السؤال: هل ستكون عائلتي بجانبي في الجنة؟

الجواب: ‌لعلّ هذا السؤال يراود ذهنك كلما جال خاطرك في ملكوت الجنة: إذا كانت الجنة هي موطن السعادة المطلقة، فكيف يسعني بلوغها دون من أحب؟ والدي، والدتي، زوجتي، وأبنائي… كيف للجنة أن تكتمل في غيابهم؟

إن هذا التساؤل ليس مجرد بحثٍ كلامي أو فلسفي، بل هو هاجسٌ قلبيٌّ وتوقٌ وجداني يشغل حيزاً كبيراً من تفكيرنا.

أول ما يجب استحضاره في هذا المقام هو أن الجنة ليست داراً للنسيان؛ إذ لا تنمحي ذاكرة الإنسان هناك عما مرّ به في دنياه. يخبرنا القرآن الكريم أن أهل الجنة يتجاذبون أطراف الحديث، ويستذكرون رفاقهم القدامى، بل ويتساءلون عن مصيرهم.

يقول الله تعالى في سورة الصافات: «فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ» (الصافات: 50-51). تشير هذه الآيات بوضوح إلى تلك الحال من التزاور والتذاكر، حيث يُقبل أهل النعيم على بعضهم يتساءلون، فيقول أحدهم مستحضراً الماضي: لقد كان لي في الدنيا جليسٌ وصاحب.

وماذا عن الشأن الأسري؟

لقد قدم القرآن الكريم إجابة جليّة في هذا الصدد: إذا كان أفراد الأسرة من أهل الإيمان، فإنهم سيجتمعون في مقامٍ واحد؛ حيث يقول تعالى: «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّیَّتُهُمْ بِإِیمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّیَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَیْءٍ کُلُّ امْرِئٍ بِمَا کَسَبَ رَهِینٌ» (سورة الطور: 21). ومعنى الآية أن الذين آمنوا واتبعهم أبناؤهم وأحفادهم في مضمار الإيمان، يجمع الله شملهم بآبائهم في درجات الجنة، دون أن ينقص من ثواب الآباء شيئاً؛ فكل نفسٍ مرهونة بما قدمت.

ولكن، ماذا لو تفاوتت مراتب الإيمان بين أفراد الأسرة؟

قد يتساءل المرء: ماذا لو كانت مرتبتي الإيمانية أسمى من مرتبة والدي؟ أو ماذا لو كان شريك حياتي مقصراً في بعض العبادات لكنه يتسم بصلاح الظاهر وسكينة النفس؛ فهل يتاح لنا الاجتماع سوياً رغم هذا التفاوت؟

والإجابة هي: نعم؛ فإن الاختلاف في الدرجات لا يشكل عائقاً أمام اللقاء والتزاور. إذ تشير الروايات الشريفة إلى أن الله تعالى، بفيض لطفه وواسع رحمته، يلحق الأبناء بالآباء والأزواج ببعضهم البعض ليتمَّ عليهم النعيم، حتى وإن قصرت أعمال بعضهم عن درجات الآخرين، وذلك دون أدنى انتقاص من جزاء أي منهم.

وفي هذا المعنى، يُروى عن النبي الأكرم (ص) قوله: «إنَّ المُؤمِنَ لَتُرْفَعُ لَهُ ذُرِّیَّتُهُ مِن بَعدِهِ فی دَرَجَتِهِ، وإنْ كانوا دونَهُ فی العَمَلِ، لِتَقَرَّ بِهِم عَیْنُهُ» (التفسير الصافي، الفيض الكاشاني، ج 5، ص 79). فالغاية الأسمى من هذا الإلحاق هي إدخال السرور على قلب المؤمن وتحقيق قرة العين باجتماع شمل أحبته من حوله.

ماذا لو كان أحد أفراد الأسرة من أهل النار؟

إذا اختار المرء بمحض إرادته ووعيه طريق الكفر والظلم فاستحق بذلك النار، فإنه يتعذر حينئذٍ استمرار الاجتماع به؛ إذ هما مساران متناقضان تماماً. وفي تبيان ذلك نورد الحجج التالية:

أولاً: يمتلك أهل الجنة إدراكاً عميقاً لمفهوم العدالة الإلهية؛ فهم يوقنون بحقيقة قوله تعالى: «كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ» (الطور: 21). وهذا الاستبصار بعدالة الجزاء ينفي عن نفوسهم أي شعور بالحزن أو الغبن تجاه مصائر الآخرين.

ثانياً: لقد وعد الله تعالى أهل الجنة بتنقية سرائرهم، حيث قال: «وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ» (الحجر: 47). إن هذا التطهير يشمل نزع كل أشكال الشوائب النفسية والمعاناة من القلوب، مما يورث هدوءاً تاماً ورضا مُطلقاً، بحيث لا يجد أي كدرٍ سبيلاً إلى نفوسهم.

ثالثاً: إن العلاقة الكائنة في الدنيا بين أبٍ في الجنة وابنٍ في النار هي في جوهرها علقةٌ مادية دنيوية؛ أما في الآخرة، فتتحدد الروابط بناءً على “السنخيّة” والمجانسة الروحية. فالأب قد اتصل بنور الحق، بينما ارتبط الابن بظلمة العصیان، وهذا التباين الجوهري يقطع آواصر التجانس بينهما، فلا يبقى ثمة رابطُ استذكارٍ أو تعلق. لقد كان اجتماعهما في الدنيا نتاج “حجب” المادة وستائرها، أما في دار الحق، فتتمزق هذه الحجب وتنقطع تلك الصِلات التي لا تقوم على وحدة الماهية والروح.

رابعاً: إن مفهوم المحبة في الجنة يرتقي عما هو عليه في الدنيا. فالحب الغائي والسمو العاطفي يتجه نحو ذات الله جل جلاله، وكل ما دونه إنما يُحب فيه وله. فإذا كانت الميول الدنيوية تجاه الوالد أو الولد قد تشكل أحياناً عائقاً دون محبة الله وطاعته في الدنيا، فإن الوعي في الآخرة يصل إلى ذروته؛ حيث يدرك المؤمن أن الحب الحقيقي هو ما دار في فلك الطاعة، وما خرج عن هذا الفلك فقد فَقَدَ ماهيته وقيمته، وإن كان هذا المستوى الرفيع من الإخلاص والكمال لا يناله الجميع في حياتهم الدنيا قبل انكشاف الغطاء.

لذا، فإنه حين يعزف الإنسان عن الإيمان ويغفل عن تقوى الله، يصطنع بوعيه “محبوباتٍ موازية”، وقد يبلغ به الأمر أن يُقرِّب محبة الخالق قرباناً على مذبح تعلقه بتلك المحبوبات. أما المؤمنون، فيجعلون مودتهم لوالديهم وأزواجهم وأبنائهم، بل ولأنفسهم وأموالهم، مرتبةً أدنى من محبتهم لله وشوقهم لوصاله، مقتدين في ذلك بمسلك أولياء الله والشهداء.

خامساً: تنتفي في الدار الآخرة كافة أشكال التزاحمات والتعارضات الدنيوية؛ فلا جهل هناك، ولا هوى نفس، ولا حسد ولا خصومة ولا تنافس. إن الآخرة هي عالم “الشهود” والمحبة الإلهية الصرفة؛ وفي ذلك الفضاء القدسي، لا يرى المنعّم في الجنة أحداً جديراً بالمحبة والتعلق سوى الله سبحانه، ومن سلك مسلك محبته.

ومن هذا المنطلق، لا يجد الكدرُ والحزنُ سبيلاً إلى قلب المؤمن حيال مصير قريبٍ له استحق النار؛ فإما أن تغيب عن ذاكرته تلك الروابط الدنيوية تماماً، أو أنه إذا استذكرها، تجردت في وعيه من أحاسيس القرابة والارتباط المادي الذي كان يحكمها في الدنيا. وبالتوازي مع ذلك، فإن المؤمن -حتى لو علم بصورةٍ قطعية أن أحداً قد استوجب غضب الله بسوء عمله- فإنه لن يأسى عليه؛ ذلك أن مَن كان مغضوباً عليه من قِبل الباري، لا يمكن أن يظل محبوباً في قلب المؤمن. وهذا المبدأ يمكن تلمس معالمه في الدنيا أيضاً؛ فالإنسان حين يصدق في محبة جهةٍ ما، يستشعر تلقائياً مباينة أعداء تلك الجهة.

سادساً: ما دام هناك بصيصٌ من رجاءٍ في أصل الإيمان، أو أملٍ في الشفاعة والتفضل الإلهي، فإن أبواب الرحمة لا تُوصد. فكثيرٌ من الذين قد يُرى في إيمانهم ضعفٌ أو قصور، قد تشملهم الرحمة الخاصة ببركة صلتهم بعباد الله الصالحين، فتُفتح لهم بذلك ثغرةٌ نحو النجاة واللحاق بركب الناجين.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

إذا لم یمکننا طلب العفو والرضی من الناس، فهل هناك دعاء لطلب المغفرة لهم؟ في هذه الحالة، أرجو منکم ذکر ذلك الدعاء.
كيف يمكن الرد على هذا الكلام من الإمام عليه السلام وهو العارف بالقران الكريم فهل يمكن أن يحتج على حقه في هداية الناس بهذه الطريقة وكذلك الكلام عن الإمام الصادق عليه السلام عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال : ( في قول الله عز وجل {و الشُعَراء يَتّبعهُم الغاوون} ، قال: هل رأيت شاعراً يتبعه أحد إنما هم قوم تفقهوا لغير الدين فضلوا وأضلوا ) عن الإمام الصادق (عليه السلام ) أنه قال : ( في قول الله عز وجل {و الشُعَراء يَتّبعهُم الغاوون} ، قال: قال : نزلت في الذين وضعوا بآرائهم فتبعهم الناس على ذلك .( وسائل الشيعة)كيف يمكن الرد على هذا الكلام من الإمام عليه السلام وهو العارف بالقران الكريم فهل يمكن أن يحتج على حقه في هداية الناس بهذه الطريقة وكذلك الكلام عن الإمام الصادق عليه السلام عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال : ( في قول الله عز وجل {و الشُعَراء يَتّبعهُم الغاوون} ، قال: هل رأيت شاعراً يتبعه أحد إنما هم قوم تفقهوا لغير الدين فضلوا وأضلوا ) عن الإمام الصادق (عليه السلام) انه قال : (هم قوم تعلموا وتفقهوا بغير علم فضلوا وأضلوا كثيراً) (تأويل الآيات
السؤال: كيف نجمع بين هاتين الروايتين: عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنما أنا بشر مثلكم أتزوج فيكم، وأزوجكم إلا فاطمة فإن تزويجها نزل من السماء. والرواية الثانية: عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال : وإن الله عز وجل ما تولى تزويج أحد من خلقه إلا تزويج حواء من آدم، وزينب من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفاطمة من علي (عليهما السلام) ؟
السؤال: كيف نفسّر نسبة فعل (الخلق) إلى بعض الملائكة والأنبياء والأولياء (عليهم السلام)؟ وهل يصح إطلاق هذا الفعل عليهم؟
السؤال/ هل صحيح ان جبرائيل عليه السلام قال في يوم معركة أحد لا فتى إلا علي لا سيف إلا ذو الفقار؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل