
التوكل بلا سعي
إذا انفصل التوكل عن السعي، فقد يؤدي إلى عدم العمل والكسل وترك المسؤولية. فأحيانًا يلجأ بعض الناس إلى التوكل من أجل عدم أداء واجباتهم، ويبررون سكونهم وعدم عملهم باسم التوكل؛ في حين أن هذا الفهم لا ينسجم مع روح التعاليم الإسلامية. فالإسلام دين الحياة والحركة والمسؤولية، ويقدم الإنسان بوصفه موجودًا مسؤولًا وصاحب اختيار. ولذلك لا ينبغي تفسير التوكل بطريقة تكون نتيجتها تعطيل العقل والإرادة والسعي ومسؤولية الإنسان.
«يلجأ بعض الناس إلى التوكل من أجل عدم أداء واجباتهم وتبرير سكونهم السلبي، في حين أن المفهوم الصحيح للتوكل وفق آيات القرآن هو عكس ذلك! وبصورة عامة، الإسلام دين الحياة، ودين الحياة لا ينسجم مع الغفلة والعجز والضعف. والتعاليم الإسلامية تعاليم باعثة على الحياة ومحيية، وهذه قاعدة عامة يمكن اعتمادها معيارًا لمعرفة التعاليم الإسلامية.
ويعرّف الإسلام مصير الإنسان بأنه مرتبط بعمله، ويقول إنه ليس للإنسان إلا ما حصل عليه بالسعي والجهد والعمل، وهذا حصر عجيب! ومثل هذا الأساس عامل للحركة، وعامل لليقظة والبصيرة والقدرة. ولذلك، إذا فُسّرت بعض الصفات الأخلاقية، مثل التوكل، بطريقة تتعارض مع هذه القاعدة العامة، فلن يكون ذلك تفسيرًا صحيحًا.
التوكل في القرآن مفهوم باعث على الحياة والحماسة. ووفق التعريف الذي يقدمه القرآن للتوكل، فإنه كلما أراد أن يدفع الإنسان إلى العمل وأن يزيل عنه الخوف والرهبة، يقول له: لا تخف وتوكل على الله؛ اجعل اعتمادك على الله وتقدم؛ اجعل اعتمادك على الله وقل الحقيقة؛ توكل على الله ولا تخف من كثرة الأعداء وكثرتهم. إن بعض الناس يقدمون توكلًا مشوهًا ومعكوسًا باسم التوكل الذي يريده الإسلام.» (2)
وبناءً على هذه المعطيات، فإن التوكل القرآني ليس عاملًا للسكون، بل عامل للحركة والشجاعة. فالإنسان يتوكل على الله حتى لا يحول الخوف والاعتماد على العوامل الخارجية دون أدائه لواجبه.
السعي بلا توكل
كما أن التوكل بلا سعي غير صحيح، فإن السعي بلا توكل قد يوقع الإنسان في مشكلات أيضًا. فإذا جعل الإنسان اعتماده الكامل على قدرته الذاتية، فقد يصاب عند النجاح بالغرور، وعند الفشل بالقلق واليأس والشعور بالعجز. والتوكل يصحح هذه النظرة. فالإنسان يبذل جهده ويستخدم قدراته، لكنه يدرك أن هناك عوامل كثيرة خارجة عن اختياره، وأن النتيجة النهائية بيد الله تعالى. ولذلك فإن التوكل يبعد الإنسان، من جهة، عن الكسل وعدم تحمل المسؤولية، ويحفظه، من جهة أخرى، من الغرور والقلق واليأس.
الجمع بين السعي والتوكل
«التوكل والسعي لا يتعارضان؛ لأن:
- السعي والاستفادة من الأسباب أمر معترف به في الشريعة. ولكن ينبغي الانتباه إلى عدم اعتبار الأسباب مستقلة، وأن يكون الاعتماد الأساسي على مسبب الأسباب (الله تعالى)؛
- السعي والاستفادة من قدرة الإنسان وإرادته من جملة الأسباب والطرق التي يصل فضل الله وعنايته من خلالها إلى عباده؛
- وفقًا للتعاليم الدينية، يجب على الإنسان أن يؤدي وظيفته للوصول إلى مقاصده الدنيوية والأخروية، ومع ذلك يتوكل على الله. فمسبب الأسباب هو الله وحده، وكثير من الأمور خارجة عن اختيار الإنسان وإرادته. والتوكل لا يتعلق بمقام الطاعة؛ بحيث يؤدي إلى تعطيل السعي، بل يتعلق بمقام المصير؛ أي إن العبد يؤدي وظيفته ويتوكل على الله في مستقبله ومصيره. وقد وعد الله تعالى بأن يكفي عبده وأن يكتب له عاقبة حسنة.» (3)
وهذا البيان يوضح الحد الفاصل بين أداء الواجب وتحديد النتيجة. فالإنسان في مقام أداء الواجب مسؤول عن عمله وسعيه، لكنه في مقام النتيجة والمصير لا يملك جميع العوامل؛ ولذلك ينبغي أن يدفع التوكل الإنسان إلى أداء وظيفته بجدية، وفي الوقت نفسه إلى التحرر من القلق والتعلق المفرط بالنتيجة.
وبناءً على ما سبق، يمكن تلخيص العلاقة بين التوكل والسعي على النحو الآتي:
- يسعى الإنسان، لكنه لا يغتر بسعيه؛
- يستفيد من الأسباب، لكنه لا يعتمد عليها؛
- يسعى للوصول إلى النتيجة المطلوبة، لكنه لا يعتبر النتيجة تحت اختياره بالكامل؛
- عند الفشل، يراجع مسؤوليته، لكنه لا ييأس؛
- عند النجاح، يكون شاكرًا، لكنه لا يرى نفسه مستغنيًا عن الله.
النتيجة:
التوكل والسعي ليسا مفهومين متعارضين، بل هما جزءان من نظرة صحيحة إلى الحياة. فالسعي هو وظيفة الإنسان في حدود اختياره، والتوكل هو سنده في مواجهة الأمور الخارجة عن اختياره وقدرته. ولذلك، فإن التوكل لا يعني التخلي عن الأسباب، كما أن السعي لا يعني الاستغناء عن الله تعالى.
فالإنسان المؤمن ينبغي أن يعرف الأسباب ويستفيد منها، لكنه لا يجعل لها استقلالًا. وينبغي أن يسعى، وألا يظن أن كل شيء متوقف على سعيه، وأن يعمل للوصول إلى النتيجة المطلوبة، ثم يفوّض النتيجة إلى الله تعالى بعد أداء واجبه.
وتبدأ المشكلة عندما يُترك أحد هذين الأمرين. فالتوكل بلا سعي قد يتحول إلى كسل وترك للمسؤولية، والسعي بلا توكل قد يقود الإنسان إلى الغرور والقلق واليأس. ولذلك فإن الطريق الصحيح هو الجمع بينهما: السعي في العمل، والتوكل في القلب.
ومن هذا المنظور، فإن التوكل ليس دعوة إلى الجلوس والانتظار، ولا إلى ترك العقل والأسباب، بل يعني أن يمضي الإنسان في طريق الحياة، ويتحمل مسؤوليته، وفي الوقت نفسه لا يجعل من شيء غير الله تعالى سندَه النهائي.
الهوامش:
- الشيخ الكليني، الكافي، المحقق/المصحح: علي أكبر غفاري ومحمد آخوندي، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة، 1407هـ، ج 1، ص 183.
- علي أنصاريان بور وسيد عباس ديانت مقدم، تحليل الأسئلة الأخلاقية من المعصومين عليهم السلام بالمنهج الاجتهادي، الدفتر الأول، الحوزة العلمية في قم، مكتب التبليغات الإسلامية، فرع خراسان الرضوية، المركز الوطني للإجابة عن الأسئلة الدينية، ص 84.
- علي أنصاريان بور وسيد عباس ديانت مقدم، تحليل الأسئلة الأخلاقية من المعصومين عليهم السلام بالمنهج الاجتهادي، الدفتر الأول، الحوزة العلمية في قم، مكتب التبليغات الإسلامية، فرع خراسان الرضوية، المركز الوطني للإجابة عن الأسئلة الدينية، ص 83.