آية الله الطبسيّ: قصر مدّة المنبر لا يعني سطحيّة المضمون.. وينبغي أن يتصدّر التبليغ أولويّات الحوزة العلميّة

آية الله الطبسيّ: قصر مدّة المنبر لا يعني سطحيّة المضمون.. وينبغي أن يتصدّر التبليغ أولويّات الحوزة العلميّة

أكّد آية الله الطبسيّ ضرورة وضع التبليغ الدينيّ في صدارة أولويّات الحوزة العلميّة، مشدّدًا على أهمّيّة توظيف الطاقات العلميّة والتبليغيّة في نشر معارف أهل البيت (عليهم السلام) والتواصل المباشر مع جيل الشباب، ومبيّنًا أنّ قصر مدّة المنبر لا ينبغي أن يكون على حساب عمق المضمون وجودته.

 في كلمةٍ ألقاها يوم الجمعة (30 أكتوبر 2026م) خلال الاجتماع الأسبوعيّ لمجمع المبلّغين والخطباء في مؤسّسة دار الزهراء (عليها السلام)، قال آية الله نجم الدين الطبسيّ، عضو جماعة المدرّسين في حوزة قم العلميّة، مستشهدًا بروايةٍ عن الإمام محمّد الباقر (عليه السلام) حول أهمّيّة بيان حقّانيّة أهل البيت وفضائلهم: يروي سعد الإسكاف أنّه دخل على الإمام محمّد الباقر (عليه السلام)، وقال له: «إنّي أَجْلِسُ فَأَقُصُّ وَأَذْكُرُ حَقَّكُمْ وَفَضْلَكُمْ». فقال له الإمام (عليه السلام): «وَدِدْتُ أَنَّ عَلَى كُلِّ ثَلَاثِينَ ذِرَاعًا قَاصًّا مِثْلَكَ» (أعیان الشیعة،ج 34،ص 220)؛ أي إنّي كنت أتمنّى أن يكون على رأس كلّ ثلاثين ذراعًا راوٍ وواعظٌ مثلك يبيّن حقّانيّة أهل البيت (عليه السلام) وفضائلهم.

روايةٌ تاريخيّةٌ عن مرحلة شيوع لعن أمير المؤمنين (عليه السلام) وسبّه

وفي سياق حديثه، تطرّق عضو جماعة المدرّسين في حوزة قم العلميّة إلى الظروف التاريخيّة التي سادت في بعض الحقب، قائلًا: لقد خُصّص في مرحلةٍ من التاريخ نحو سبعين ألف منبرٍ ومنصّةٍ للعن أمير المؤمنين الإمام عليّ (عليه السلام).

وأشار إلى أنّ أعداء أهل البيت (عليهم السلام) كانوا ينزعجون من سماع اسم أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) والسيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وأضاف: كان لعن أمير المؤمنين (عليه السلام) وسبّه يُمارَسان علنًا في تلك الحقبة، وكان بعض الأشخاص يتطاولون بوقاحةٍ وألسنةٍ بذيئةٍ على مقام أهل البيت المقدّس، ومن بينهم السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام).

نشر معارف أهل البيت (عليهم السلام) كان من أماني الإمام الباقر (عليه السلام)

وأشار آية الله الطبسيّ إلى أهمّيّة نشر معارف أهل البيت (عليهم السلام) وفضائلهم، قائلًا: إنّ إقامة المجالس والمنابر التي تتناول هذه المضامين، وبيان الحقائق المتعلّقة بأهل البيت (عليهم السلام)، كانا من أمنيات الإمام محمّد الباقر (عليه السلام).

ولفت إلى ما واجهه المدافعون عن أهل البيت (عليهم السلام) وناشرو فضائلهم من صعوباتٍ عبر التاريخ، مضيفًا: لقد تعرّض أشخاصٌ في مراحل مختلفةٍ من التاريخ لممارساتٍ قاسيةٍ بسبب دفاعهم عن أهل البيت (عليهم السلام) وبيان فضائلهم ومكانتهم للناس، بل إنّ بعضهم نال شرف الشهادة. وفي بعض الحالات، تعرّضوا لألوانٍ من التعذيب الشديد، منها تمزيق أفواههم وشفاههم، في محاولةٍ للحيلولة دون بيان الحقائق وفضائل أهل البيت (عليهم السلام).

وأشار إلى استمرار أنشطة التيّارات المناوئة لمعارف أهل البيت (عليهم السلام)، قائلًا: إنّ التيّارات اليهوديّة والمسيحيّة والوهابيّة تواصل اليوم أنشطتها التبليغيّة، وتستعين بمختلف الوسائل لنشر أفكارها؛ ومن هنا، ينبغي لنا أيضًا أن نغتنم الفرص المتاحة على أفضل وجهٍ لبيان معارف أهل البيت (عليهم السلام) ونشر ثقافتهم. فترويج هذه المعارف وبيان فضائلهم يمثّلان اليوم رسالةً مهمّةً تقع على عاتق المبلّغين.

التبليغ المباشر والتواصل وجهًا لوجهٍ من أكثر الأساليب تأثيرًا في الجمهور

وشدّد عضو جماعة المدرّسين في حوزة قم العلميّة على أهمّيّة التعرّف إلى الأساليب التبليغيّة الفاعلة، قائلًا: تتوافر اليوم فرصةٌ مناسبةٌ لممارسة الأنشطة التبليغيّة، وينبغي أن ندرك أنّه لا يوجد أسلوبٌ يضاهي التبليغ المباشر والتواصل وجهًا لوجهٍ مع الجمهور في التأثير في نقل المعارف الدينيّة.

وأضاف أنّ هناك أساليب متنوّعةٌ تُستخدم في التبليغ ونشر المعارف الدينيّة، موضحًا: إنّ التواصل المباشر مع الناس لا يزال، رغم تنوّع الوسائل التبليغيّة، من أنجح الأساليب؛ إذ يتيح للمبلّغ أن يخاطب الجمهور بما يتناسب مع احتياجاته، وأن يستمع إلى أسئلته، وأن يمهّد لإقامة تواصلٍ أعمق وأكثر فاعليّةً.

ولفت إلى الطاقات الفرديّة والاستعدادات التي وهبها الله للإنسان، قائلًا: أرى أنّ بعض القدرات والإمكانات التي يمتلكها الإنسان هي مواهب إلهيّةٌ خاصّةٌ، ينبغي توظيفها في المسار الصحيح وتسخيرها لخدمة نشر معارف أهل البيت (عليهم السلام).

وشدّد على أهميّة الموهبة الكتابيّة في بيان المعارف الدينيّة، قائلًا: إنّ من النعم التي أنعم الله بها على الإنسان أن يمنحه موهبة الكتابة وحُسن التعبير. فعلى الذين يمتلكون هذه الموهبة أن يوظّفوا أقلامهم في الدفاع عن أهل البيت (عليهم السلام)، وبيان فضائلهم ونشر معارفهم، وأن يستثمروا هذه القدرة في إيصال رسالة الدين إلى المجتمع.

كما أشار إلى أهمّيّة امتلاك فنّ التبليغ والقدرة على التواصل مع الجمهور، قائلًا: إنّ من يمتلك مهارة التبليغ يستطيع التواصل مع جيل الشباب على وجه الخصوص، وتهيئة الأرضيّة لإيصال المفاهيم الدينيّة والإجابة عن تساؤلاتهم.

ضرورة حضور المبلّغين في أوساط جيل الشباب

وشدّد آية الله الطبسيّ على حاجة جيل الشباب إلى الحوار والتوجيه والمشورة من المبلّغين الدينيّين، قائلًا: إنّ الشباب اليوم بحاجةٍ إلى التعرّف إلى المعارف الدينيّة، وإلى الحوار معكم والاستفادة من توجيهاتكم ومشورتكم. فعلى المبلّغين أن يأخذوا هذه الحاجة على محمل الجدّ، وأن يعملوا على بناء تواصلٍ فاعلٍ وبنّاءٍ مع الشباب، من خلال التعرّف إلى هواجسهم وتساؤلاتهم وظروفهم الفكريّة.

وأضاف: إنّ التبليغ الدينيّ قادرٌ بالتأكيد على إحداث التأثير، غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أن يكون المبلّغ في متناول الجمهور، وأن يكيّف نشاطه وفقًا لظروف المتلقّين واحتياجاتهم.

وتحدّث عن ضرورة تغيير النهج المتّبع في أسلوب الحضور التبليغيّ داخل المجتمع، قائلًا: إذا توجّهنا للتبليغ إلى مكانٍ لا يحضر فيه الشباب، فلا ينبغي أن نكتفي بانتظار قدومهم إلى المكان الذي نمارس فيه نشاطنا التبليغيّ؛ بل علينا أن نذهب إليهم بأنفسنا، ونهيّئ سبل التواصل معهم، ونعمل، من خلال التخطيط المناسب، على جذبهم إلى المعارف الدينيّة.

منبرٌ قصيرٌ، لكن بمضمونٍ ثريٍّ قائمٍ على المطالعة والتحضير

وفي جانبٍ آخر من حديثه، تطرّق آية الله الطبسيّ إلى ضرورة استعداد المبلّغين علميًّا قبل اعتلاء المنبر، قائلًا: إذا أردتم اعتلاء المنبر، فمن الأفضل أن تكون مدّة الحديث قصيرةً، على أن تقدّموا للجمهور، خلال هذه المدّة المحدودة، مضمونًا ثريًّا ونافعًا ومؤثّرًا.

وأوضح أنّ تقديم مضمونٍ قيّمٍ يستلزم المطالعة والاستعداد المسبق، مضيفًا: ينبغي للمبلّغ أن يطالع مادّته ويعدّها قبل اعتلاء المنبر، وأن يقدّم حديثًا دقيقًا وثرّيًا، مستندًا إلى معرفته بالموضوع، واحتياجات الجمهور، وطبيعة المحتوى الذي تقتضيه المناسبة.

وأكّد قائلًا: إنّ قصر مدّة المنبر لا ينبغي أن يعني سطحيّة المضمون؛ بل ينبغي للمبلّغ أن يتمكّن، في الوقت المحدود المتاح له، من إيصال المعارف العميقة والعمليّة إلى الجمهور بأسلوبٍ واضحٍ ومفهومٍ.

ينبغي أن يتصدّر التبليغ أولويّات برامج الحوزة العلميّة

وشدّد عضو جماعة المدرّسين في حوزة قم العلميّة على ضرورة إيلاء الحوزات العلميّة اهتمامًا خاصًّا بمجال التبليغ، قائلًا: ينبغي أن يحتلّ التبليغ اليوم صدارة أولويّات برامج الحوزة العلميّة، وأن تُسخّر طاقات الحوزويّين واستعداداتهم وقدراتهم لبيان المعارف الإسلاميّة والاستجابة لاحتياجات المجتمع.

وأشار إلى تأكيد القائد الشهيد (رضوان الله تعالى عليه) على أهميّة التبليغ في الحوزات العلميّة، قائلًا: إنّ إعطاء الأولويّة للتبليغ كان من مطالب القائد الشهيد الموجّهة إلى الحوزات العلميّة؛ ومن ثمّ، ينبغي للحوزة أن تولي هذه المطلب اهتمامًا جادًّا، وأن تهيّئ الأرضيّة لحضور أكثر فاعليّةً لطلّاب العلوم الدينيّة والمبلّغين في المجتمع، وأن تسهم، من خلال توظيف أساليب متنوّعةٍ ولا سيّما التواصل المباشر وجهًا لوجه، في نشر معارف أهل البيت (عليهم السلام) وتعزيز التواصل الفاعل مع جيل الشباب.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل