كيف نتعامل مع الأطفال الذين يأخذون المال خِفية؟

إنّ الطفل الذي يأخذ المال خِفيةً من حقيبة الأب أو الأم ليس بالضرورة «طفلًا سيّئًا». فهذا السلوك غالبًا ما يكون جرس إنذار يدلّ على وجود حاجات غير مُلبّاة. قراءة هذا النصّ تقدّم حلولًا عمليّة ورؤى قيّمة في هذا المجال.

إنّ سلوك أخذ المصروف دون إذن من الوالدين يحمل رسالة من الأبناء، رسالة تدلّ على حاجاتهم ورغباتهم، بل وحتى على نواقص لم تُدرَك أو لم يُلتفت إليها. لكنّ السؤال الأساسي هنا هو: كيف ينبغي للوالدين أن يتصرّفوا في مثل هذا الموقف؟ هل يجب التعامل معه بصرامة، أم بمرونة أكبر مع السعي إلى البحث عن جذور المشكلة؟

وقد أجاب حجّة الإسلام والمسلمين السيّد عليرضا تراشيون عن هذا السؤال، ويُقدَّم كلامه إلى حضرات القرّاء الكرام.

إنّ الإخفاء وأخذ المال بطريقة سرّية قد يكون تجربة متكرّرة لدى كثير من العائلات من قبل الأبناء. والسؤال الذي يطرحه كثير من الآباء هو: «ما هو التصرّف الأنسب؟»

عادةً ما يكون للأطفال الذين يأخذون المال دون إذن عدّة أسباب رئيسيّة:

  • أحد الأسباب هو الإفراط في الطلب والطمع لديهم؛ فهم لا يقنعون بحقّهم، وغالبًا ما يتشكّل هذا الطمع تحت تأثير أقرانهم.
  • سبب آخر قد يعود إلى أسلوب إعطاء المصروف من قبل الوالدين. فعلى سبيل المثال، بعض الآباء والأمّهات يعطون أبناءهم مبلغًا شهريًّا أو حتّى أسبوعيًّا، في حين أنّ الطفل لم يصل بعد إلى النضج والقدرة اللازمين لإدارة نفقاته. أي إنّه قد ينفق المال الذي يتلقّاه شهريًّا مثلًا في الأسبوع الأوّل، ثمّ يواجه بعد ذلك نقصًا.

عندما يُنفق الطفل ماله بسرعة، ويقول له الوالدان «لا»، فإنّه يلجأ مجدّدًا إلى الإخفاء لتلبية حاجاته.

الحلول:

1. تغيير الإطار الزمني للمصروف:

إنّ اقتراح إعطاء المال يوميًّا أو يومًا بعد يوم، ولا سيّما للأطفال والمراهقين الأصغر سنًّا، فكرة ممتازة وتعليميّة جدًّا. فهذا يساعدهم على تعلّم الإدارة الجزئيّة لنفقات الحياة اليوميّة، كما يمنحهم فرصة أسرع للتعويض في حال الخطأ.

أمّا الدفع الأسبوعي فيمكن أن يكون مستوى أعلى وأكثر تحدّيًا للمراهقين الذين يُظهرون تدريجيًّا نضجًا في إدارة شؤونهم الماليّة.

2. عدم ربط المال بالمسؤوليّات (وليس بالأعمال الشاقّة والمتعبة):

إنّ إعطاء المصروف للطفل أو المراهق لا ينبغي أن يكون مقابل أداء عملٍ ما.

3. تحديد مبلغ المصروف بشكل واقعي ومتناسب مع الحاجة:

هذه نقطة مهمّة جدًّا وغالبًا ما يتمّ تجاهلها. يجب أن يكون المصروف متناسبًا مع الحاجات الحقيقيّة والمنطقيّة لعمر الطفل، وكذلك مع الظروف الاقتصاديّة للمجتمع.

إنّ إعطاء مبلغ لا يتيح عمليًّا أيّ شراء معقول يخلّف نتيجتين سلبيّتين:

_ الطفل أو المراهق لا يتعلّم قيمة المال ولا إدارة شؤونه؛ لأنّه في الأساس لا يملك شيئًا يُدار.

_ ويدفعه ذلك، من حيث لا يشعر، إلى اللجوء لأساليب أخرى (كالإخفاء، أو الطلب المتكرّر، أو الإحساس بالحرمان).

يجب أن يكون مبلغ المصروف متناسبًا مع الحاجات الطبيعيّة للمراهق. فمثلًا، قد يحتاج المراهق يوميًّا إلى المال لشراء طعامٍ خفيف من المدرسة.

علينا أن نأخذ بعين الاعتبار الحدّ الأدنى لثمن شراء طعامٍ بسيط، وأن نعطيه المال بما يتناسب مع حاجته.

عندما لا نعطي الطفل المال بما يتناسب مع حاجته، قد يلجأ إلى أخذ المال خِفيةً ومن دون إذن.

4. عدم إدارة الوالدين ومراقبتهم للنقود النقديّة الخاصّة بهم، ممّا قد يخلق فرصة وإغراءً كبيرًا للطفل أو المراهق.

ومنذ القدم يُقال: «أمسك مالك بإحكام، ولا تجعل الناس لصوصًا».

الإهمال في التعامل مع النقد في عصر البطاقات:

صحيح أنّ المعاملات اليوم أصبحت رقميّة، لكنّ ذلك القدر القليل من المال النقدي الموجود في البيت أو الجيب، إذا أُهمل، فقد يتحوّل بالنسبة لطفل لم تتكوّن لديه بعدُ صورة كاملة عن حدود الملكيّة وضبط النفس أمام الإغراء، إلى مجالٍ لسوء الاستفادة.

حلّ عمليّ وذكي:

إنّ اقتراح إظهار الحسابات بطريقة غير مباشرة وطبيعيّة اقتراح ممتاز. فقول جملة مثل: «يا محمّد، في جيبي الأيمن سبعون ألف تومان، إن احتجت خذ عشرة آلاف تومان»، يحمل في طيّاته عدّة رسائل قويّة وتربويّة في آنٍ واحد:

  1. الأب أو الأم على دراية كاملة بمقدار المال ومكانه (دقّة وحساب).
  2. وجود ثقة بالابن والاعتراف بحاجته (أخذ المال ليس سرقة ولا خِفية).
  3. تحديد حدّ واضح (يمكنك أخذ هذا المقدار، لا أكثر).
  4. تعليم احترام ملكيّة الآخرين عمليًّا (إذا أردت أن تأخذ شيئًا يخصّني، فاستأذنني).

النقطة الأخيرة: أحيانًا ينبغي لنا أن نحدّد حتّى مجال إنفاق المال الذي نعطيه لأطفالنا. فمثلًا، نقول: هذا المال الذي نعطيك إيّاه أسبوعيًّا مخصّص فقط لطعامك في المدرسة.

وإن احتجت إلى شيءٍ آخر، تعال وأخبرنا، وسنعطيك ماله. لأنّ بعض الأطفال يشعرون أحيانًا أنّ هذا المال الذي يعطيه الوالدان على أنّه مصروف، هو لجميع نفقاتهم.

لكنّهم يرون أنّ ذلك لا يتطابق مع الواقع؛ فمثلًا يأتي الآن ويطلب دفترًا، وإذا سمع: «اذهب واشتره من مالك»، فهذا غير ممكن. لذلك يلجؤون إلى هذا السلوك وأخذ المال.

أرجو من الآباء والأمّهات أن يُربّوا أبناءهم على القناعة والامتلاء النفسي. فغالبية الأطفال عقلانيّون، ومن وجهة نظري لديهم حاجات منطقيّة متناسبة مع أعمارهم. قولوا لهم: كلّما ـ لا سمح الله ـ نقص معك المال، تعال وأخبرنا، لنرَ في ماذا تحتاجه، وسنضعه حتمًا في تصرّفك.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

ما تفسير قوله تعالى في سورة الدخان( وهو الذي في السماء اله وفي الأرض اله)
هل كان لـ«بساط» سليمان (ع) حقيقة تاريخية؟
السؤال: كيف نتصور أن الانسان الفقير يؤذي الله الغني القدير، بأي معنى يكون الإيذاء لله تعالى في هذه الآية الكريمة ؟ قال تعالى:
السؤال: إذا كان من المقرَّر أن يُنسخ حكمٌ من أحكام القرآن الكريم، فلماذا نزل ابتداءً بصيغة آية قرآنية؟ وإذا كان حكمه قد رُفع لاحقاً، فما العلّة في بقائه ضمن النص القرآني وعدم حذفه؟ ثم ما الأساس والمسوِّغ لتلاوة الآيات المنسوخة أصلاً؟ ولماذا، على الرغم من وقوع النسخ، ما تزال الآيات المنسوخة باقية في القرآن الكريم وتُتلى؟
معرفة الله عند الأطفال | ماذا يعني قولنا: «إنّ الله موجود منذ الأوّل»؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل