هل عصمة السيدة الزهراء (عليها السلام) كعصمة سائر الأئمة (ع)؟

في الإجابة عن شبهة تتعلق بعصمة السيدة الزهراء (عليها السلام) وسبب عدم تصديها للإمامة الظاهرية، تم التأكيد على أن عصمتها الكبرى في مستوى عصمة الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، غير أن المسؤوليات التنفيذية والميدانية للإمامة، كقيادة الجيش والجهاد، قد أُوكلت إلى الرجال وفقًا للحكمة الإلهية.

إن مقام عصمة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) يقع في أعلى مراتب الطهارة، وهو في مستوى عصمة الأئمة المعصومين (عليهم السلام). وقد ثبتت هذه المكانة المعنوية الرفيعة بالاستناد إلى آية التطهير ومقام حجيتها على الحجج الإلهية. وتبحث هذه الإجابة الكلامية في سبب عدم تصديها للإمامة التنفيذية.

السؤال:

هل عصمة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) كعصمة سائر الأئمة؟ ولماذا لم تصبح إمامًا؟

الجواب:

العصمة في اصطلاح علم الكلام تعني المصونية من الذنب والخطأ. ويعتبرها المتكلمون «لطفًا إلهيًا» يمنع وقوع المعصية، مع بقاء القدرة على ارتكابها لدى الشخص. أما الحكماء فيعرّفونها بأنها «ملكة نفسانية»، أي حالة راسخة في النفس، تمنع الإنسان من ارتكاب الذنب والخطأ.

العصمة الكبرى والصغرى

هذا التقسيم اصطلاح يُستخدم للتمييز بين مراتب العصمة.

العصمة الكبرى مختصة بالمعصومين الأربعة عشر (عليهم السلام). وفي هذه المرتبة يبلغ العلم والقرب من الله تعالى حدًا يجعل صدور الذنب والخطأ منهم ممتنعًا من حيث الوقوع؛ أي إنه لا يمكن أن يقع منهم عمليًا.

وهذه العصمة من لوازم النبوة والإمامة.

أما العصمة الصغرى فهي مرتبة من التقوى العالية التي يمكن أن تتحقق لبعض المؤمنين الكاملين، مثل السيدة زينب (عليها السلام) أو أبي الفضل العباس (عليه السلام). وفي هذه المرتبة لا يرتكب الشخص الذنب عمليًا، لكن لا تنتفي عنه الإمكانية العقلية والوقوعية لارتكابه.

وبناءً على تعاليم الشيعة، فإن الإجابة عن هذا السؤال تتكون من قسمين: عصمة السيدة الزهراء (عليها السلام) في مستوى عصمة الأئمة (عليهم السلام)، لكن «الإمامة» بمعنى القيادة التنفيذية والسياسية للمجتمع هي مقام له شروط ومهام خاصة.

أما فيما يتعلق بأن مقام السيدة الزهراء (عليها السلام) ـ أي الإمامة بمعناها المقامي لا التنفيذي ـ في مستوى مقام الأئمة (عليهم السلام)، فإن عصمتها مطلقة وفي أعلى مرتبة، ولا يوجد أي اختلاف بين عصمتها وعصمة الأئمة (عليهم السلام).

وهذا المقام يثبت بأدلة قرآنية وروائية متينة:

1. آية التطهير (الأحزاب: 33)

تعلّقت إرادة الله التكوينية في هذه الآية بإبعاد كل رجس عن أهل البيت (عليهم السلام). والسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) من أبرز مصاديق هذه الآية، وتثبت الآية عصمتها المطلقة.

2. مقام «الحُجّة»

تُعرف السيدة الزهراء (عليها السلام) بوصفها حجة الله على خلقه. وكون الإمام المعصوم (عليه السلام) يعتبرها «حجة» بحد ذاته دليل على عصمتها؛ لأن حجة الله لا يمكن أن يكون غير معصوم.

3. لزوم العصمة لأدوارها الخاصة

كانت عصمتها ضرورية لتربيتها الإمامين المعصومين، الحسن والحسين (عليهما السلام)، ولتكافؤها مع أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولكونها «أم الأئمة».

ولكن لماذا، مع أن العصمة موهبة إلهية يمنحها الله تعالى لعباده الصالحين، ومع أن هذه المرتبة لا تعني بالضرورة أن يكون الشخص نبيًا أو إمامًا، لم تصبح السيدة الزهراء (عليها السلام) إمامًا؟

الإمامة بين المقام المعنوي والقيادة التنفيذية

«الإمامة» بمعناها الكامل لها بُعدان:

الأول: المقام المعنوي (الولاية التكوينية).

الثاني: المقام التنفيذي (القيادة السياسية والاجتماعية).

وقد تمتعت السيدة الزهراء (عليها السلام) بالبعد الأول بصورة كاملة، أما البعد الثاني، أي القيادة التنفيذية، فلم يُسند إليها لعدة أسباب:

إذ إن الصفات اللازمة للقيادة التنفيذية تتمثل في أن هذا المقام يحتاج إلى الحضور المباشر في المجتمع، وقيادة الحروب، ومواجهة الأعداء، وخوض المفاوضات السياسية الصعبة.

وهذه المهام لا تنسجم بصورة كاملة مع الطبيعة والبنية الجسدية والنفسية للنساء، ولذلك اختار الله تعالى الأنبياء والأئمة الذين يتولون قيادة المجتمع من بين الرجال.

عدم الحاجة إلى تصدي السيدة الزهراء الظاهري

هناك أيضًا عدم وجود حاجة إلى تصدي السيدة الزهراء (عليها السلام) الظاهري؛ إذ مع وجود أمير المؤمنين (عليه السلام) بوصفه الإمام والقائد، لم تكن هناك ضرورة لأن تتولى السيدة الزهراء (عليها السلام) بصورة مباشرة قيادة المجتمع التنفيذية.

وعليه، ينبغي التفريق بين المقام المعنوي والمقام التنفيذي:

فالسيدة الزهراء (عليها السلام) كانت تتمتع بالمقام المعنوي والولاية التكوينية للإمامة، أي القدرة على التصرف في العالم بإذن الله، والهداية المعنوية للأمة، إلا أن المقام المادي والرئاسة العامة التي تحتاج إلى إدارة تنفيذية لم تُوكل إليها.

النتيجة

عصمة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) كاملة وفي مستوى عصمة الأئمة (عليهم السلام)، لأنها تقع في أعلى درجات الطهارة والقرب من الله تعالى.

أما «الإمامة» في الاصطلاح، فهي تشمل، إلى جانب المقام المعنوي، القيادة التنفيذية والسياسية أيضًا، وقد أُسند هذا الجانب إلى الرجال بالنظر إلى طبيعة هذه المهمة وخصائصها الخاصة.

وعلى الرغم من امتلاك السيدة الزهراء (عليها السلام) مقامًا معنويًا رفيعًا، فإنها لم تتولَّ هذا البعد من الإمامة بسبب الحكمة الإلهية وعدم تناسب المسؤوليات التنفيذية مع طبيعة المرأة.

 

* ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

السٶال: ما هو تفسير قول الإمام الرضا "عليه السلام" لمّا سُئل عن المشيئة، قال -: المشيئة : الاهتمام بالشيء، والإرادة: اتمام ذلك الشيء ؟
لماذا نخوض حرباً تسبب خسائر بشرية ومادية؟
من القيادة إلى المنظومة: كيف تستمر الثورة الإسلامية بعد رحيل القادة؟
السؤال: نلتقي أحيانًا بأشخاص يقومون بالكثير من أعمال الخير؛ يبنون المستشفيات، يشيّدون المدارس، يساعدون المحتاجين، ثم يقولون: «أنا أؤمن بالله وحده، ولا أؤمن بالنبي ولا بأهل البيت.» بل وربما يقول بعضهم: «أنا أصلًا لا أؤمن بالدين، وكل ما أفعله بدافع الإنسانيّة فقط.» ويُطرح هنا السؤال: هل يكون مصير مثل هذا الإنسان حسنًا في النهاية؟
الجذور الدينية للمثل المعروف "عذرٌ أقبح من الذنب"

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل