Search
Close this search box.

شرّ المحن حبّ الدنيا

رُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: “شَرُّ الْمِحَنِ حُبُّ الدُّنْيا”.

لا مِحنَة أشَرّ وأخطر في تداعياتها من مِحنة حُبِّ الدنيا، إنها تجلب إلى المَرءِ مُعظَمَ المِحَن، وتسلبه القدرة على مواجهتها والثبات أمامها، هذه حقيقة لا يشكك فيها إلا غافل، أو أحمق لا يُدرك ما يحدث في حياة الناس أفراداً وجماعات وشعوباً، أما العاقل المفكِّر والباحث عن أسباب الصراعات والحروب والنزاعات يدرك أن معظمها ناتج عن حُبِّ الدنيا وحسب.

ولا يُراد من الدنيا التي حُبُّها شَرُّ المِحَنِ هذه الحياة التي نحياها على كوكب الأرض، كما لا يراد منها ما فيها من نِعَمٍ وخيرات وثروات، ولا يراد منها ما نأكله ونشربه ونسكنه ونستعمله من أدوات، ولا ما نلبسه ونتزيَّن به، ولا المناصب السياسية والعلمية والاجتماعية، ولا المكانة التجارية، فهذه جميعاً لا مشكلة فيها للمؤمن كما لغيره، المؤمن ليس ممنوعاً من الاستفادة من كل ما سبق ذكره، بل المقطوع به أن الله لم يوجده إلا للمؤمن وإن شاركه فيها غير المؤمن كما قال تعالى: “قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿32﴾ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿الأعراف/ 33﴾.

فالله تعالى يستنكر المنطق الذي يرى حرمة الاستفادة من زينته التي أخرجها لعباده والطيبات من الرزق، ثم يؤكد أنها للمؤمن في الحياة الدنيا يشاركه فيها سواه، لكنها خالصة له في الآخرة حيث لا يُشاركه فيها الكافر والفاسق والفاجر والظالم.

ثم يُبَيِّن ما حرَّم على عباده وهو الفواحش من الأعمال المتجاوزة لحدود الله، ظاهرة أو خافية، والإثم، وهو كل معصية لله، والبغي بغير الحق، وهو الظلم الذي يخالف الحق والعدل، والشرك بالله وسوى ذلك. مما جاء في الآية الثانية وفي سواها من آي القرآن.

فليس المقصود بالدنيا هنا أمراً مادياً خارج النفس البشرية، إنها أمر نفسي بحتٌ، وبعبارة أخرى: الدنيا التي هي شَرُّ المِحَن هي كيفية التعامل مع الحياة على هذه الأرض وما في الأرض من مَتاع، فإذا كان المرء يتعامل مع الحياة أنها مرحلة عبور إلى عالم الآخرة، ويتعامل مع متاعها أنه زاد لسفره فهذه الدنيا لا تكون محنة، فضلا عن أن تكون شرّ المِحَن، أما إذا تعلَّق بالحياة وانشدَّ إليها، وتعلق قلبه بما فيها من متاع وزينة ومال ومنصب وجاه، وصرف همته كلها إلى ذلك ونسيَ الآخرة فهذا هو الحب للدنيا، وهذا هو شَرُّ المِحَن، وأساس كل المِحَن.

إن حُبَّ الدنيا يُعمي المَرء عمّا بين يديه، ويُعطل تفكيره السليم، فيندفع لتحقيق نزواته وشهواته بأي وسيلة متاحة، حلالاً كانت أم حراماً، وحُبُّ الدنيا يُفسد عقله فتراه يهتم بالفاني على حساب الدائم الباقي، لا يستمع لناصح حكيم، ولا يقبل نصيحة محبٍّ مُخلص.

حُبُّ الدنيا يُذِلُّ المَرء، ويهلك دينه، ويذهب بكرامته، ويجعله سيفاً في يد الظالم الطاغي، ولا نحتاج إلى حشد نماذج من التاريخ للبرهنة على هذه الحقيقة، إذ يكفينا أن نلاحظ ما يحدث اليوم من ظلم وطغيان في (فلسطين) وتخَلّي معظم الحكومات والأنظمة العربية والإسلامية عنها، وكذلك الأفراد الذين لا يكتفون بالتخلي عنها وإدارة الظهر لما يحدث من مجازر مُرَوِّعة، بل يتبرعون من تلقاء أنفسهم ليكونوا أبواقاً تنهق من الصباح حتى آخر الليل للتبرير للعدوان، وتثبيط العزائم، وإيقاع الفرقة بين المسلمين، فلو بحثنا عن السبب لوجدناه حُبُّ الدنيا.

ولو بحثنا عمَّن جيش الجيوش لقتال المسلمين بعضهم ضد بعض، وأفتى الفتاوى، بل أباح ما سُمِّيَ (جهاد النكاح) ولم يعبأ بعدد القتلى والجرحى والكُلَف الاقتصادية الباهظة في بلاد العرب والمسلمين، ثم ها هو اليوم يفتي بحرمة التضامن مع المقتولين ظلما في أشرف وأصدق قضية، بل يفتي بحرمة الدعاء للمظلومين من الرجال والنساء والولدان، لو بحثنا عن السبب لوجدناه حُبَّ الدنيا.

لا تقتصر مخاطر حُبِّ الدنيا على استعداد المرء أن يكون أداة بيد الظالم، وأن يبرر له ظلمه وعدوانه، وأن يتنازل عن كرامته، بل إنه لا يهنأ في دنياه أبداً، يظل لاهثا خلفها وهي تجري بين يديه، خائفاً من خسارة القليل منها فضلا عن خسارتها برمتها، وفي هذا من العناء والتعب ما فيه، لقد جاء عن رسول الله (ص) أنه قال: “مَن أصبَحَ وأمسى وَالدُّنيا أكبَرُ هَمِّهِ، جَعَلَ اللّهُ تَعالَى الفَقرَ بَينَ عَينَيهِ، وشَتَّتَ أمرَهُ، ولَم يَنَل مِنَ الدُّنيا إلاّ ما قُسِمَ لَهُ” وفي حديث آخر قال: “مَن أصبَحَ وَالدُّنيا أكبَرُ هَمِّهِ فَلَيسَ مِنَ اللّهِ في شَيءٍ، وألزَمَ قَلبَهُ أربَعَ خِصالٍ: هَمّا لا يَنقَطِعُ عَنهُ أبَداً، وشُغُلاً لا يَنفَرِجُ مِنهُ أبَداً، وفَقراً لا يَبلُغُ غِناهُ أبَداً، وأمَلاً لا يَبلُغُ مُنتَهاهُ أبَداً”.

فأيّ مِحَنٍ أعظم من هذه المِحَن، فقرٌ نفسي دائم، وتشتت فكري ونفسي، وهَمٌّ لا ينقطع، وشغلٌ لا يتوقف، وأمل لا يتحقق؟!.

بقلم الكاتب والباحث اللبناني في الدراسات القرآنية السيد بلال وهبي

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل